العنوان أين أنتم من هؤلاء؟.. العز بن عبد السلام
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1977
مشاهدات 94
نشر في العدد 377
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 06-ديسمبر-1977
تردى العالم الإسلامي في طريق الهاوية والسقوط أعصرًا طويلة، بدأت بتكالب قوى الشر والعدوان عليه منذ زمن ليس باليسير، فراحت تلك الفئات الباغية تكتل نفسها، وتذم شذاذها، وترص صفوفها، تبغي القضاء على هذا الدين.
وبدأت منذ ذلك الحين سلسلة الفتن والمؤامرات الداخلية والخارجية، من حروب صليبية يقودها الصليب؛ لتعلق جثة المسلم عليه بعد أن تتشفى نفوس لاكها الحقد، ثم تلتها حروب تقودها جحافل من الوحوش الآدمية تسمت بالتتار؛ فأدى ذلك كله إلى اهتزاز الكيان الإسلامي، لا سيما وإن جرثومة البعد عن الله قد راحت تنتعش وسط هذه الأجواء، فتتالت الهزائم، وتتابعت النكسات.
ووسط هذا الزحام الانهزامي تراجع العلماء إلى صفوف متأخرة، وتركوا الريادة والقيادة والتوجيه، فازدادت الحالة سوءًا.
وبرزت فئات مقنعة تحمل راية التبعية والانهزام، فأخذت تصرح في الميدان وتتبع أي سلطان حتى وإن كان حاميه الشيطان.
وبين هذه الخطوب المدلهمة والصراعات الحامية يقيض الله لهذه الأمة من يجدد لها عزمها، ويردها إلى السبيل السوي؛ ولذا فإن الله يبعث على كل رأس مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها، ويصرع الباطل على يديه.
وفي هذه الفترة التي وصل فيها المسلمون إلى الحضيض وتشتد الأزمة ليفرجها الله بالبلج المنير والنصر المبين.
وحين تندفع جحافل التتار؛ لتحرق الأخضر واليابس، وتعبر البراري والسهول، وتمر على العمران، فتجعله قاعًا صفصفًا، حتى ليمر الفارس على فرسه دون أن يعثر به بين هذا الدمار؛ لأنه سواها كأن لم تغن بالأمس، وتساقط تحت سنابك خيلهم الديار، فيدخلون بغداد ويفعلون فعلتهم الشنعاء فيها، حتى لترتجف النفوس من ذكرهم، بل بلغ الخوف بنفر من أهلها بأن يحنوا رقابهم حتى يأتي التتري ليقطعها، وأي مصيبة حدت بالأمة ؟
وتأخذ جحافل المغول بمتابعة مسيرها إلى أرض الكنانة؛ حتى تحكم طوقها، وتحقق مرادها بسقوط مصر بين يديها.
وقبل هذه اللحظات الحرجة التي يطوي فيها الوحش المنفلت من أواسط آسيا تقدمه نحو مصر، إذا بشيخ من الشام يقطع الفلوات إلى مصر ويصلها في عام 639ه وكان عليها في ذلك الحين السلطان الصالح نجم الدين، فيستقبله استقبالًا عظيمًا وعهد إليه بالخطابة في جامع عمرو بن العاص، كما قلده رئاسة القضاء لمصر والوجه القبلي.
وانطلق يصلح ما يمكنه الإصلاح، فأزال كثيرًا من البدع والخرافات التي أدخلها الناس بشهوة أنفسهم إلى الدين وما هي منه.
وتكر الأيام وتزحف القبائل التترية تريد أرض الكنانة، ويدب الفزع والخوف في النفوس، فالريح تحمل أفعالهم والأصداء تتردد بمنكراتهم.
وراح الشيخ ينفخ في الرماد؛ لعل أن يومض ما تحته من جمر، فصاح بهم بصيحة المصطفى- صلى الله عليه وسلم، فإذا بالناس تسترجع المعارك العظيمة التي دخلها رجال هذا الدين مع قوافل الشرك والكفر في الأرض.
فإذا البطولات تبرق، وإذا الزيف يتناثر تذروه الرياح، فتتقد آثار البطولة في نفوسهم وتسري ذكريات عطرة في عروقهم، فإذا الجهاد مطلب يرقى كل مطلب وغاية تندك عندها الغايات، فإذا الصخر سلاح والماء نار في صدر عدوهم.
