العنوان أين موقع العرب.. وكرامتهم في عالم اليوم؟
الكاتب محمد شاويش
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 48
السبت 22-مارس-2003
الانحدار العربي بدأ مع تدفق الاستعمار في مطلع القرن الثامن عشر.
المفهوم الغربي للكرامة يختلف عن المفهوم العربي بصورة واضحة.
العزة في القرآن الكريم هي الكرامة المبنية على ظروف موضوعية.
الانهيار الحالي لا تعالجه تصريحات عنترية بل يحتاج إلى عمل دؤوب.
في ظل مأزق حضاري يعيشه الإنسان العربي الآن تحت وطأة الهجوم الغربي المحموم على كل ما هو عربي وإسلامي، أصبح البعض يتساءل: لماذا تبلد الحس العربي؟ أين ذهبت الكرامة العربية؟ أين النخوة العربية بل جاء السؤال مجملًا, جامعًا ومانعًا: أين العرب؟
هذا الوضع المنحدر ينذر بأسوأ العواقب لحضارة عظيمة كانت ذات يوم ملء سمع العالم وبصره، فعلى المستوى النفسي الفردي، يتجلى إحساس مؤلم عميق «عند كل فرد لم يفقد بعد الإحساس» بفقدان الكرامة.
وإذا أردنا أن نبحث المشكلة من الجذور, ونرى أين تكمن أسباب الانحدار، وأين تقع الكرامة من الإنسان العربي الحالي كمفهوم وممارسة، فإننا يمكن أن نقول إن الاندحار العربي بدأ مع تدفق القوى الاستعمارية قبل مطلع القرن العشرين الميلادي، وفي بعض البلاد كالجزائر ومصر بدأ الانحدار مع بدايات القرن التاسع عشر بوقائع الحملة الفرنسية على مصر ثم هزيمة محمد على عام ١٨٤٠، واحتلال الجزائر قبل ذلك عام ۱۸۳۰ وجاءت الأنظمة السياسية المستبدة لتمارس سحقًا منهجيًا منظمًا للفرد، فجردته من كل ما تبقى لديه من إحساس بالاعتزاز الذاتي، باختصار أقول إن فقدان الكرامة هو السمة المميزة الأساسية للنفسية التي يواجه بها الفرد العربي العالم، وهذه السمة هي في الوقت نفسه نتيجة للظروف الداخلية والخارجية التي المحنا إليها، ولما يكمن وراءها من حالة انحطاط الحضارة، وسبب للسلوكيات التي يتناسى بها الفرد شعوره المؤلم بـ«اللاكرامة».
بعض هذه السلوكيات يعمق الأزمة الحضارية ويزيد الوضع سوءًا وهي السلوكيات المرضية «بفتح الراء»، ولكن بعضها الآخر يمكن أن يكون من النوع الصحي إذا وجهته دوافع حضارية سوية مستندة إلى وعي الطبيعة المأزق وسبل الخروج منه.
مفهوم «الكرامة»
مفهوم «الكرامة» الذي نعرفه الآن هو مفهوم حديث مثله مثل مفاهيم كثيرة نتجت عن الترجمة واستعيرت لها كلمات عربية فــ «الكرامة» مثل «الحرية» و«العدالة» كلمات جديدة إن شئنا أن نتحدث عن اللفظ والمعنى متحدين، ففي الألمانية المفهوم قريب للغاية من مفهوم الكلمة Wuerde ونقرأ في قاموس ألماني مدرسي للفلسفة «الكرامة»[1]Wuerde تسمية لتركيبة معقدة نسبيًا من القيمة والوعي بالقيمة والتوقعات السلوكية المرتبطة بهما، إن حاملي وظائف الدولة لا يدخلون الوظيفة وحدها، بل يدخلون الوظيفة وكرامتها «هيبتها»، وهذا يعني أن كل واحد وقبل كل شيء هو نفسه الذي يعطي الوظيفة معنى وقيمة، والذي يستطيع تحقيق خطة السلوك يكسو وظيفته بالكرامة المطلوبة ويمكنه الرهان على الاحترام، ولكنه يلاحق باللامبالاة أو حتى الاحتقار حين لا يحقق كرامة الوظيفة. هنا إلى حد ما كل إنسان حامل وظيفة في قضيته الخاصة، ومطلوب منه «أن يكون إنسانًا» «يصبح إنسانا».
ومن منظور الكرامة، فالبشر جميعهم متساوون، وقيمة الإنسان، ومعها كرامته تتوقف في النهاية على قدرته على أن يكون قويم السلوكSittlich وهذا يعني أن يقرر مصيره بنفسه ويكون مسؤولًا عن نفسه، ومن هنا فالحرية هي الشرط الأساسي لتحقيق الكرامة، فالذي يسرق حرية الآخر، أو الذي يتخلى عن استقلاله الأخلاقي يؤذي القيمة الأساسية لأن نكون بشرًا وهي الحرية.
وكلمة«Wuerde» في قاموس Wahrig الألماني: هي سلوك متعقل، هادئ، يوجب الاحترام، هي جوهر للإنسان ينطلق من شخصيته القوية، ومن قدرته العقلية الروحية في المادة الأولى من الدستور الألماني الحالي فقرة تعكس التجربة الألمانية المريرة مع الأنظمة التي لم تحترم كرامة الإنسان، تقول بعبارة قاطعة: «كرامة الإنسان لا تمس».
أما الكلمة الإنجليزية Dignity «الكرامة» نجد في أحد القواميس[2] المعاني التالية لها:
١ – الخاصية التي تكتسب أو تستحق الاحترام.
۲ – طبع أو أسلوب هادئ أو جاد, ويذكر القاموس تعابير أخرى مثل Stand on one's dignity ويعني إلحاح الشخص على طلب أن يعامل بالاحترام المناسب ورفضه أن يفعل ما هو دون معاييره الأخلاقية والاجتماعية إلخ ...
٣ – رتبة عالية أو مبجلة أو مركز أو لقب مثل The Queen conferred the dignity of a peerage on him-
ومما نلاحظه في السياقين الإنجليزي والألماني أنهما يدمجان مفهومي «ٍالكرامة» و«الهيبة» في معنى واحد، ففيهما علاقة للكرامة بالوظيفة التي شغلها الفرد في المجتمع، فلكل وظيفة كرامتها أو نقولها بالعربية «هيبتها»، أما الكرامة العامة للإنسان فقد جاءت من كونه يحمل وظيفة خاصة به هي وظيفته الإنسانية كشخص حر الإرادة, ومن هنا كان الاعتداء على حرية الإنسان هو أسوأ اعتداء على كرامته! فالكرامة والحرية توأمان.
و«الكرامة» في لغتنا العربية الحالية تعني الاحترام الاجتماعي للفرد ولمكانته، ولهذا المفهوم علاقة بمفهوم «الهيبة»، ففاقد الهيبة لا كرامة له ومن الممكن أن نرى أن التداعيات المعنوية للكلمة تشبه إلى حد ما التداعيات التي رأيناها للكلمتين الألمانية والإنجليزية اللتين تناظران الكلمة العربية، وربما مع عدم الربط بين الكرامة والوظيفة، بل تربط الوظيفة في اللغة العربية «بالهيبة».
معنی قدیم متجدد
قلت إن «الكرامة» بمفهومها الحالي كلمة جديدة، ولفظ «الكرامة» بالذات غير موجود في القرآن الكريم (راجع: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي يرحمه الله) فاللفظ جديد ولكن المعاني التي لها علاقة به قديمة، ففي «القاموس المحيط»: «له على كرامة أي عزازة», ولفظ «الكرم» الذي منه اشتق لفظ «الكرامة» يؤول في النهاية إلى كرم العنصر «أي النسب»، والكريم الأصل تنسب إليه عادة صفات أخلاقية إيجابية كالجود والوفاء والعفو عند المقدرة إلى آخره... وعكس الكرم «اللؤم» ومعناه في الأصل العربي القديم «قبل الإسلام» «دناءة العنصر» (النسب). وتنتظر من «اللئيم» جملة من الأخلاق السلبية النقيضة لتلك المنتظرة من «الكريم» فاللئيم ينتظر منه البخل ونكران الجميل وبشاعة الانتقام إلى آخره... والآية الكريمة ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، جاءت لتستبدل قيمة اجتماعية بقيمة نقيضة, فالأكرم عند البشر الذين نزل إليهم القرآن كان بنسبه أو ماله أو ما شابه من قيم اجتماعية جاهلية، فوضع القرآن قيمة جديدة يعامل بها الله البشر ويفاضل بينهم على أساسها هي قيمة التقوى.
وقد جاء لفظ «الكرامة» في القديم بمعنى معزة شخص عند آخر، وتكلم الأسلاف عن «كرامات» أولياء الله الصالحين، وهي خرق للعادة يجريه الله على أيديهم إكرامًا منه لهم. وأكرم فلان فلانًا احترمه ورفع من قدره وقد يعني الإنعام عليه بفوائد دنيوية كالمال وما شابه.
وقد قابل فعل «أكرم» فعل «أهان» في قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإنسان إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ (الفجر: 15-17)، ووضع الهوان، هو وضع ذل يعيشه الفرد فيكون فيه موضوعًا في أسفل درجات السلم الاجتماعي محتقرًا مضطهدًا لا وزن له, وعكس الذل العزة والعزة وصف الوضع الفرد، وقد يوصف به وضع الجماعة كما أن الذل وصف لوضع الفرد كما قد يكون وصفًا لوضع الجماعة، ويشتق من العزة الاعتزاز وهو تعلق المرء بسبب يراه مؤثرًا في دفع الناس لاحترامه.
والعزة والمنعة مفهومان متلاصقان والعزيز لا يسهل الاعتداء عليه أو إيقاع الضيم به, ومن مفاخر العرب أن يكون الواحد منهم عزيزًا إلى درجة أنه قادر على حماية غيره بحيث يكون جاره عزيزًا:
وما ضرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل!
ولعل وضع «العزة» هو الوضع الذي يمثل المفهوم المعاصر لكلمة «كرامة» بكل صورها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون:۸)، وهذه الآية بالذات تمثل في اعتقادي مفتاح الطرح الإسلامي لمفهوم الكرامة، بأعمق وأوسع أبعاده، حيث نزلت بعد أن قال كبير المنافقين: «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ» وعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله والمهاجرين، فكيف حكم الله للنبي وأصحابه بالعزة مقرونة بعزته أكان هذا المجرد إعلامهم بأن الانتماء للعقيدة الإسلامية هو عنوان العزة، أم كانوا أعزاء لحيازتهم قوة عسكرية باطشة تستطيع فرض نفسها بالعنف؟
ذكرت هذين الاعتبارين لأنهما وهمان يشيعان عند مسلمي عصرنا، فمنهم من يظن أن المسلم حتى لو كان طفيليًا يأكل ويلبس ويشرب ويتداوى من عمل غيره فهو الأعز والأكرم المجرد أنه منتم إلى الإسلام وأن غيره من المطعمين الملبسين المداوين منتمون إلى غير الإسلام! ومنهم من يظن أن العزة تكون فقط عند القدرة على تخويف الآخرين بالقوة المادية فحسب وفي تقديري أن العزة التي كانت للجماعة الإسلامية في المدينة لم تأت من مجرد انتماء لفظي إلى عقيدة الإسلام، ولا جاءت من كون هذه الجماعة يخشى بطشها، بل جاءت من كونها تقوم بوظيفة عقدية حضارية لا يستغنى عنها «وهي الوظيفة التي جاء بها الوحي» وهذا ما أدعوه بالكرامة الموضوعية أو العزة الموضوعية، أي الحقيقية حتى لو كانت الظواهر تدل على غير ذلك.
مؤهلات العزة والكرامة
بالإسلام استنارت عقول أهل يثرب» وتعرفوا على الخالق رب الكون والبشر وعلى مصيرهم الأخروي وعلى سبيلهم إلى السعادة في الدنيا أيضًا، وبالإسلام انتهى صراعهم التناحري الداخلي الذي كاد يفنيهم. هذه الجماعة تقوم بوظيفة شاملة لا غنى عنها فهي عزيزة إذًا, فما الوظيفة التي يقوم بها المسلمون الآن في العالم لكي يمكنهم أن يأملوا بـ«الكرامة» أو «العزة» بين شعوب الأرض؟
ألديهم وظيفة اقتصادية؟ كلا.. إنهم يعتمدون في كل معاشهم أو أغلبه على غيرهم، وجل الاختراعات يقوم بها سواهم فهم مستهلكون لا منتجون.
ألديهم وظيفة عقدية؟ إنهم بين متقاعس عن فهم عقيدته كحل وبديل حضاري عالمي «وهم أكثر المسلمين» أو بين أقلية ممن هم في اعتقادي أسوا من المتقاعسين، وهم أصحاب وجهة النظر العنيفة التي ترى أن علاقة المسلمين بغيرهم لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الكراهية، ويعتقدون أن الإسلام ينتشر بالقوة فحسب، ويتصرفون كالطبيب المجنون الذي لا ينطلق من محبة المريض ومحاولة مداواته بل ينطلق من كرهه ومحاولة قتله!.
وسأذكر هنا مثالين عن شعور الإنسان بعزة داخلية ناتجة عن قناعته بوظيفة يقوم بها في العالم هي أهم من المظاهر الخارجية للقوة أو النفوذ والجاه.
المثال الأول: بلال بن رباح الذي كان في صموده مثلًا لا يصدق أمام التعذيب الوحشي لسيده، إنه يرينا أن «العزة الموضوعية» (الكرامة الموضوعية) قد توجد حتى لو كان الظاهر يوحي بوضع دوني، فقد كان بلال يستشف أن واقعًا جديدًا راسخًا يبنى على أنقاض هذا الواقع الحالي، وأن الواقع الحالي ليس عقليًا، لذلك لن يصبح واقعًا بالمرة في وقت قريب، والواقع المنسجم مع العقل هو الذي لا مناص سيتحول إلى واقع فعلي، وهذا ما ظهر قريبًا جدًا.. في بدر!.
وأما المثال الثاني: فهو الخليفة عمر بن الخطاب الذي توجه إلى القدس بثيابه المتواضعة وجمله الذي ربما أخذ زمامه بيده وقاده وحين طلب منه أصحابه أن يغير زيه ليتلاءم مع معايير الإنسان «الغالب أو العزيز» أو «المهيب» قال: «نحن قوم أعزنا الله بهذا الدين فلا نعتز بغيره!».
لم يكن هذا قولًا خطابيًا حماسيًا ولم يكن توهمًا لعزة غير موجودة «كما يحصل معنا الآن) بل كان تعبيرًا واقعيًا عن شخص يعرف من هو وماذا يفعل وما وظيفته «أي رسالته».
ومن المفاهيم العربية التي لها علاقة بمعنى الكرامة سأذكر أخيرًا مفهوم العرض، وهو عند العرب موضع المدح والذم في الإنسان، فمن وصم شخصًا بأي وصمة سلبية في أخلاقه يكون قد أذاه في عرضه «كأن يكون وصفه مثلًا بالبخل» ومن هنا نفهم الحديث الشريف: «الواجد يحل عرضه وعقوبته»، والواجد هو المدين الغني الذي يماطل في سداد دينه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: إنه بسلوكه هذا يبيح عرضه للدائن أي يبيح له أن يذكره بما يثير احتقار الناس له, ويبيح عقوبته أيضًا.
وللقارئ هنا أن يتأمل في تغير مفهوم العرض، وكيف ضيقناه ليقتصر على موضوع النساء «فكأننا ندلل بتضييقنا للمدلول على تضييقنا لعقلنا الحضاري كله!», والشخص الذي «عرضه موفور» إذًن هو شخص له كرامته في المجتمع وليس كذلك من كان «غير موفور العرض» وهذا هو معنى بيت منسوب إلى السموأل يقرؤه المعاصرون وقلما ينتبهون إلى معناه التفصيلي:
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه *** فكل رداء يرتديه جميل!
من الكرامة إلى النهضة
يميز الوضع العربي الراهن شعور ينتاب الغالبية الساحقة من الناس بأنها استبيحت كرامتها, استبيحت داخليًا من قبل الأنظمة الدكتاتورية، واستبيحت خارجيًا من قبل قوى كبرى متفردة لا ترعى فيهم إلا ولا ذمة، وهذا الشعور يمكن كما قلت أن ينتج عنه سلوكيات سلبية تزيد المأزق الحضاري تفاقمًا، ولكنه يمكن أن يصبح عاملًا بنائيًا أراهن عليه لتغيير السلوك الحضاري للناس في مجتمعنا باتجاه بناء متين متماسك قادر على الخروج من حالة الانحطاط التي يعتريها التفكك والتبعية إلى حالة نهضة تتميز بالوحدة والاستقلال، ويتوقف ذلك على طبيعة الوعي التي يتعامل بها الفرد مع شعوره المرير بفقدان الكرامة, والحقيقة أن السلوك الذي يسلكه الشخص الذي يضنيه شعوره بفقدان الكرامة متعلق بتأويله هو للموقف وكيفية الرد الذي يعيد الكرامة المفقودة، فالشخص الذي جرحت كرامته إذا تعامل مع الموقف الجارح على أنه عرضي، يتعلق ربما بالنيات السيئة للطرف الآخر وشخصيته الشريرة فقط، وأن الجرح مسألة لفظية، فإن الرد ولا ريب سيكون سطحي وقد يكتفي بالرد اللفظي، أما إن تعاملت جموع الشعب مع اللاكرامة التي هي فيها على أنها «كرامة موضوعية» فإن الرد المنطقي يجب أن يكون ردًا موضوعيًا أيضًا.
وباختصار: المفهوم النهضوي لمسألة الكرامة يقول: إن جرح الكرامة لا يتعلق بما يقوله هذا السياسي العدواني أو ذاك بل ولا حتى بما يفعله، بل يتعلق بوضع واقعي انحط فيه مجتمعنا إلى أسفل سافلين وتفكك وتمزقت علاقاته الاجتماعية وصار على طرفي نقيض مع المثل الأعلى للمجتمع ذي البنيان المرصوص, وتخلفه عن ركب القوة المادية.
هذا الانهيار الواقعي في موازين القوى وحالة التبعية في كل شيء من الاقتصاد إلى السياسة إلى الثقافة هي جرح الكرامة الواقعي, ولا يكفي للرد عليه حل لفظي أو تصريح عنترى بل الرد عليه هو في عمل دؤوب يومي ملتزم, كـمواطن في مكانه, في العلاقات الإنتاجية وفي العائلة وفي المجتمع، فالرد على جرح الكرامة ليس عملية بسيطة تعادل ردك على شتيمة وجها إليك أحدهم في الطريق فترد بشتيمة وانتهينا بـما هو تجاوز للوضع الموضوعي: وضع «اللاكرامة الموضوعية» باتجاه الحصول على وضع الكرامة الموضوعية في نهاية طريق شاق قد يستغرق أجيالًا ولكن لا بد من البدء فيه.
هذا هو المنظور النهضوي المفيد لمجتمع يحس أن كرامته جرحت حتى الصميم وهناك ردود فعل أخرى انفعالية كلها تتم تحت رعاية مباشرة أو غير مباشرة وتشجيع من قوى تريد النهوض لهذا المجتمع، بل تريد له السير باتجاه نهايته. ردود انفعالية تزيد من الغوص في طين الانحطاط، فلنرد على جرح الكرامة بمنطق عقلاني موضوعي لا بمنطق انفعالي ذاتي, فالمشكلة تكمن في الواقع، وعلى وعينا أن يتناسب مع ما في هذا الواقع، لا مع ما في ذهننا من انفعالات وعواطف.
[1] SCHUELER DUDEN, Die Philosophie, Ein Sachlexikon der Philosophie, Mann- heim 1985
[2] Oxford Advanced Learner's Dictionary Of Current English
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل