; أين نحن من هؤلاء؟ الشهيد عمر المختار (١٢٧٧هـ - ١٣٥٠هـ) | مجلة المجتمع

العنوان أين نحن من هؤلاء؟ الشهيد عمر المختار (١٢٧٧هـ - ١٣٥٠هـ)

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1149

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-مايو-1995

  • الإيطاليون يشنون حرب إبادة ضد الشعب الليبي، فيقتلون أكثر من سبعين ألفًا في السنوات الأولى لاحتلالهم.
  • عمر المختار يقول: «لن أبرح الجبل الأخضر طيلة حياتي، ولن يستريح الطليان فيه، حتى يواروا لحيتي في التراب».
  • الجنرال استياني الإيطالي يقول: إنه خاض ضد عمر المختار 263 معركة على مدى عشرين شهرًا فقط

ما أحوج هذه الأمة إلى العودة المبصرة الواعية إلى مصادر عزها، وإلى منابع كرامتها، وإلى سر وجودها بالعودة إلى تاريخها ورجالها تتناسى بهم، وتتربى على أيديهم، إن رصيدنا من البررة الأبطال رصيد ضخم لا نظير له على ظهر الأرض، لذلك يجب دراسة الواقع التاريخي لهذه الأمة، لنتعرف على أثر الإيمان والعقيدة في الحياة الإنسانية في صورة واقعية حية تمشي على الأرض، وإنه ليبدو واضحًا لكل دارس أن التوحيد ذو أثر ضخم في حياة الإنسان، حين يعيشه واقعًا فكريًا وسلوكًا عمليًا، وأن الإنسان يستطيع حينما يتشبع بالإيمان على هذه الصورة أن يبذل من الجهد، وأن يأتي من الأعمال ما لا يستطيعه العشرات من الذين خلوا من هذه العقيدة، ولقد استطاع «عمر المختار» أن يكون بطلًا لألف معركة، قاد فيها جهاد المسلمين ضد الاستعمار الإيطالي الغاشم.

هناك ألوف وألوف من الرجال في تاريخ الإسلام هم نماذج حية في كل اتجاه كلهم قمم على أعلى مستوى بلغته البشرية، فيهم عمق الشعور بتقوى الله وخشيته والانضباط مع الله في السلوك، وصدق في الجهاد في سبيل الله، وحرص على التمكين لدين الله في الأرض والعجائب التي تكررت في الفتوحات الإسلامية من النصر المبين للفئة القليلة في العدد والعدد على أضعافها في كل شيء ليست منا ببعيد.

لقد آمن عمر المختار بالعهد الذي بينه وبين ربه، وعزم أن يحمل كافة الالتزامات التي يفرضها عليه هذا الإيمان وليكن ما يكون النصر أو الشهادة.

لقد كان موقفه من الاستعمار الإيطالي هو الذي يجب أن يقفه كل مسلم يريد أن ينصر الحق، وأن يغبر قدميه في سبيل الله، ولله من خلقه رجال يتحولون عند الشدائد إلى أسود، وشهيدنا من هؤلاء، لقد جمع من حوله المجاهدين ووحد صفهم، وبفضل الله وحده أثبت عمليًا تفوق المؤمن الحق على جميع الأخطار.

لقد آمن بأن الله حق، وبأن الإسلام حق وبأن محمدًا ﷺ حق، وأن مقاومة المعتدين الغزاة إلى آخر قطرة من دمه حق، فلم يعد له بعد هذا الإيمان أن ينكث أو يتردد.

لقد آمن عمر المختار أنه لن يكون حرًا إلا إذا كانت أمته حرة، ولن يكون عزيزًا إلا إذا كانت أمته عزيزة، ولن يكون آمنًا إلا إذا كانت أمته آمنة.

لكن قبل أن نتحدث عن عمر المختار المجاهد الذي أذهل الأعداء في كره وفره، ورفع لواء الإسلام حتى لقي الشهادة التي حرص عليها، وترك وراءه تاريخًا ثريًا، وأصبح قمة شاهقة من القمم الصادقة قبل ذلك كله يجدر بنا أن نشير بسرعة إلى نشأته وطفولته وجوانب تربيته.

مولده ونشأته

ولد في 1277هـ في «واد البطنان» في برقة، وكانت قبيلته هي إحدى القبائل العربية المشهورة بقوة البأس في المنطقة، وكان والده قد نذر لله إن رزقه الله بمولود أن يهبه للعلم والدين وخدمة الإسلام، وما إن أتم سنواته الخمس حتى التحق بالمدرسة الابتدائية؛ ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بعدها بزاوية «الجغبوب» ليتلقى مبادئ الدين الحنيف والتاريخ الإسلامي.