فاستيقظت المشاعر الناعسة تتأجج، والتفت إلى الأمراء والسلطان وهم في صولهم وصولجانهم، فرفع صوته بالحق عاليًا وصرخ في وجوههم، واستبدل الملك الشاب الذي كان يجلس على كرسي الملك بقائد مغوار وبطل صنديد ومحارب متمرس هو الملك الظاهر قطز، وطلب الإمداد للمعركة، فتعذر الأمراء بأنهم لا يملكون المال فطلب منهم أن يخرجوا ما في جيوبهم من ذهب وفضة وما عند نسائهم من الحلي، فرضخ الأمراء لمطلبه، ورأى الناس ذلك، فتدافعوا للتبرع والبذل وجمع السلاح وعدت العدة، والناس في شوق إلى المعارك، وقد أخذت منهم تباريحه أي مأخذ.
وبلغ جيش المسلمين بيسان في رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة، ورأى في عين جالوت جيوش المغول الرهيبة، وكاد الجزع أن يفقد الثقة في النفوس.
فشمر الشيخ يذكر الجيش بالنصر والشهادة، فتدافع الناس وبلغ الحماس شأوًا عظيمًا في النفوس، واندفعوا كالسيل الجارف حتى غمر العدو، ونجا المسلمون بفضل الله تعالى ثم بصلابة هذا الشيخ، ورفرفت رايات النصر على معسكر المسلمين وجر جيش العدو أذيال الخزي والعار، وانقطع دابره، ولم تقم له قائمة بعد ذلك.
▪ ولنعد إلى شيخنا هذا لنتعرف عليه من قريب
إنه أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام يلقب بسلطان العلماء، ولد في الشام سنة سبع وسبعين وخمس مائة، نشأ في دمشق متدينًا، يحوطه الصلاح والتقى في بيئته، كان فقير الحال لم يحصل العلم إلا على كبر.
ودرس على أيدي مشايخ عصره في الشام، وارتحل إلى بغداد طلبًا للعلم، ثم قام بالتدريس بعد ذلك في دمشق في المدرسة الغزالية والشبلية البرانية.
ثم جلس إلى الإفتاء حتى قال فيه ابن كثير: (وقصد بالفتاوى من الآفاق)، كما اعتلى منصب الخطابة في كثير من أكبر المساجد كالأموي وجامع دمشق في الشام وعمرو بن العاص في مصر، وفي أثناء تسلمه الخطابة في مسجد دمشق الذي لم يمكث فيه طويلًا؛ بسبب الخلاف الذي نشأ بينه وبين السلطان الخائن الصالح إسماعيل بن العادل الذي تحالف مع الفرنجة.
ولم يكتف العز بإصدار الفتوى في انتقاد الصالح إسماعيل من على منبر جامع دمشق في يوم الجمعة، وذمه على فعلته الشنيعة هذه، وقطع من الخطبة الدعاء له، وصار يدعو في الخطبة بدعاء، منه: «اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد يعز فيه أولياؤك ويذل فيه أعداؤك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك»، والناس يضجون بالدعاء.
ثم ارتحل بعد هذه الخطبة إلى مصر وحاول السلطان أن يرده، فبعث إليه من يخبره أن يرجع إلى مناصبه وزيادة بشرط أن تقبل يد السلطان.
فقال الشيخ: «والله يا مسكين! ما أرضاه أن يقبل يدي فضلًا عن أن أقبل يده، يا قوم! أنتم في وادٍ وأنا في واد، والحمد الله الذي عافاني مما ابتلاكم به».
ووصل مصر وهناك لم ترض هذه الشعلة المتوقدة أن تخبو لحظة، وهي ترى الباطل يعبث ويعيث فسادًا.
فطارد المماليك وهم أمراء الدولة وسلاطينها وأصحاب النفود فيها، وعندما عين في رئاسة القضاء نظر في الأمور القضائية الشرعية نظرة إصلاح، فتبين له أن المماليك ما زالوا عبيدًا أرقاء من الوجهة الشرعية القضائية، فحكم عليهم، بأنهم من أملاك بيت مال المسلمين، وإذا أرادوا الحرية فلا بد من بيعهم، وإذ هم ليسوا بأحرار فلا يجوز لهم من الناحية الشرعية أن يتصرفوا تصرف الأحرار في مجالات الحياة المختلفة، فبدأ يبطل العقود التي يعقدونها من بيع وشراء ونكاح، فتعطلت مصالحهم، وضاقت نفوسهم بذلك؛ فثاروا عليه واستفسروا منه ماذا يريد من ذلك؟
فقال لهم بجواب صريح جريء: «نعقد لكم مجلسًا ينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي».
وألبوا السلطان عليه ولكنه بقي صامدًا وترك القضاء محتجًا، وحمل أمتعته على حمار، وأركب عائلته على حمير آخر، وسار متجهًا إلى الشام وما كاد يقطع مسافة ضئيلة حتى خرجت مصر عن بكرة أبيها بشيوخها وصبيانها ونسائها ورجالها وعلمائها «حتى زلزل ذلك من كرسي السلطان، بل قيل له: متى راح ذهب ملكك».
