; أين العدالة الاجتماعية في واقعنا المعاصر؟ | مجلة المجتمع

العنوان أين العدالة الاجتماعية في واقعنا المعاصر؟

الكاتب د.حسني الطنطاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 73

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

* العدالة في جوهرها تعني إعطاء كل ذي حق حقه وفقًا لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين كافة بقطع النظر عن أي اعتبارات تتعلق بأوضاعهم.

* وإذا كانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية مختلفة فلا يجوز الحديث عن تكاؤ الفرص بعد ميلاد الفرد.. إنه موعد متأخر جدًّ!

* أسس ضرورية لتطبيق العدالة الاجتماعية على أرض الواقع: التحررر الوجداني- المساواة- التكافل الاجتماعي.

من بين أهم القضايا التي انحسر الاهتمام بها- نظريًّا وعلميًّا- خلال الربع الأخير من هذا القرن العشرين، قضية العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع، وبتطبيقاتها المتعددة في ميادين الحياة الاجتماعية، والسياسية، والقانونية.

فمنذ منتصف سبعينيات هذا القرن لا نكاد نجد- إلا نادرًا- عملًا عمليًّا، أو إنتاجًا فكريًّا ثقافيًّا خاصًّا بهذه القضية، وليس زوال المظالم- بأنواعها- هو سبب انحسار الاهتمام بالبحث في العدالة وعنها أو في السعي لتطبيقها عمليًّا في مختلف مجالات الحياة، بل ربما يكون العكس هو الصحيح، بمعنى أن تفاقم تلك المظالم بدرجة كبيرة في ظل الصعود المستمر للمذهب الرأسمالي، وحدوث تغيرات أساسية في الهياكل الاقتصادية لكثير من الدول- وكذلك في أبنيتها السياسية بدرجات متفاوتة- كل ذلك قد أدى إلى تراجع قضية العدالة الاجتماعية في الفكر والممارسة معًا، و«التحرير الاقتصادي» و«الإصلاح الاقتصادي» و«الخصخصة».

وتقدمت- في المقابل- سياسات مكافحة الإرهاب، والتصدي للجريمة المنظمة، وملاحقة الإتجار في المخدرات، على السياسات التي كانت تسعى لتقريب الفوارق بين الطبقات، ومحاصرة الفقر، والقضاء على الجهل، والارتفاع بمستوى معيشة القطاعات الواسعة من المواطنين، وتحقيق التوازن «والعدالة» بين الذين لا يملكون والذين يملكون، أو بين العمال وأصحاب الأعمال.

وهدفنا هنا هو تقديم رؤية لمفهوم العدالة بصفة عامة، والعدالة الاجتماعية بصفة خاصة، وتتضمن هذه الرؤية التعريف بالمفهوم وبيان خلفياته التاريخية، وعرض لأهم أبعاده ومقوماته ومستوياته التطبيقية.

أولًا: تعريف العدالة

العدل والعدالة من جذر لغوي واحد هو «عدل»، والعدل هو الإنصاف، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، ويقال عدل الشيء عدلًا بمعنى سواه وأقامه، وعدل الشيء بالشيء، سواه به، وجعله مثله قائمًا مقامه، واعتدل أي توسط بين حالين في كم، أو كيف، أو تناسب، والعدل أي الإنصاف- هو إعطاء المرء ماله وأخذ ما عليه! ([1]) والعدل- أيضًا- هو المال، وهو ضد القبح وضد الظلم.

وثمة تعريفات متعددة لمفهوم «العدالة»، وليس ثمة تعريف واحد جامع مانع- بلغة أهل المنطقة- هذا بالرغم من أن العدالة قيمة عليا من قيم التراث الإنساني الذي أسهمت في بنائه مختلف الشعوب والحضارات منذ أقدم عصور التاريخ حتى عصرنا الراهن، بغض النظر عن القدر الذي تحقق منها في عصر من العصور أو في تجربة ما من تجارب الأمم.

ومنذ البدايات الأولى لظهور مبدأ العدالة، كان لمفهومها معنيان متداخلان، أولهما يشير إليها باعتبارها نسقًا للقيم والمثل الأخلاقية ومحورًا جامعًا للفضائل الإنسانية، وثانيهما يشير إليها باعتبارها مجموعة الإجراءات المؤدية إلى معرفة الحق والكفيلة بتوصيله إلى صاحبه ضعيفًا كان أو قويًّا.

وعلى مر التاريخ ظهرت تعريفات متعددة لمفهوم الكتب السماوية التي أنزلت على الأنبياء والمرسلين، أو نادى بها قادة الإصلاح وزعماء الثورات، ولسنا هنا في معرض تناول المفهوم في تطوره المعرفي- التاريخي، فقد نشير إلى أنه كان محورًا رئيسيًّا من محاور الفكر الإنساني، وقيمة مركزية من تعاليم الإسلام الحنيف، ومبدأ أساسيًّا من مبادئ التقدم الحضاري والإنساني في تاريخ أمتنا الإسلامية.

بل إنه يمكن القول باختصار: إن العدالة كانت- ولا تزال بغض النظر عن زيادة الاهتمام بها أو تراجعه- جوهر بناء المجتمع المدني وتطوره في مختلف الخبارت الاجتماعية والحضارية([2]).

وفي العصور الوسطى كان من رأي القديس توما الإكويني أن العدالة هي التي تمنح القانون قوته، وبقدر ما يكون القانون عادلًا يكون قويًّا، وعلى الجانب الآخر- في الحضارة الإسلامية- كان الفارابي يرى أن «العدالة» هي المبدأ الأسمى للحاكم وللمحكوم في المدينة الفاضلة استنادًا إلى قول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

وفي العصور الحديثة- ابتداء من عصر الإصلاح في أوروبا- احتلت العدالة مكانة بارزة في أعمال الفلاسفة وكبار المفكرين من أمثال هوبز، ودافيد هيوم، وبنثام، وتوكفيل، وغيرهم وصولًا إلى جون رولز الذي يعتبر من أواخر أشهر العلماء الذين قدموا إسهامًا أصيلًا في مفهوم العدالة، وذلك في كتابه الصادر سنة 1972([3]) بعنوان: ATheory of Justice.

كذلك نجد اهتمامًا متواصلًا بقضية العدالة عبر العصور الحديثة لدى العلماء والفقهاء، والمفكرين في المجتمعات العربية والإسلامية، وكذلك في المجتمعات الآسيوية، ومن هؤلاء نذكر- على سبيل المثال رفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد إقبال، وسيد قطب، وعلي شريعتي([4]) وقد ركزوا- في جملتهم- على محورية العدالة الاجتماعية كمدخل للإصلاح الشامل، وباعتبارها سياسة عامة لا غنى عنها للسير في طريق التقدم بمعناه الشامل الذي يتضمن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعلمية.

ثانيًّا: جوهر العدالة ومقوماتها الأساسية

العدالة في جوهرها هي إعطاء كل ذي حق حقه وفقًا لمبدأ «تكافؤ الفرص» بين المواطنين كافة بقطع النظر عن أي اعتبارات تتعلق بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، أو باعتقاداتهم المذهبية أو الدينية، أو السياسية أما الحديث عن تكافؤ الفرص في ظل أوضاع مختلة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا فهو حديث لا معنى له، كما أنه لا معنى- في مثل تلك الأوضاع- للحديث عن المساواة أمام القانون.

وللشهيد سيد قطب رؤية عميقة في هذا الصدد خلاصتها أنه عادة ما يجري الحديث عن «تكافؤ الفرص»- كجوهر للعدالة- بين مواطنين لهم حقوق وعليهم التزامات، في ظل أوضاع عادية غير مختلة، أما إذا كانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية مختلفة فإن الحديث عن تكافؤ الفرص يجب أن يبدأ قبل ميلاد الفرد، أما بعد مولده فموعد متأخر جدًّا، وإلا فأي تكافؤ بين الكتلة من اللحم يدفع بها رحم في كوخ أو في عشة من عششش الصفيح بالعشوائيات، فتتلقاها الأرض، أو حجر أقذر من الأرض، يكلها إلى الميكروب والمرض، ثم يكلها إلى الجوع والشظف، حتى إذا غالبت ذلك كله، دفع بها الحرمان إلى الجهل وفوات فرصة التعليم، ومن ثم إلى الإهمال والتشرد، وبين أخت لها، وليدة على يد طبيب، وفي رعاية ممرضة، فإلى المناغاة والتدليل، فإلى روضة الإطفال، فالمدرس النظيفة، فالجامعة، فإلى كرسي الوظيفة، أو مسقط الثراء في الشركات والمؤسسات المرموقة فإلى حياة زوجية مرفهة(!).

مقومات العدالة

وإذا كان «تكافؤ الفرص» هو جوهر «العدالة»- على النحو السابق ذكره- فإن لهذا الجوهر مقومات واقعية من المفترض وجودها حتى تتوافر البيئة المناسبة لإعمال مبدأ العدالة، ومن أهم تلك المقومات: المقوم الاقتصادي الذي يعني توفير الحد الأدنى لمتطلبات المعيشة الكريمة، ويعني كذلك وضع سياسة عامة للثورة القومية من حيث طرق اكتسابها وكيفية التصرف فيها، وحق الدولة في التدخل لتحديد الملكية، وإعادة توزيع الثورة بطريقة عادلة.

ومن مقومات «العدالة» أيضًا المقوم القانوني الحقوقي، الذي يضمن الحقوق الخاصة للمواطنين- في نصوص واضحة ومعلنة- تجاه بعضهم البعض، وتجاه الدولة ذاتها، طالما كانت منضبطة بأحكام القانون، وسارية في مساراتها الشرعية.

ومن مقومات «العدالة» كذلك، المقوم الفكري الأخلاقي، الذي تغذيه ثقافة تحض على التكافل وتعلي من شأن التعاون، وتنمي الشعور بالمسؤولية تجاه الأخرين، وتؤكد على فضائل احترام الغير، ومراعاة حقوقه المادية والمعنوية- ومسؤولية توفير مثل هذه الثقافة لا تقع على جهة واحدة، أو مؤسس دون غيرها من مؤسسات التنشئة الفكرية والثقافية، بل هي مسؤولية كافة الجهات والمؤسسات، وإلى جانبها كل المفكرين وقادة الرأي والمبدعين والفنانين، وبهذا المعنى تصير ثقافة العدالة هي ثقافة الحرية، لأن العدل والحرية هما في بناء قلب الإنسان وفكره ووجدانه وإرادته، بناء لا مجال فيه للظلم والاستبداد.

وبكلمات أخرى، فإنه لا عدالة في ظل خضوع الفرد للفقر، أو للقهر، أو لإنكار حقوقه الأساسية تحت أي ذريعة من الذرائع، ولا عدالة- كذلك- في ظل ثقافة تغذي عوامل التفرقة والتمييز والحط من كرامة الإنسان.

ثالثًا: المستويات التطبيقية للعدالة

«للعدالة» أكثر من مستوى تطبيقي في الحياة الاجتماعية، ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات رئيسة لها وهي:

1- المستوى الاجتماعي- السياسي العام، حيث تصير العدالة قيمة حاكمة للحركة السياسية وللممارسة الاجتماعية، وتكون محل إجماع عام من كافة القوى والاتجاهات المؤثرة في تسيير شؤون المجتمع، ويصير الالتزام بها عنوانًا على وجود مجتمع عادل، ونظام عادل، وسياسة عادلة([5]).

2- المستوى الفردي الخاص، حيث تصير العدالة محورًا للسلوك الفردي، وإطارًا مرجعيًّا عامًا لضبط تصرفات الأفراد ومواقفهم تجاه بعضهم البعض، فيكون الفرد عادلًا في ممارسة حقوقه، وعادلًا في أداء واجباته.

3- المستوى المؤسسي، حيث تكون العدالة إحدى أبنية النظام السياسي والاجتماعي القائم، وهي تتمثل- في هذه الحالة- في مجموعة من القوانين، والإجراءات، والمؤسسات، والوظائف، التي تكون مهمتها الأساسية تطبيق أحكام القانون.

إن العدالة في هذا المستوى تصير مرادفة للسلطة القضائية، وتكون هي الآلية التي عن طريقها يتم حسم المنازعات، واستيفاء الحقوق من مغتصبيها، وردها إلى مستحقيها.

وثمة تقسيم آخر لمستويات العدالة يتلخص في التمييز بين العدالة الإجرائية «القانونية» من ناحية، والعدالة الموضوعية، التي تشير إلى معايير تنظيم الحقوق وتوزيعها- من ناحية ثانية، والعدالة في بعدها التنفيذي من ناحية ثالثة، حيث تعين على الدولة- أو السلطة العامة- أن تتدخل لصالح الفئات المحرومة، أو غير القادرة على الوصول إلى حقوقها، أو تلك التي يحال بينها وبين حقوقها لأي سبب من الأسباب.

ويثير موضوع تدخل الدول لتحقيق العدالة كثيرًا من الإشكالات ذات الطابع القانوني والسياسي، وبخاصة أن هذا التدخل عادة ما يتم تحت شعار «تحقيق العدالة الاجتماعية» التي تصير- في هذه الحالة- مرادفة لجملة السياسات والإجراءات التي تتخذها السلطة الحاكمة باسم الدولة بهدف تقريب الفوارق بين الطبقات، وحصرها في حدودها الدنيا، وإعادة توزيع الثروة، ودعم عديد من الخدمات والسلع وجعلها في متناول القطاعات العريضة من المواطنين.

وبهذا المعنى- السالف ذكره- فإن العدالة الاجتماعية تعني السعي لتمكين المواطن من حماية آدميته، حيث يتوافر له الحد الأدنى للكفاف الاقتصادي والمعيشي، كما تعني أيضًا احترام الوجود الذاتي لمختلف التكوينات الاجتماعية، وهنا تتداخل مضامين العدالة الاجتماعية مع مضامين العدالة السياسية، ويصعب- في الواقع- الفصل بين هذه وتلك.

وإذا رجعنا الآن غلى مفهوم العدالة في التراث الغربي- إجمالًا- فسوف نجد أنه يستمد معناه التطبيقي من كلمة «القانون» وذلك على المستوى الإجرائي العلمي دون الحديث عن المستوى المعرفي الفلسفي، وكلمة القانون في أصلها اللاتيني واليوناني تعني «القيد» أو «الميثاق» الذي يحكم مسيرة الكيان الاجتماعي، ومن ثم فإن العدالة تعني ما هو مطابق للقانون- وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالعدالة الإجرائية أو الشكلية- وأساس هذا المعنى هو أن التشريع، أو الإرادة الشعبية قد تبلورت في شكل نصوص معلنة، ووضعت في صيغة قانون أو مجموعة قوانين، هي ملخص للعلاقة بين ما هو «حق» وما هو «عدل» من وجهة نظر الجماعة التي صاغت لك القوانين في مجتمع ما، وفي لحظة تاريخية معينة.

ولكن هذا المفهوم «الشكلي» للعدالة قد تطور خلال القرن التاسع عشر- بصفة خاصة، وأدخلت عليه أبعاد موضوعية، هي التي أشرنا إليها فيما سلف عند الحديث عن ضرورة تدخل الدولة- أو السلطة العامة- تدخلًا إيجابيًّا لصالح الفئات الاجتماعية المحرومة أو العاجزة عن حماية حقوقها، أو الحصول عليها، وقد تطورت الأوضاع داخل المجتمعات الرأسمالية- ناهيك عن المجتمعات الاشتراكية- وتبلورت السياسات التدخلية للدولة من خلال عديد من «التشريعات الاجتماعية».

عدالة الإسلام

أما بالنسبة لمفهوم العدالة كما كشفت عنه الممارسة في الخبرة التاريخية العربية الإسلامية، فقد قام على أساس الاعتدال وعدم التطرف، والسعي لتحقيق التوازن والاستقرار داخل الكيان الاجتماعي حتى ولو أدى ذلك إلى تدخل الدولة بما يكفل تحقيق هذا التوازن، وحسم كل ما يثور من عوامل الإخلال به والسعي- كذلك- لتوفير الشعور بالاستقرار، والمعرفة المسبقة بالحقوق والواجبات، ثم إشاعة الطمأنينة بمعنى إحترام الحقوق المكتسبة، وتحقيق ما لم يتحقق للفئات غير القادرة، وضمان أكبر قدر ممكن من السلام الاجتماعي، وذلك بإزالة مصادر التوتر في شتى مرافق المجتمع.

وفي ضوء ما سبق نخلص إلى أن «العدالة» بمفهومها العام، والعدالة الاجتماعية- بشكل خاص- تتطلب وجود ثلاثة أسس حتى يمكن تطبيقها في أرض الواقع الاجتماعي بمختلف مرافقه الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية والتعليمية وقد فصلها الشهيد سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، وخلاصتها كالتالي:

1- التحرر الوجداني: إذ لن تتحقق عدالة اجتماعية ما لم تستند إلى شعور نفسي لدى كل فرد «مواطن» باستحقاقه لها، وبحاجة الجماعة الوطنية بأسرها إلى العدالة، وبالاعتقاد بأن إعلاء شأن العدالة يؤدي إلى واقع إنساني أسمى من الواقع القائم الملئ بالمظالم، ولن تتحقق العدالة- كذلك- ما لم تستند إلى أوضاع مادية تهيئ للفرد «المواطن» أن يتمسك بها، ويتحمل أعبائها ويدفع- عن رضا- تكاليفها، ويدافع عنها، وبعبارة أخرى فإن العدالة الاجتماعية لن يستحقها المواطن بالتشريع قبل أن يستحقها بالشعور، وكلما كان هناك إيمان لدى المواطن بتشريع العدالة وبالعمل وفقًا لمقتضياتها كانت الجماعة الوطنية أقدر على صيانة هذا التشريع وتطويره باستمرار إلى ما هو أفضل.

2- المساواة، والمقصود بها ليس المساواة بين كافة المواطنين بالمعنى المادي للكلمة، وإنما المقصود هو المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون، وحين تستند المساواة إلى تشريع عادل، وتنفيذ منضبط لهذا التشريع، فإن الشعور بها سيكون أقوى عند الضعيف وعند القوي في آن واحد، إنها تستحيل في الضعيف تساميًّا، وفي القوى تواضعًا، وهما يلتقيان معًا في وحدة المجتمع، وتكامله، ومن ثم يصير جوهر المساواة هو الجمع بين الحق والكرامة والمعاملة الواحدة.

3- التكافل الاجتماعي، حيث إنه مع الحرية الفردية وحق التملك، والمساواة، هناك أيضًا المسؤولية الفردية، في مقابل الحرية الفردية- وهناك المسؤولية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها، فالمواطن الفرد لا يعيش بمفرده، وكذلك فإن الجماعة الوطنية ليست مجرد حاصل جمع أفرادها، بل هي أعم من ذلك وأعمق، إذ هي تحسيد للمصالح المشتركة، وللهوية الواحدة، وللكيان الجماعي الذي يتضمن داخله مصالح الأفراد والجماعات ويضمن المحافظة عليها، وصيانتها في إطار من القيم العليا المشتركة التي تكون محلًّا لما يطلق عليه الإجماع الوطني، وفي مقدمتها قيمة العدالة الاجتماعية. 

الهوامش

([1]) حول المعنى اللغوي للعدل والعدالة انظر: ابن منظور، لسان العرب «القاهرة: دار المعارف، ب ت» مادة «عدل»، وانظر أيضًا: محمد شفيق غربال «مشرف»: الموسوعة العربية الميسرة «بيروت: دار الجيل، 1995، وانظر كذلك: محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد «محرران»: موسوعة العلوم السياسية «الكويت: مطبعة دار الوطن، 93- 1994» ج1- ص 153، ص 155..

([2]) لمزيد من التفاصيل حول ارتباط تطور المجتمع المدني بقيمة العدالة انظر بصفة خاصة:

Anwar Ibrahim, The Asian Renaissance Singapore. Kuala Lumpur: Times Books In- tarnation. 1996) pp. 61- 71..

([3]) انظر عرضًا موجزًا لآراء أولئك المفكرين في Coolier's Encyclopedia «New Yourk, 1997» pp. 683- 685..

([4]) لمزيد من التفاصيل حول إسهامات أولئك المفكرين انظر على سبيل المثال: أحميدة النيفر: الفكر الإجتماعية في الكابات الإسلامية الحديثة، بمجلة المسلم المعاصر «بيروت- العدد 47- 1406ه/ 1986م» ص 29- ص 37، وكذلك كتاب أنور إبراهيم السابق ذكره، ص 61- 71».

([5]) لمزيد من التفاصيل حول «العدالة» كقيمة عليا منظمة للوجود الإجتماعي والسياسي، انظر بصفة خاصة: حامد عبد الله ربيع: نظرية القيم السياسية، مذكرات ألقيت على طلبة العلوم السياسية- كلية الاقتصاد- جامعة القاهرة «القاهرة: نهضة الشرق» ص 170- ص 177.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

122

الثلاثاء 28-يوليو-1970

إلى العمال - العدد 20

نشر في العدد 18

102

الثلاثاء 14-يوليو-1970

من بيان ‎25‏ يونيو ‎1970

نشر في العدد 34

128

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لعقلك وقلبك (34)