ونشير هنا إلى ضرورة التلقين للأولاد والتعويد، وتكوين الولد عقديًا وإعداده إيمانيًا وتأديبه بآداب الإسلام، ولقد روت كتب التاريخ أن رجلًا رأى مرة شابًا فأعجب بمنظره، فسأل أمه عنه ماذا صنعت له فقالت: «عندما أتم خمس سنوات أسلمته إلى المؤدب فحفظ القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه، ولقن مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل، فتمرس وتفرس ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحي، وأصغى إلى صوت الصارخ».

ولا شك في مثل هذا الإعداد لمثل هذا الفتى سيكون في الغالب من جنود الإسلام، ومن رجال العقيدة والدعوة إلى الله.

التربية على يد السنوسيين

وهذا ما حدث لشهيدنا، فإن زاوية الجغبوب التي انتسب إليها هي إحدى الزوايا التي أقامها الشيخ محمد علي السنوسي المعروف بالسنوسي الكبير، وتتكون كل زاوية من ثلاث غرف: الأولى لإعطاء الدروس لأبناء البادية، والثانية لاستضافة المسافرين، والثالثة لسكنى القائمين بالتدريس، وقد أقيمت كل زاوية بجوار بئر للماء وألحق بها مزرعة يقوم على زراعتها الطلاب، ويأكلون من ثمارها، كما أقيم مصنع أو ما يشبه المصنع لإنتاج المصنوعات، وتسويقها للقبائل كما أقيمت الزاوية في مكان هام؛ ليتعلم الطلاب الجهاد، ولتكتمل معاني التربية الإسلامية، وتأخذ طريقها تطبيقًا وعلمًا وعملًا وسلوكًا وجهادًا، والزاوية في الغالب كانت تلحق بالمسجد.

وفي هذه الزاوية التي تربى الشهيد على العزم والحزم، تهذبت أخلاق الشباب، ونمت الحركة الدينية، واختفت العادات المرذولة، والإنسان حين يشغل بطاعة الله، يرتفع عن دنيا الناس وعن حياة العبث، ولقد كانت تعاليم السنوسية: الإقلاع عن شرب الدخان، وعدم حيازة الذهب والجواهر، وعدم الاتصال بالأجانب، حتى لا يفسدوا عقائد الشباب.

ولقد انتشر الإسلام الصحيح بين أبناء القبائل، وتعلموا أن الإسلام ليس صلاة وزكاة وصيامًا وحجًا فقط، وإنما هو محبة وتسامح وإخاء وبذل وتضحية وإيثار وجهاد، كل ذلك لأن الدعوة السنوسية كانت صحيحة وشاملة، ولقد ظهرت ثمرات هذه الدعوة حين رفع عمر المختار لواء الجهاد ضد المستعمر الإيطالي، إذ هبت القبائل كلها تدفع عن الأمة ودينها، وتجاهد بأموالها وأنفسها في سبيل الله.

بداية تأثيره في المجتمع

بعد أن أتم عمر المختار تعليمه في زاوية الجغبوب عُين شيخًا في زاوية القصور (بالجبل الأخضر قرب المرج)، ولقد واجه في البداية قبيلة متمردة تقطع الطريق وتؤذي المسلمين، ولا تعترف بالقوانين، واستطاع بأسلوبه الخاص في التعامل مع هؤلاء كبح جماحهم، واستئصال طبيعة التمرد فيهم وأن يردهم إلى حياة التراحم والتعاطف بدلًا من العنف والإجرام وقطع الطريق، استطاع بحكمته وصدقه أن يؤثر فيهم، وأن يخرجهم من طبيعة البداوة التي ألفوها، وأن يبسط في نفوسهم آداب الإسلام وأخلاقياته، وأن ينقلهم من حال إلى حال تليق بالإنسان.

ولقد كان يؤمن بأن قيمة الإنسان بأهدافه، ومنزلته بأقرانه، وثروته بما يملك من قلوب، وانتصاره بما يهزم من الرذائل، وكثرته بمن يثبت معه عند الشدائد، وكان يؤمن بأن الآلام طريق الخلود لكبار العزائم وطريق الخمول والضياع لصغارهم، ومن عرف الحق لذت عنده التضحيات، وكانت أخلاقه أخلاق الفاتحين، همه الأول أن يرضى الله عنه.

كان الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين بعد سقوط الخلافة مدمرًا لكل خصائص هذه الأمة، وكان وما زال عدوًا لا يرقب في المسلمين إلًا ولا ذمة وكان الاستعمار الإيطالي في قمة الإجرام وسفك الدماء، لقد اغتصبت إيطاليا ليبيا، وأثارت الفتنة وفعلت الأعاجيب بالمسلمين.

الدعوة للجهاد ضد الغزاة

وهنا هب رجال مؤمنون على رأسهم الشهيد، وانبعثت العزة الإسلامية في نفوس الأمة، ودعا عمر المختار المسلمين إلى عقد المؤتمرات لتهيئة البلاد نفسيًا وجهاديًا؛ لمواجهة الغازي المستعمر، ولقد ركز في دعوته على أن الإسلام دين قوة وعزة وجهاد، وكانت ثقافته الدينية الواسعة أقوى عامل في بعث الهمم، مما جعل ليبيا كلها تتحول بين عشية وضحاها إلى معسكر يتأهب في سبيل الله بقيادة أحمد السنوسي ومن معه من الأبطال.

عشرين عامًا من الجهاد

ولقد واجه عمر المختار ومن معه حرب الإبادة للمسلمين، ووقف بوسائله المحدودة أمام جحافل الإيطاليين، لقد بلغ عدد الشهداء خلال السنوات العشر الأولى من عام 1911 م إلى عام 1921 م أكثر من سبعين ألف شهيد، وكان الإيطاليون يلقون بالمسلمين من الطائرات، وكانوا يجمعون المئات من المسلمين العزل، ويربطونهم بالحبال ثم يقطرونهم في سفينة أو طراد حربي؛ ليجرهم وراءه في البحر، أما هتك الأعراض، أما الذبح للآمنين العزل، فحدث عنه ولا حرج.

جاء في كتاب «تاريخ العالم الحديث والمعاصر» جـ 2: «وقد قاد عمر المختار حركة الجهاد ضد الإيطاليين عشرين سنة قبل أسره وإعدامه عام 1931م، وذلك بالرغم من أنه تجاوز السبعين من عمره»

وذكر الجنرال استياني في كتابه «برقة الهادئة»، أنه نشبت بينه وبين عمر المختار 263 معركة على مدى عشرين شهرًا فقط، وقد نشرت صحيفة «التايم» في اليوم التالي لإعدام عمر المختار مقالًا تحت عنوان: «نصر إيطالي» تقول فيه: «حقق الإيطاليون انتصارًا خطيرًا في حملتهم على المجاهدين في ليبيا، فقد أسروا وأعدموا الرجل الرهيب عمر المختار شيخ القبيلة العنيف الضاري».

أسره واستشهاده

لقد امتلأ جسم الشهيد بالجراح، لكن عزمه وهمته لم تفتر أبدًا، لقد اتخذ من الجبل الأخضر معقلًا للمجاهدين بعد أن استولى الجيش الإيطالي على مدينة الكفرة، ومعظم المدن الليبية، وفي مساء يوم الجمعة 1350هـ خرج وبصحبته خمسون مجاهدًا، وفوجئ بقوات إيطالية تحاصره من كل مكان، فبادلهم إطلاق الرصاص حتى أصيب جواده وسقط على الأرض وعندئذ فقط استطاعت القوات الغازية أن تأسر المجاهد الشجاع، وجاء حاكم المرج الإيطالي بطائرة خاصة إلى الجبل الأخضر، وأمر بنقل عمر المختار إلى ميناء سوسة، ومن هناك وضعوه في الطراد الإيطالي، وجيء به إلى بني غازي.

ولبث في السجن أربعة أيام، ثم جاء موعد يوم 3 جمادى 1350هـ، ولما وجهوا إليه الاتهامات لم ينكر، وإنما قال لهم: «أنتم معتدون على أرضنا وبلادنا، وإن الإسلام أوجب علينا الجهاد ضد الغاصبين والمعتدين. إنني لم أفعل شيئًا إلا تنفيذ تعاليم الإسلام، فالإسلام يأبى الخنوع لأهله، والذل لمعتنقيه».

ونطق القاضي الإيطالي بالحكم المعد سلفًا وهو إعدام عمر المختار شنقًا، وفي اليوم التالي سيق المجاهد العالم العامل إلى ساحة الإعدام، وظل يردد الشهادتين في ثبات وقوة، حتى صعدت روحه إلى بارئها تزفها الملائكة إلى الملكوت الأعلى.

إن عمر المختار لم يمت، وإنما لحق بقافلة الشهداء والأبرار والصديقين، وأصبح مثلًا لشباب الإسلام في فهمه، وفي دفاعه عن وطنه وأمته -رضي الله عنه- وأرضاه.

الرابط المختصر :