فركب السلطان بنفسه، ولحق به، واسترضاه، وانصاع السلطان له، ووضع الأمراء في المزاد، وهكذا تم له تحقيق شرع الله حتى مع الحكام.
ونادى عليهم، وغالى في ثمنهم، ثم صرفه في وجوه الخير، وعقب السبكي على ذلك قائلًا: «وهذا ما لم يسمع بمثله من أحد»، وللحق إنه لم يسمع مثل ذلك بعد عصر السبكي قط.
بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تجاوز الأمراء إلى السلطان نفسه، فقد خرج الملك الصالح أيوب يوم العيد إلى الصلاة، تحفه كوكبة من فرسانه والعساكر مصطفة بين يديه، والقادة والكبراء يقتفونه والرايات تلوح على رأسه، وبينما هو كذلك إذ يخرج شيخ من مدرسته فيصرخ بأعلى صوته: يا أيوب! فيفزع السلطان لهذا النداء، إذ من يتجرأ في هذه اللحظات أن يناديه باسمه دون ألقاب؟! فوقف ووقفت الجموع، وقد شدت الأنفاس، وخيم الصمت على الجموع، فقال الشيخ من جديد: ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟
فرد السلطان وهو في ذهوله: هل جرى ذلك؟
قال: الخمارة الفلانية يباع فيها الخمر، وفيها المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة.
قال الملك: يا سيدي هذه من زمان أبي.
قال العز: أنت من الذين يقولون إنا وجدنا آباءنا؟
فأمر السلطان بإبطالها من ساعته.
ولما دلف الشيخ إلى مدرسته سأل تلامذته: يا سيدي لم فعلت ذلك؟
قال: يا بني رأيته في تلك النعمة، فأردت أن أهينه؛ لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه.
قال: يا سيدي أما خفته؟
قال الشيخ: تصورت هيبة الله، فصار السلطان قدامي كالقط!
وهكذا أمضى الشيخ حياته بحثًا عن الحق، لا يرده عنه أي حائل، ولا يقف دونه الصعاب، لم يتزلف الحكام، ولم يفت بما يغضب الله؛ لمنصب ولا كرسي ولا لغاية دنيوية ترتجى، وتوفي يوم السبت تاسع جمادي الأولى 660ه ودفن بسفح المقطم.
وهو الذي قال: «المخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين» وهو الذي يقول: «فمن آثر الله على نفسه آثره الله».
وكان رحمه الله أوابًا للحق، فقد أفتى مرة بشيء ثم تبين له خطأ فتواه، فنادى في شوارع القاهرة أن من أفتى له فلان بكذا فلا يعمل به، فإنه خطأ.
* هذا نموذج من المدرسة الإسلامية، التي تشتاق لها الساحة اليوم، حيث امتلأت بالمنافقين الذين يجرجرون الناس حيثما توجهت دفة الحكام والسلاطين، فرحمة الله عليك، يا عز، رحمة واسعة.
وماذا كان دورك لو عايشت الأمة في هذه الأعاصير الغبراء، حيث يصير الأعداء أصدقاء بالخيانة والمؤامرة والدهاء.
بعد تحطيم كوبري عصب- أديس أبابا
▪ اكتمل حصار إثيوبيا برًّا وبحرًا
جيبوتي- ذكرت الأنباء الواردة إلى هنا مع قادمين من أراضي العفر بأن جبهة تحرير العفر التي يرأسها السلطان علي مرح قد حطمت أحد أكبر كبريين على الطريق الرئيسي بين عصب وأديس أبابا وجيبوتي وأديس أبابا، وقد حطم الجسر على مقربة من- جوما- وهي ملتقى الطريق بين عصب وأديس أبابا، كما دمر المناضلون في الجبهة 60 عربة نقل عامة في منطقة دبتي ودت بحاري ودوبي في سلطنة أوسا.
كذلك أحرق المقاتلون في الجبهة 3 سيارات عسكرية محملة بالأسلحة في محطة- لوجا- وهي المحطة الرئيسية على الطريق بين عصب وأديس أبابا.
ونتيجة لانهيار الكوبري الرئيسي على الطريق، توقفت الحركة تمامًا ما بين عصب والعاصمة، وبالتالي توقف شحن الأسلحة الروسية الحديثة التي وصلت إلى الميناء، وهو المنفذ الوحيد الآن لإثيوبيا.
وهذا ما اضطر نظام منجستو هايلي مريام إلى طلب النجدة من كينيا للسماح بتدفق الأغذية والمؤن العاجلة من حدودها، وقد أعلن وزير التجارة والصناعة الكيني بأن بلاده ستبذل ما في وسعها لمساعدة إثيوبيا، نتيجة للموقف الصعب الذي أصبحت فيه بسبب نشاط المقاتلين الإريتريين والعفر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل