; أيام مع اللاجئين السوريين على الحدود التركية | مجلة المجتمع

العنوان أيام مع اللاجئين السوريين على الحدود التركية

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2014

مشاهدات 82

نشر في العدد 2068

نشر في الصفحة 15

السبت 01-فبراير-2014

في مجرى الأحداث

هي المرة الثالثة التي أتواجد فيها بين اللاجئين تحت قصف النيران وتحت قصف التشرد والجوع والموت.. كانت المرة الأولى في صحراء الرويشد الأردنية عندما ذهبت إلى هناك قبل أربعة وعشرين عاماً أغسطس من عام (۱۹۹۰م) في مهمة صحفية صعبة لتفقد أحوال اللاجئين من شتى الجنسيات الفارين من الغزو العراقي الغادر للكويت. 

ثم حلت كارثة أخرى بعد عامين ( عام ۱۹۹۲م) في البوسنة والهرسك حيث وقع شعبها المسلم تحت مقصلة الصرب الأرثوذكس في حملة تطهير عرقي غير مسبوقة، وكنت من أوائل الصحفيين الذين ذهبوا إلى هناك بينما كانت الحملة على أشدها. 

يومها رأيت آلاف النساء والأطفال يهيمون على وجوههم في العاصمة الكرواتية زغرب، وشاهدت مئات العائلات يعيشون في عربات القطارات القديمة، فقد اتخذوها بيوتا بعد أن فقدوا كل شيء ونجوا بأنفسهم. 

حضرت أول مؤتمر إغاثي دولي لإنقاذ مهجري البوسنة - هكذا قالوا في الإعلام - لكني رأيت أن جل الحاضرين هم قادة الكنائس في الدول الأوروبية، لقد تنادوا بعد أن باتت الضحية جاهزة للذبح العقائدي... جاؤوا بعد أن اكتظت العاصمة زغرب باللاجئين المسلمين، ولا مغيث ولا منقذ لهم سوى الكنائس التي وفرت لها المجموعة الأوروبية كل الإمكانات لتنصيرهم وتخليص أوروبا من دولة جديدة ناشئة. 

مكثت هناك عشرين يوما زرت خلالها معظم مدن البوسنة وكرواتيا وشاهدنا ما يشيب له الولدان من مذابح واغتصاب للنساء ووحشية في المعاملة، تلك التي تستر عليها بطرس غالي .. فقد كان يومها أمينا عاما للأمم المتحدة، وأخذت المحنة وقتها وانقضت ومازال شعب البوسنة المسلم حيا قابضا على عقيدته بعد تضحيات غالية. 

وها أنا ذا بعد أكثر من عشرين عاما أقضي أياما بين اللاجئين السوريين على الحدود مع تركيا .. ولم يخطر ببالي يوما قط.. أن تتحول الشعوب المحيطة بالكيان الصهيوني إلى لاجئين، ويتم تدمير الدولة السورية بكل مقدراتها، ويتم ارتكاب جرائم إبادة لا مثيل لها في التاريخ. 

في الطائرة، ونحن في طريقنا إلى إسطنبول، دار في خلدي ذلك الشريط الطويل عن عالم اللجوء والشتات والمحن وضياع الأوطان ورجعت إلى البيانات والإحصاءات التي تؤكد أن أكثر من 90% من اللاجئين حول العالم خلال القرن الماضي كانوا من المسلمين، وفي مطلع القرن الجديد فإن النسبة تقترب من ۱۰۰ هم من المسلمين.. فالمقصلة تدور بأقصى سرعتها على رقاب الشعوب المسلمة وحدها.. اضطهادا وتطهير عرقيا في بورما ( الروهينجيا ).. واعتقالا وتعليقا على المشانق في بنجلاديش، ذات الأغلبية المسلمة، ويحكمها نظام هندوسي لا يقل حقدا عن الصهاينة.. ومذابح واسعة للمسلمين في أنجولا وأفريقيا الوسطى، وحكومات مسيحية تحكم شعوبا مسلمة بالحديد والنار في القارة الأفريقية. 

مشهد مأساوي في كل الحالات، يجسد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما يدور اليوم هي حرب عالمية ضد الإسلام بامتياز، ولكنها تتنقل خطوة خطوة من أرض إلى أرض، ومن دولة لأخرى حتى لا تبدو الصورة مكتملة، وتظل مخففة، ولكن نتيجتها بحر من الدماء يستنزف الجسد المسلم وتصب فيه أنهار صغيرة قادمة من كل حدب وصوب. 

ولكن المفاجأة أن موجات المقاومة أقوى من أمواج الدماء المتدفقة وملاحم الصمود والبطولة التي تسطرها النساء والفتيات والشباب والأطفال، تهزم حملات البغي المدججة بأقذر الأسلحة.. مازال جسد الأمة حيا بل ويزداد حيوية.. مع تزايد توجيه الطعنات.. لقد أرادوا قتله، فإذا بالحياة تدب فيه من جديد، ومع تزايد الطعنات يزداد تدفق الحياة ويقف شامخا في الميدان. 

لقد تزاحمت تلك الصور في رأسي وأنا في الطريق إلى إسطنبول ثم تزايد ازدحامها عندما وصلت إلى ولاية أنطاكية في أقصى الجنوب التركي، حيث بدأنا جولتنا إلى الحدود التركية مع سورية.. مسلمون مشردون فرارا من التنكيل والقتل الأعمى، يهيمون على وجوههم إلى مصير مجهول تحت موجات البرد القارس ورياح الصيف الحارقة، يموت منهم من يموت في صمت، ويمرض منهم من يمرض، وتملأ أوجاعه الفضاء فلا يسمعه أحد إلا بعد أن تتقطع أحباله الصوتية من الصراخ. 

وتنطلق القافلة من أنطاكية في أقصى الجنوب التركي.. قافلة نبض الحياة (3) المكونة من ١٦ شاحنة تحمل ما يقرب من ٤٠٠ طن من الأدوية والأغطية، وهي الفوج الأول من عدة أفواج ستتواصل في الأيام القادمة - وفق تصريحات المنسق العام للقافلة د. بسام ضويحي 

- من تبرعات أكثر من عشر دول عربية و ۲۳ مؤسسة خيرية، منها مؤسسة من تايلاند وباكستان تشعر بمحنة أهلنا في سورية، وقد تم تجميعها في مدينة الريحانية القريبة من الحدود السورية، لكن قصف الطيران العنيف للمنطقة منعنا من الوصول المعبر باب الهوى الحدودي السوري، وقد تكفلت مؤسسة إي ها ها التركية التي تقوم بجهود إغاثية واسعة هناك بتوصيل المساعدات، وتمتلك عدة  مقرات على الحدود من مخازن ومخابز وكل أدوات الدعم اللوجستي.. 

تحركنا برا إلى مدينة غازي عتاب على بعد ٣٦٠ كم من أنطاكية وعلى مقربة من الحدود، وفي الأيام التالية زرنا مستشفى الأمل في مدينة الريحانية التركية الذي لا يتوقف عن استقبال الضحايا من داخل سورية، وزرنا أحد مخيمات اللاجئين في تركيا (حوالي ٦٠٠ ألف لاجئ في تركيا ) في مدينة مرج دابق» الشهيرة، ويضم ٣٥ ألف لاجئ، وتقدم فيه الحكومة التركية خدمات على أعلى مستوى من غرف سابقة التجهيز بها كل أدوات المعيشة.. ومدارس.. ومستوصفات.. وغيرها. 

هي رحلة شاقة لكنها لا تساوي شيئاً أمام أهوال المجازر.. وقد خفف من تلك الرحلة وحولها إلى رحلة مثمرة ذلك الطاقم المهني المشرف على القافلة الذي وفر كل إمكانات نجاحها ..

الرابط المختصر :