; أيام في كيب تاون | مجلة المجتمع

العنوان أيام في كيب تاون

الكاتب محمد موسي الشريف

تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006

مشاهدات 83

نشر في العدد 1726

نشر في الصفحة 53

السبت 11-نوفمبر-2006

أطلعت على جهود لا بأس بها لمجلس القضاء الإسلامي

يشارك المسلمون في الحكومة بـ 5 حقائب وزارية ضمنها التعليم والعدل والزراعة والمواصلات

لن يكون المسلمون فاعلين في هذه البلاد الا إذا أنشؤوا مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية فاعلة

«كيب تاون» مدينة رائعة الجمال، حباها الله تعالى مناظر خلابة وطبيعة ساحرة، وتقع في الطرف الأسفل الأجمل والأرقى من القارة الإفريقية، وقد أسسها الهولنديون المستعمرون قبل ٣٥٠ سنة لتكون محطة تزوُّد بالطعام والحاجات الأخرى أثناء تنقلهم في البحار، ثم سكنتها مجموعة منهم عرفوا بـ «البوير»، ثم سكنتها مجموعات من الفرنسيين والإنجليز ليكونوا خليطًا أوروبيًا عنصريًا حكم بلاد جنوب إفريقيا عدة قرون، ثم قامتْ حروب بينهم أهمها حرب البوير في بداية القرن الماضي.

ومع أنّ البيض أقلية في جنوب إفريقيا، إلا أنّهم تمكنوا من حكم البلاد حكمًا عنصريًا بغيضًا جدًا، لم تنفك منه هذه البلاد إلا في سنة ١٤١٤هـ، حيث تمكن السود - وهم الأغلبية - من الحكم، ولهذا قصة طويلة مؤلمة مفرحة خلاصتها أنّهم كانوا - وهم أهل البلاد الأصليون - ممنوعين من التعلم أو التنقل أو رؤية طبيعة بلادهم الرائعة، وكانوا في التصنيف الطبقي العنصري الجاهلي ثالث الفئات:

فالفئة الأولى هم البيض، والفئة الثانية هم الملونون، وهم الذين جلبهم المستعمرون المخربون من الهند ومن بلاد الملايو - إندونيسيا وماليزيا - وكانوا عبيدًا للبيض، والفئة الثالثة هم فئة السود الذين وقع عليهم من الظلم ما الله به عليم وسيموا الخسف والهوان، لكنهم قاموا بثورات على الحكم الأبيض أهمها ثورة سنة ١٣٨١هـ - ١٩٦١م التي قتل فيها أعداد كبيرة منهم، وبعد ذلك وضع رئيسهم «نلسون مانديلا» في السجن لمدة سبع وعشرين سنة، لكن البيض أدركوا أنّه لا يمكن لهم أن يقودوا البلاد منفردين، في زمن تخلصتْ فيه معظم الدول من ربقة الاحتلال، ولا بد أن يسري الأمر نفسه عليهم ولو بعد حين، فأخرجوا مانديلا من السجن وأشركوه في الحكم. وما أن جاءتْ الانتخابات الحقيقية إلا وتولى السود على إثرها مقاليد الحكم، وتمكن «مانديلا» من الوصول إلى رئاسة البلاد، لكنَّه كان حكيمًا فلم يقم بمعاقبة النظام البائد فعفا وتسامح، وارتقى على كل من ظلمه وتعدى عليه.

هذه نبذة سريعة عن هذا البلد الذي يسكنه قرابة الخمسين مليونًا، أما المسلمون في جنوب إفريقيا فهم قرابة ٣ من السكان فقط، فهم أقلية قليلة، يتركز معظمهم في كيب تاون، وهم في حرية وانطلاق وصفاء من النادر أن تنعم بمثله أقلية مسلمة في أي دولة في العالم، وذلك لتعاطف الحكومة معهم ومع قضاياهم في الجملة، ولقيام حكومة البلاد على أساس احترام مواطنيها وعدم التفريق بينهم والمسلمون ينقسمون عدة أقسام فمنهم ذوو الأصول الملايوية، ومنهم ذوو الأصول الهندية، وقليل منهم من أهل البلاد السود، ويندر فيهم من أصوله أوروبية.

ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام مازالتْ ضعيفة غير فاعلة، وذلك لأنّ الجماعات العرقية المختلفة ما زالتْ متأثرةً بالنظام العنصري الهالك، وما زالت الأجناس تعيش منعزلة بعضها عن بعض.

مجلس القضاء الإسلامي

لكن هذا لا يعني أنّه ليستْ هناك جهود مبذولة للدعوة إلى الإسلام، غير أنّها غير فاعلة وغير مؤثرة. ولقد اطلعتُ على جهود لا بأس بها لمجلس القضاء الإسلامي الذي أنشئ سنة ١٣٦٥هـ - ١٩٤٥م، ويضطلع بأعباء ومهمات منها نشر الدعوة الإسلامية، ويرأس هذا المجلس مجموعة من علماء الشافعية التقليديين ذوي الأصول الملايوية، وأسند المجلس رئاسة قسم الدعوة فيه إلى «البرفيسور عبد الله حكيم كويك» سنة ١٤١٩هـ - ٢٠٠١م. وهو مسلم أمريكي أسلم وعمره عشرون سنة وهو الآن في الثالثة والخمسين - وهو من بوسطن، ودرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة كلية الدعوة وأصول الدين، وتخرج في كلية الدعوة وأصول الدين، ثم درس الماجستير في جامعة تورنتو، حيث تخصص في التاريخ الإفريقي، وحاز منها الدكتوراه في التاريخ الإسلامي لإفريقيا الغربية، وهو دمث الخلق، واسع الصدر، حسن السمت، جيد الاستقبال لضيوفه، وأحسبه من العاملين المخلصين والله حسيبه.

أمّا باقي مهمات مجلس القضاء الإسلامي: فهي الإشراف على الذبح الحلال، وإصدار شهادات للشركات تشهد لهم بصحة ذبحهم، ورؤية الهلال، وإصدار الفتاوى في النوازل، وحل المشكلات الزوجية ومحاولة معالجة مدمني المخدرات والإشراف على المعاهد والمدارس الإسلامية، لكني لم أطلع على حقيقة أي نشاط سوى نشاط قسم الدعوة فيه.

وللنهوض بالدعوة في هذا البلد أقدم تلك المقترحات:

أولًا: التركيز على إقامة مؤسسات ومشاريع في كيب تاون دون سائر مدن جنوب إفريقيا، وذلك حتى لا تنشئت الجهود في بلد كبير المساحة ولأن الكثرة والأغلبية من المسلمين تسكن في كيب تاون- ومن المهم المسلمين - ونسبتهم لا تتجاوز ٣٪ من سكان البلاد - أن يجتمعوا في مدينة كيب تاون ويلتف بعضهم إلى بعض حتى يأمنوا ويسلموا.

ثانيًا: اجتماع القلوب والاعتصام بحبل الله، وعدم التفرُّق إذ ما زالتْ طوائفٌ من المسلمين لم تجتمع قلوبها الاجتماع المطلوب، فهناك «الملايو الشافعية» و«الهنود الأحناف» وقلة من «السود» وهم لم يجتمعوا بعد الاجتماع الذي يفضي إلى حسن التأثير وجمال العمل وإتقانه، وصحيح أنهم ابتدأوا بتصحيح المسار لكن لم يصلوا بعد إلى الحد الأدنى المطلوب، وهذه مصيبة عامة في العالم الإسلامي، ولن تكون لنا رفعة - والله علم - حتى نتخلص منها أو نقلها إلى حد غير مؤثر.

ثالثًا: وجوب عمل شيء للتأثير القوى في المجتمع الجنوب إفريقي، فمازال تأثير المسلمين ضعيفًا، ولم يصلوا إلى ما ينبغي أن صلوا إليه في مجتمع يتعاطف مع قضاياهم، وتتناغم أهدافه مع عدد من أهدافهم. وإذا احتج محتج بأنهم أقلية فاحتجاجه مردود حمل اليهود في أمريكا، ونسبتهم أقل من سية المسلمين في جنوب إفريقيا، وعمل اليهود ضخم إلى الحد الذي أثروا به على جميع السياسات الأمريكية العالمية.

 وهناك عدد لا بأس به من المسلمين الجنوب إفريقيين يملكون أموالًا طائلة وثراء مريضًا، والطبقة المتوسطة فيهم كبيرة، فهذا ما يشجع على عمل شيء منظم قوي مؤثر في المجتمع هناك خاصة أن هناك عوامل خرى مساعدة مثل الاستقرار السياسي الاقتصادي والاحترام الذي تبديه الحكومة وضوح تجاه المسلمين والتمكين الكبير قارنة بغيرهم من المسلمين في الدول لأخرى فالمسلمون هنا حازوا على خمس زارات منها وزارة التعليم والمواصلات العدل والزراعة .

وهذه فرصة فريدة للدعوة التأثير والانتشار على المسلمين هناك أن يحسنوا استغلالها، وهم لن يكونوا فاعلين إلا إذا أنشؤوا مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية فاعلة، وأنشأوا أو شاركوا في إنشاء مراكز للدراسات والأبحاث تخدم توجهات المسلمين وترتقي بأوضاعهم.

 رابعًا: هناك فرصة لأغنياء المسلمين - ممن لا يرغبون إلا في دعم المؤسسات والمشاريع الدعوية - أن يدعموا كل ما سبق أن ذكرته، خاصة أن المسلمين هناك ليسوا في حاجة ماسة لمشاريع إغاثية عكس باقي إخوانهم الأفارقة، فهذه البلاد غنية راقية كأنها ليستْ في إفريقية، وهناك عدد من أغنياء المسلمين دعموا المشاريع في أمريكا وأوروبا رجاء تحسين أحوال المسلمين، فهؤلاء بإمكانهم أن يدعموا عددًا من المشاريع في جنوب إفريقيا وفي كيب تاون خاصة، فهي ليستْ ببعيدة عن أمريكا وأوروبا أبدًا، بل قد تفوق الأوضاع الإسلامية فيها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا عددًا من دول أوروبا ويفوق رقي جنوب إفريقيا رقي عدد كبير من بلدان أوروبا وأمريكا مما زرته وعرفته.

 أجمل مدن إفريقيا

وكيب تاون أجمل مدن جنوب إفريقيا وأكثرها مسلمين إذ فيها خمسمائة ألف مسلم من تعدادها البالغ ثلاثة ملايين، وهذا يعني أن المسلمين حوالي 17% وهذه نسبة جيدة جدًا، إذ نسبة المسلمين في جنوب أفريقيا 3% فقط.

وأعجبني في هذه الزيارة أمور أذكرها للأخوة القراء بإيجاز.

زرت ثانوية إسلامية للبنين، ويقوم عليها شيخ فاضل عامل من أصول هندية اسمه الشيخ عرفان، وأعجبني نظام المدرسة وسعتها، وتحدثت مع طلابها عن وجوب الاستعداد للمرحلة الجامعية، والاغتراف من علوم الكتاب والسنة، وإعداد النفس للدعوة إلى الله، وضربتُ لهم مثلين: أسامة بن زيد رضي الله عنه، ومحمد بن القاسم الثقفي - ولم يكونوا يعرفونهما - وأنّهما كانا في مثل سنهما تقريبًا، لكنّهما عملا عملًا عظيمًا إلى آخر ما ذكرته لهم.

واجتمعت بالإخوة العرب هناك وألقيتُ عليهم كلمة عن الهجرة - إذ الزيارة كانت في المحرم من سنة ١٤٢٦ - وأهميتها، والتضحيات التي قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، وتحدثت مفهم عن نتائج الهجرة الثلاث بناء المسجد وأهميته في الإسلام، وعن المعاهدة مع يهود وأنهم لم يوفوا بعهدهم، وأنهم أهل نكت وغدر، ولن ينعقد بيننا وبينهم سلام وكل ذلك سراب وضحك على الناس، ثم تحدثتُ عن الصورة الرائعة للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الذين ضربوا أروع المثل في الأخوة.

 وزرت في كيب تاون أيضًا الكلية الإسلامية، واجتمعت بطلابها وطالباتها في المسجد، وتحدثتُ معهم عن وجوب إعداد النفس للدعوة إلى الله تعالى، ووجوب معرفة الشبهات الملقاة في وجه المسلمين، وكيفية الإجابة عليها - ثم أجبتُ عن أسئلة الطلاب والطالبات التي كان بعضها مهماً ويسأل عن كيفيات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

ومن الملاحظات المهمة على العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا - عموماً انه لا يخاطب البيض أبدأ إنما العمل مع السود وذوي الأصول الهندية وذوي الأصول الملايوية فقط، أما البيض فلا عمل معهم إطلاقًا، وهذا خطأ ظاهر إذ هم قرابة 20% من السكان، ولما سألت عددًا من العاملين عن سبب هذا أجابوا بإجابات مختلفة. منها ضعف الإمكانات الدعوية، وقلة الدعاة، ونظرة البيض العلوية إلى غيرهم.

لكن ينبغي - على كل حال - مخاطبتهم والعناية بالعمل معهم فلا بد أنّ منهم من سيشرح الله صدره لقبول الإسلام والعمل له إن شاء جل جلاله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل