العنوان أين السعادة؟؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012
مشاهدات 85
نشر في العدد 2001
نشر في الصفحة 60
الجمعة 11-مايو-2012
غضب زوج من زوجته فقال لها مهددًا: لأشقينك حتى لا تذوقي طعمًا للسعادة أبدًا، فقالت الزوجة واثقة وفي هدوء: لا تستطيع أن تشقيني، ولا تملك أن تسعدني! فقال الزوج منفعلًا وفي حنق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة: لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني، ولو كانت في زينة أو حلي لحرمتني منها، ولكن السعادة في شيء لا تملك منعه أنت عني، فقال الزوج فما هذا الشيء؟ فأجابت الزوجة: إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.
إن السعادة هي حلم للبشر جميعًا، من العالم الفيلسوف في قمة تفكيره، إلى العامل العامي في بساطته، ومن الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير.. والبشر كل البشر يبحثون عن السعادة من قديم الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. فما السعادة؟
السعادة شعور ينبع من داخل الإنسان ولا يستورده من الخارج.. إنها إحساس يشعر به الإنسان السعيد بين جوانحه، إنها صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة بال.
إنها - أي السعادة - ذلك الحلم الجميل الطائر أمام أعيننا بأجنحة من نور، إنها ذلك الأثير المحس الذي نتوق إلى استنشاق عبيره، وارتشاف رحيقه، وكلما شربنا من كأسها زدنا شوقًا إليها، ولا نجد ما يكفينا.
والسعادة شيء معنوي، لا يرى بالعين، ولا يقاس بالكم.. فالسعادة لا لون لها، ولا تحتويها الخزائن، ولا تشترى بالدينار أو الدرهم أو الجنيه أو الدولار.
إن السعادة ليست في وفرة المال، ولا في سطوة الجاه، ولا في كثرة الولد، ولا في نيل منفعة، ولا في علو مادي.
إن سعادة أي إنسان تكمن في إيمانه بربه، ولقد شعر بنشوتها المؤمنون الصادقون الصالحون، حيث يصفها أحدهم بقوله: «إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف»، وصدق واهب السعادة ومالكها ومانحها سبحانه، حيث يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: ٥٨).
وهذا رجل آخر ذاق حلاوة الإيمان، فانتعش قلبه بحلاوة الإيمان وبشاشته، فقال: «إنه لتمر علي ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن لكانوا إذن في عيش طيب».
يقول د. يوسف القرضاوي: «والذين رزقوا هذه النعمة يسخرون من الأحداث وإن برقت ورعدت ويبتسمون للحياة وإن هي كشرت عن نابها، ويفلسفون الألم فإذا هو يستحيل عندهم إلى نفحة تستحق الشكر على حين هو عند غيرهم مصيبة تستوجب الصراخ والشكوى، كأنما عندهم غدد روحية خاصة، مهمتها أن تفرز مادة معينة تتحول بها كوارث الحياة إلى نِعَم».
وإن نعجب لحال هؤلاء، فقد تعجب رسولنا الكريم ﷺ من حالهم، وذلك في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» (رواه مسلم).
ولقد ضل كثير من الناس طريقهم في التماس السعادة، فطلبوها في غير مواضعها، فعادوا كمن حرك مقبض الباب يحسبه صنبور ماء يطلب منه الماء، أو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، فعاد كل طالب للسعادة من غير مواضعها صفر اليدين متعب البدن، كسير النفس، خائب الرجاء.. لقد جرب الناس في شتى العصور ألوان المتع المادية وصنوف الشهوات الدنيوية فلم يسعدوا، بل زادتهم غما على غم.
هل السعادة في المال؟
لیست السعادة في كثرة المال، بل إن كثرة المال - أحيانًا - تكون وبالًا على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، لذا قال عز وجل في شأن المنافقين: ﴿فَلا تعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنما يُريدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة)، والعذاب هنا هو المشقة والألم والهم والغم في الدنيا، على نحو ما ورد في الحديث النبوي الشريف: «السفر قطعة من العذاب»، وهذا ما نشاهده بأعيننا في كل من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه ومنتهى أمله، فهو دائمًا معذب النفس، متعب القلب، مثقل الروح، لا يغنيه قليل، ولا يشبعه كثير.
كما توعد القرآن الكريم هؤلاء الذين يحرصون على كنز المال ولا ينفقونه في سبيل الله، حيث جاء في سورة التوبة: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنّمَ فَتُكْوَى بهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكنزُونَ﴾ (التوبة:35).
ويفرق النبي ﷺ بين صنفين من الناس: صنف توجه بقلبه وجوارحه إلى ربه يبتغي الآخرة، وصنف ثان يعذب نفسه بالمال وطلب الدنيا فيقول: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (رواه الترمذي).
هل السعادة في النعيم المادي؟
يقول ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان»: «من أبلغ العذاب في الدنيا تشتيت الشمل، وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عينيه لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه».
ويقول أحد السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب، فمحب الدنيا لا ينفك عن ثلاث: هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا» (رواه مسلم).
وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شربا ازداد عطشًا.
كثير من الناس يظنون أن السعادة في رخاء العيش وماديات الحياة ورفاهيتها، فحسبوها في عيش رغيد، وظل مديد، وماء بارد، وثوب قشيب وامرأة حسناء، ومركبة فارهة أنيقة، بيد أن الواقع يؤكد أن البلاد التي يرتفع فيها مستوى المعيشة يتمرغ أبناؤها في التعاسة والشقاء، وما جلبت عليهم ماديات الحياة سعادة، ولا يزالون يبحثون عن السعادة ويتلمسون طريقها.
إنك إذا نظرت إلى بريطانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلاد الغنية بماديات الحياة لوجدتهم يعيشون مستوى اقتصاديًا يشبه الأحلام، وبرغم ذلك لا يزال هؤلاء تعساء ينتحرون!
ففي السويد - مثلًا - كل وسائل الحياة متوافرة، بل إن الدولة تعطي كل فرد إعانات دورية مشبعة، وتوفر له الضمانات الصحية والاجتماعية اللازمة، ومع ذلك كله يعيش الناس حياة قلقة مضطربة ملأى بالتوتر والسخط والشقاء والتبرم واليأس مما يدفع بكثير منهم إلى الهروب من الحياة بالانتحار، كي يتخلصوا من الآلام النفسية التي يعانونها وحياة الشقاء التي يعيشونها، وقد صرح كثير من علماء النفس بالسويد أن السبب في ذلك هو فقدان الإيمان.
وها هي ذي الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق الوسائل المادية فيها سعادة سكانها، حتى رأينا أحد مفكريها يقول: «إن الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء».
وتقول الأديبة الفرنسية «فرانسواز ساجان»: «إن نيويورك ثقيلة الوطأة على الإنسان، مدينة ينبض قلبها بسرعة أكبر من سرعة سكانها، ويعاني الأمريكيون أزمة نفسية».
هل السعادة في الأولاد؟
جاءني أحد أصدقائي فقرأت في عينيه حزنًا دفينًا وألمًا نفسيًا شديدًا، وما إن سألته: ماذا بك إلا وانهمرت الدموع من عينيه، وشكا لي عقوق ابنه الأكبر وتمزق قلبه عليه، فقال ربيته صغيرًا، وغذيته، وسهرت على راحته، وتألمت لألمه، وهو الآن يهينني، ولا يطيعني، ولو استقبلت ما استدبرت لأثرت أن أعيش وزوجتي دون أولاد، ثم قرأ الرجل قول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (الكهف:80-81).
صحيح أن الأولاد زينة الحياة الدنيا ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦)، ولكن الله تعالى علمنا ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف:46).
فكم من ولد أشقى والديه وعقهما، بل كم من أباء وأمهات ذاقوا الموت والذل والهوان على أيدي أبنائهم، طمعا في ثرواتهم، أو عصيانا لهم.
ولقد صرخ أحد الشعراء يصف مأساة الوالدين مع ضرر الأبناء، فقال:
أرى ولد الفتى ضررًا عليه
لقد سعد الذي أمسى عقيما
فإما أن يــربــيــه عـــدوا
وإما أن يخلفه يتيما
وإما أن يوافيه حمام
فيترك حزنه أبدًا مقيما
وهذا أحد الآباء ممن تجرعوا الحسرة والألم ينشد عن ابنه:
غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا
تعل بما أدني إليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت
لشكواك إلا ساهرًا أتململ
تخاف الردي نفسي عليك وإنها
لتعلم أن الموت وقت مؤجل
كأني أنا المطروق دونك بالذي
طرقت به دوني فعيناي تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي
إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة
كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إن لم ترع حق أبوتي
فعلت كما الجار المجاور يفعل
فأوليتني حق الجوار ولم تكن
علي بمال دون مالك تبخل
جحود الابن أشد إيلاما من سم الحية:
لقد صرخ الملك «لير» على لسان شكسبير قائلًا: «ليس أشد إيلامًا من ناب حية رقطاء غير جحود الابن، وكم رأينا في الحياة صورًا غريبة من تعامل الأبناء مع الآباء والأمهات، وسمعنا أحاديث أغرب عن عقوق الأبناء وتعاسة آبائهم وأمهاتهم».
هل السعادة في العلم فحسب؟
كثير من الناس يعارض التدين باسم العلم، بل يدفعه علمه إلى إنكار الإيمان.. وهذا الصنف من الناس شقي تعيس لا يزيده علمه إلا بؤسًا ونفورًا وبعدًا عن السعادة، فبالعلم وحده لا يمكن أن تذاق السعادة.
يقول طبيب النفس الأمريكي الشهير «د. هنري لنك» للذين ينكرون الإيمان بالغيب باسم العلم واحترام التفكير والفكر، مبينًا أن العلم وحده لا يحقق السعادة: «.. والواقع أنه يوجد في كل ميدان من ميادين العلم من الظواهر ما يؤجج شعلة ذلك الضلال، وأعني به تعظيم شأن الفكر، ومع ذلك توصل علماء النفس إلى أن الاعتماد المطلق على التفكير فحسب كفيل بهدم السعادة الإنسانية».
لذا فإن الفيلسوف البريطاني «برتراند راسل - برغم نظرته المادية - يرى أن الإنسان في دراسته للطبيعة قد انتصر بواسطة العلم، أما في صراعه مع نفسه فلم يحرز نصرًا، ولم ينفعه هنا سلاح العلم، فلا يزال سلاح الدين هو صاحب هذا الميدان».
صحيح أن العلم نور، لكن نوره لا يهدى للعصاة، لذا كان من الدعاء المأثور: «وأعوذ بك من علم لا ينفع».
فيتامينات السعادة!
ثمة معينات أو بلغة الأطباء فيتامينات تعينك على تحقيق السعادة، أهمها:
١- احرص على تقوية صلتك بالله تعالى، والاقتراب منه، وهو إيمانك.
۲- حسبك أن تستشرف المستقبل وتخطط له وخذ بالمتاح من الأسباب، ولا تبالغ في التفكير فيه فترهق نفسك وتشقى.
3- لا تفكر في آلام الأمس، فقد مضت وانقضت.
4- مارس الرياضة التي تحبها وتجنب ضغوط الحياة، ورفه عن نفسك وأسرتك وضع لذلك خطة.
5- جدد حياتك، وغير من روتين يومك ومعيشتك.
٦- أكثر من ذكر الله تعالى، فبه تخفف من أثقال حياتك، وبه تطمئن القلوب، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28).
7- أكثر من الاستغفار فيه ترزق ويأتي الفرج والذرية والمغفرة، قال تعالى على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (نوح:10-13).
8- ارض بما قسم الله لك، واصبر على ما أصابك، فإن ذلك يقربك من الله فيرعاك، ولذة القرب منه سبحانه سعادة.
9- لا تجالس قرناء السوء والحساد، فإن ذلك مصدر الهموم والأحزان وسبب النكبات والأزمات.
۱۰- ابسط وجهك للناس وألن لهم القول وكن مرحًا، وتبسم عند لقياهم، فذلك يجعلهم يحبونك، فتشعر بالسعادة.
11- لا تتأزم نفسيا إن أساء إليك الآخرون أو شتموك وثق بأنك إن صبرت على أذاهم غفر
الله لك خطاياك، أو أخذت من حسناتهم.
۱۲- كن واسع الأفق، والتمس الأعذار، كي تعيش في سكينة وهدوء ، وأحسن الظن بالناس وتجنب الانتقام.
١٣- لا تغضب فإن الغضب من الشيطان ويجلب الكدر، ويورث الندم والشقاء.
١٤- كن متفائلا في حياتك، ولا تلبس النظارة السوداء حتى تتجنب التشاؤم.
١٥- عندما تقع في أزمة تذكر أن الله فرج عنك أزمات وأزمات، وثق برحمة ربك تعالى.
١٦- اقبل النصح واشكر صاحبه.
۱۷ - احذر الكبر والغرور.
١٨ - لا تجعل خطأ واحداً لشخص ما ينسيك معروفة.
١٩ - أحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأعط كل ذي حق حقه واستخدم الهدية في تأليف قلوب من حولك.
٢٠ - كن مخلصًا في نصحك للآخرين وبرفق ولا تنتقدهم بغير حق، ولا تجرح مشاعرهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل