العنوان أين المسلمون من العدوان الروسي على الشيشان؟
الكاتب أليف الدين الترابي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1381
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 21-ديسمبر-1999
تمر الأيام فنزداد قناعة مع كل يوم جديد بازدواجية المعايير الدولية والكيل بمكيالين تجاه قضايا العالم، فحيث وجدت مصلحة الدول العظمى، لا سيما الولايات المتحدة، فثم اهتمام ورعاية ومواقف حازمة، وحيث غابت المصلحة فلا اهتمام ولا رعاية ولا مواقف، وأقرب دليل على ذلك ما يحدث هذه الأيام على الساحة الشيشانية التي تتعرض منذ ثلاثة أشهر لعدوان سافر وقصف وحشي متواصل من قبل روسيا، يقتل الآلآف ويشرد مئات الألوف، ويخلق واقعًا إنسانيًا مزريًا في هذه الجمهورية الإسلامية الوليدة بحجة ضرب الإرهاب والإرهابيين، في حين لا تحرك أمريكا والدول العظمي ومنظمة الأمم المتحدة ساكنًا لوقف الهجمة الروسية عند حدها، وإنقاذ شعب تمارس ضده عملية إبادة منظمة.
ثلاثة شهور مرت ولاتزال القوات الروسية وريثة الاتحاد السوفييتي السابق تعطر المدنيين الشيشان بقصف جوي متواصل لا يفرق بين طفل رضيع أو شيخ ضعيف أو امرأة واهنة، الكل عنده سواسية، كل ذلك يحدث على مسمع ومرأى المجتمع الدولي بأسره، غير أن هذا المجتمع المزيف يكتفي بتوجيه الشجب والتنديد وتقديم المواساة والتعزية دون أن يتخذ موقفًا جادًا لوقف الاعتداء الروسي السافر ضد سيادة وحرية ووجود شعب حر مسلم ليس له من ذنب، غير أنه طالب بحقه في الوجود، وأنفذ عزيمته في التحرر والاستقلال.
أكثر من ستة آلآف شخص لقوا حتفهم، وتدمير كامل للبنية التحتية في طول البلاد وعرضها، وتشريد مئات الآلآف من المدنيين، هذه حصيلة نحو ثلاثة أشهر متواصلة من الحملة العسكرية الوحشية، غير أنها لم تدفع الرئيس الأمريكي كلينتون لاتخاذ خطوة واحدة إزاء هذه المأساة الإنسانية البشعة، واضطرته لشجب الاعتداءات الروسية واستنكارها على استحياء لذر الرماد في العيون، وإيهام الآخرين بالغيرة الأمريكية إزاء قضايا حقوق الإنسان المنتهكة هنا وهناك، وهو ما تكشف زيفه حقيقة الأمر الواقع الذي يفضح التجاهل الأمريكي على الملأ، ويشي بنوع من التواطؤ بين روسيا وأمريكا لضرب الشعب الشيشاني المسلم، وإلا فماذا يعني استمرار تقديم الدعم المالي والاقتصادي السخي لروسيا التي تئن تحت وطأة الفقر والأزمات الخانقة في الوقت نفسه الذي تستخدم فيه أموالًا طائلة للإنفاق على العمليات العسكرية؟
فروسيا لا تملك من الأموال والموارد ما يمكنها من القيام بمثل تلك العمليات لو توقف عنها الدعم الأمريكي ودعم المنظمات الدولية التي تتحكم في مقاليدها الولايات المتحدة، ألا يدلنا ذلك على تواطؤ دولي يستهدف إبادة الشعب الشيشاني أو على الأقل إنهاكه إلى الأبد كي لا تتجرأ الجمهوريات الإسلامية الأخرى على المطالبة بالاستقلال؟ إنها سياسة مفضوحة للجميع، تكاد تنطق مفصحة عن نفسها، فبعد أن تم تعيين رئيس الوزراء الجديد فلاديمير بوتين بادر على الفور بزيارة واشنطن حيث التقى الرئيس كلينتون، وألقى في ذهن الإدارة الأمريكية أن روسيا تقوم بعملياتها العسكرية ضد الشيشان بغية تعقب الإرهابيين الإسلاميين، ويبدو أن هذا الأمر هو الذي أغرى أمريكا بتقديم دعمها السخي لروسيا التي استخدمته لضرب الشيشان أرضًا وشعبًا، فلولا هذا الدعم لم يكن لروسيا أن تخوض غمار حرب من هذا النوع، تتكلف فيها الكثير مما لا تملكه، فالفاتورة اليومية لهذه الحرب تكلف روسيا حوالي خمسة ملايين دولار، وهو ما تنوء بحمله خزينة الدولة الروسية لولا الدعم الذي وصلها تحت ستار مكافحة الإرهاب، وهنا يحق لنا أن نتساءل: أين الحمية والنخوة الأمريكية التي هبت من أجل منح شعب تيمور الشرقية استقلاله عبر استفتاء شعبي لقي جدلًا واسعًا؟ ولكن الحقيقة التي لا ينكرها إلا جاحد ولا يجادل فيها إلا متعجرف أن تيمور «نصرانية» بينما الشيشان «مسلمة»، لذا فإن الوضع يختلف والأمر متباين، ومن هنا فإن حقيقة ازدواجية المعايير وقانون الانتقاء لم تعد خافية على أحد، ولا يستطيع الإنسان أن يحجب ضوء الشمس بغربال.
الشعب الشيشاني يعاني من مأساة حقيقية، فإضافة إلى القتلى الذين وصل عددهم إلى الآلآف أغلبهم من المدنيين، وإضافة إلى تدمير البنية التحتية لجميع أرجاء البلاد، فإن معاناة اللاجئين الشيشان في هذه الأيام أشد ضراوة في ظل حبسهم في العراء دون أن يتوافر لهم أدنى متطلبات الحياة، ومع دخول فصل الشتاء القارس فإن أكثر من مائتي ألف لاجئ سيكونون عرضة للموت البطيء، ما لم تتحرك المنظمات الإغاثية الدولية من جهة لتوفير المستلزمات الأساسية لهؤلاء على الحدود، وما لم يتخذ المجتمع الدولي من جهة أخرى خطوات حثيثة وجادة لوقف العدوان الروسي وتأمين عودة هؤلاء إلى أراضيهم وقراهم التي دمرت عن بكرة أبيها، ولكننا تعودنا من المجتمع الدولي ألا يحرك ساكنًا إلا في اللحظة الضائعة بعد أن يفوت الفوت، ويحل الموت على الجميع، وحينها سيبدي المجتمع الدولي أسفه وحزنه، ويظهر استبساله وغيرته على حقوق الإنسان بعد أن نهشها الدب الروسي الجديد، ويا لها من بسالة وغيرة!
لم يعد بالإمكان التغاضي عن الظلم الدولي الذي يمارس بحق المسلمين في كل مكان، فازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين قصة قديمة جديدة، مورست على الشعوب الإسلامية في قضية فلسطين، وكشمير، والآن قضية الشيشان، وهي تنطلق بفظاعة هذه الممارسات والسياسات التي فصلت على المقاس.
إلا أن ما يدمي القلب ويحرق الفؤاد نكوص المسلمين عن أداء واجبهم تجاه إخوانهم في الشيشان، واشتراك العالم الإسلامي بصمت مطبق مع العالم الغربي إزاء العدوان الروسي الأثيم، والاكتفاء بتوجيه رسائل التنديد والشجب ونداءات المناشدة والرجاء، وإزاء ذلك فإننا ننبه إلى ضرورة قيام تحرك إسلامي موحد لوقف العدوان الروسي تجاه الشيشان، واتخاذ خطوات جادة وإستراتيجية موحدة تمنع تكرار مثل هذه الممارسات ضد أي بلد إسلامي في المستقبل، فعدد المسلمين الآن على وجه الأرض يزيد على المليار مسلم، وعدد الدول الإسلامية (٥٥) دولة تقريبًا، ورغم ذلك فإن الجميع يتجرأ علينا، ولم يكن لروسيا أن تقوم بمثل هذا العدوان لو كان للمسلمين كلمة مسموعة.
ومن هنا فإنه ينبغي على منظمة المؤتمر الإسلامي أن تبادر سريعًا لعقد جلسة طارئة للدول الإسلامية، ومناقشة العدوان الذي يتعرض له شعبنا في الشيشان، واتخاذ القرارات اللازمة لنصرته، ووقف أي عدوان ضده، حينها سيسمع لنا العالم صوتًا جهيرًا، ويحسب لنا حسابًا كبيرًا، ولكن هل يوجد لدينا الاستعداد الكافي لمثل هذه الخطوة؟
* رئيس تحرير مجلة كشمير المسلمة، والمدير العام المركز كشمير الإعلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل