العنوان أيها الحكام إنهم يكيدون لكم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 773
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 01-يوليو-1986
لا يكاد يوجد أحد يجادل في أن الأمة العربية والإسلامية ما زالت تعاني من التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية لدول المعسكر الغربي على الرغم من تحرر جميع هذه الدول من عهود الاستعمار.
وتتجلى أهم مظاهر التبعية السياسية في الطاقم الذي يجمع كثيرًا من الحكام، فضلًا عن الحكام وشكل الحكومات التي توالت في جميع أرجاء العالم العربي والإسلامي بعد رحيل الاستعمار المباشر، ولا نظن أحدًا يجادل في أن معظم أسلاف هؤلاء كانوا مجرد «نواطير» للاستعمار.
وهم وإن كانوا يتظاهرون مدافعين بحرارة عن حريتهم واستقلاليتهم وتفانيهم في خدمة شعوبهم إلا أنهم لا يخفون تحالفاتهم مع هذا المعسكر أو ذاك، بل إنهم يفلسفون ذلك ويدافعون عنه من وجهة نظر سياسية واستراتيجية، ونحن وإن كنا لسنا في معرض نقاش وجهة نظرهم هذه، إلا أننا نخالفهم الرأي بالطبع لأننا نعلم من خلال الواقع والتجربة أن معظمهم لم يتسلم السلطة إلا لأنه جاء عن طريق هذا الحليف أو ذاك، سواء عن طريق انقلاب عسكري، أو انتخابات غير نزيهة، أو فرض بضغوط سياسية، أو اقتصادية.
ونحب هنا أن نلفت أنظارهم وأنظار الناس أجمعين، إلى أن حلفاءهم وخاصة الأمريكان، يكيدون لهم كيدًا عظيمًا بالرغم من أنهم جاءوا بهم أو وقفوا إلى جانبهم.
ولعل أهم مظاهر هذا الكيد هو سلسلة الانقلابات العسكرية التي توالت في أكثر من قطر عربي ابتداء من انقلاب حسني الزعيم في سوريا، عام 1949، وهو العام التالي لقيام دولة العدو الصهيوني في فلسطين.
الأمر الذي يكشف بوضوح عن أن هذه الانقلابات كانت تهدف لإشاعة جو يساعد الكيان الصهيوني على الاستقرار و النمو، ومع أن أنظمة الانقلابات العسكرية لم تأت إلا بالويل والثبور للشعوب، على أن ما نود أن نلفت الانتباه إليه هنا، إن هذه الانقلابات كانت بمثابة تهديد مباشر، وسيف مصلت على رأس كل حاكم بغض النظر عن مدى تحالفه أو «صداقته» أو «اعتداله» في علاقته مع السيد الأمريكي وهي بالتالي وسيلة لإبقاء هذا النظام أو ذاك مواليًا وفيًا للمطالب الأمريكية، وهي وسيلة ثبتت جدواها وما تزال صالحة للعمل، وإن كان تغير شكلها.
إلا أن ما يحير كل عاقل، أنه على الرغم من وضوح هذه الوسيلة إلا أن كثيرًا من الحكام الحلفاء للغرب لم يتعظوا بما فعلته في كثير من أسلافهم أو أمثالهم کشاه إیران، وسادات مصر، وجعفر نميري، وماركوس الفلبين.
وإذا كانت لعبة الانقلابات العسكرية قد أصبحت مكشوفة كوسيلة لتغيير الأنظمة فإن ثمة وسيلة مماثلة وهي الشخصية المنافسة، ولعل أوضح دليل على ذلك في الوقت الحاضر شخصية المشير عبد الحليم أبو غزالة الذي أشيع منذ فترة أنه يشكل البديل الأمريكي لحسني مبارك وأخيرًا قيل إنه هو الذي أعلم الأمريكيين بمسار الطائرة المصرية التي كانت تقل مختطفي السفينة الإيطالية أكيل لورو، والتي قامت الطائرات الأمريكية باعتراضها فوق المتوسط واختطافها، وفي الأسبوع الماضي عاد الرجل من جولة شملت أمريكا وبريطانيا أجرى فيها محادثات غلب عليها الجانب السياسي على الرغم من أن الرجل عسكري في المقام الأول وتتوقع المعارضة المصرية أن تتم مكافأته قريبًا بتعيينه نائبًا للرئيس الذي ظل شاغرًا منذ سُلم حسني مبارك سدة الرئاسة.
وفي سوريا يعتقد بعض المحللين أن رفعت الأسد يلعب هذا الدور ولذلك قرر حافظ الأسد إبعاده إلى فرنسا.
وفي تونس تم إثارة موضوع خلافة بورقيبة الذي حسم الأمر لصالح محمد مزالي، والصورة تتكرر هنا وهناك، لتعمل الشخصية المنافسة على زيادة رصيدها الشعبي في الوقت الذي تعمل فيه على توريط الزعيم في سلسلة أعمال تجعل صورته مهزوزة أو مجروحة أمام الجماهير لكن بصورة خفية.
ولعل القضية نفسها تتكرر في دول أخرى حيث يجري اصطناع المنافس من خلال استغلال تنافس الأجنحة الحاكمة والنتيجة الواضحة حتى الآن المزيد من الولاء والمزيد من التبعية، والانتقال من التلميح بذلك إلى العلن، ومن الحياء إلى الدفاع والتسويغ.
وما يقال عن حلفاء أمريكا يقال عن حلفاء روسيا، فصورة الأحداث في عدن والصراع الدموي بين الرفاق ما زالت مرسومة في الأذهان.
ونحب أن نقول للحكام جميعًا إن حلفاءكم يكيدون لكم كيدًا عظيمًا وليسوا بتاركيكم مهما بالغتم لهم في المودة والولاء والإذعان، فالخير لكم والحالة هذه إن تصلحوا ما بينكم وبين الشعوب، فتطلقوا الحريات وتعملوا معًا لخير البلاد والعباد على هدى من كتاب الله وبصيرة، فوالله إن أنتم حكمتم بالإسلام، وعدلتم في الرعية، وسددتم وقاربتم لأنزل الله عليكم رحمته وسكينته ونصره واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: 55).
وإنا لمنتظرون والله ولي التوفيق.