العنوان أيام في طرابلس الشام
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2007
مشاهدات 80
نشر في العدد 1767
نشر في الصفحة 41
السبت 01-سبتمبر-2007
■ البلدة تتميز بخضرتها الجميلة وسهولها ووديانها وجداول الماء البارد في فصل الصيف.
■ الهيئة العثمانية تكسو أسواقها ومبانيها.. ويغلب عليها الطابع الإسلامي.
■ تعجبت عندما شاهدت غابات الضنية.. أغلب أشجارها فواكه مثمرة!
زرت طرابلس الشام سنة 1400هـ / 1979م، وكان سبب تلك الزيارة، أن جدي لأبي تزوج امرأة من أعمال طرابلس بعد وفاة جدتي يرحمهما الله تعالى، واشترى بيتا جميلاً هناك ودعا أفراد العائلة لقضاء الصيف في هذا البيت، وكانت هذه المرة الثانية التي أزور فيها لبنان وزرتها في المرة الأولى طفلًا سنة 1389هـ / 1969م وكانت الرحلة بالسيارة من جدة إلى المدينة ثم إلى عمان فدمشق فطرابلس.
وقد مررت بدمشق وهي في أوضاع صعبة وأحوال متوترة بسبب المواجهة بين الحكومة والإخوان المسلمين، وكانت تلك المواجهات في بداياتها الأولى، وكان السفر البري قطعة من العذاب كما وصف النبي الأعظم السفر، ولا تسل عن تعقيدات الحدود آنذاك، ولا أدري عن حالها الآن إذ قد عزمت ألا أسلك الطريق البري أبدًا بعد ذلك.
صعود الجبل
ومن الطرائف – التي واجهتني في رحلتي البرية تلك – أنني كنت قد حصلت على رخصة القيادة قبل أشهر من الرحلة في جدة، وهي مدينة ساحلية لا جبال فيها فلم أكن أعرف كيف أسوق في الجبال فلما جئت عمان وجدت جل طرقها بين الجبال، ولولا ستر الله تعالى لحدث ما لا يحمد عقباه، لكن المحنة – كل المحنة – كانت في جبال الضنية قرب طرابلس فقوات الردع السورية كانت تقيم حاجز تفتيش على رأس الجبل، فكان على السيارات الصاعدة أن تقف بدرجة ميلان كبيرة فكان السائقون محترفين، فإذا وقفوا في موضع كانوا ثابتين تمامًا، وعند تحركهم منه ينطلقون دون أن يرجعوا للخلف قيد أنملة، أما أنا فلا أتحرك من مكاني حتى أعود إلى الوراء مسافة أزعجت بشدة سائق السيارة التي خلفي فكان يخرج رأسه من النافذة صائحًا هائجًا ثائرًا مهددًا متوعدًا، وما زال هذا دأبي في رحلتي هذه حتى عدت!!
اجتياز الحدود
وأعود بكم إلى الطريق البري، ففي الحدود الأردنية السورية وبعد اجتيازي الحدود الأردنية دخلت إلى درعا –المعروفة في التاريخ بأذرعات – وكنت شابًا صغيرًا لا أعرف شيئًا عن الرشاوى فلما رآني موظف الجوازات الذي يحتشد الناس أمامه صفوفًا لما رآني بثوبي وجوازي وجواز الوالدة وأخي وأختي صاح بي أمام الناس من هاهنا من هاهنا!! وأنا أكاد أسقط من الخجل من أعين الناس التي التهمتني، وأمرني بالدخول إلى غرفة قائلًا: كل عام وأنت بخير.
فرددت عليه بمثل ما قال.
ثم قال: ما شاء الله أنتم من بلاد النفط الغنية.
فقلت: الحمد لله.
فلما رآني لم أفهم ما يريد، أمرني بدفع شيء من النقود وختم الجوازات مسرعًا وانطلقت لأدخل دمشق، فلما كنت على أطرافها متجهًا إلى حمص لوح لي جندي بسلاحه لأقف فوقفت ونزلت، فإذا بقروية معها سلة من الفاكهة لم أر في حياتي قط سلة أكبر منها، فأمرني أن أوصلها معي إلى مكان عينه على الطريق فقلت له: إن السيارة ملأى ولا يمكن إركابها، فأمرني أن أفتح صندوق السيارة الخلفي، فلما رآه ممتلئا تميز من الغيظ. وانتهرني بقوة آمرًا إياي أن أواصل طريقي، وهذا التحكم في الناس أمر عجیب!
جداول الماء
ثم إني لما وصلت إلى طرابلس صعدت جبل الضنية فكان الجبل في حلة قشيبة من البهاء والجمال مكسوًا بالخضرة الجميلة، والماء يجري في السهول والوديان، فكان منظرًا أخاذًا شدني بقوة. ثم وصلت إلى بلدة سير، وهي في حضن هذا الجبل فيها جداول من الماء البارد، بل شديد البرودة هذا ونحن في أغسطس، وكنا إذا وضعنا البطيخ في تلك الجداول تشقق من شدة البرودة، وكنت لا أستطيع البقاء في شرفة المنزل طويلًا لبرودة الهواء.
ولما جاء رمضان عجبت من أمرين اثنين: من صلاة التراويح، ومن حال المنظمات الفلسطينية! أما هذه فقد كنت أمر عليهم فإذا ببعضهم يدخن في نهار رمضان فكان أمرًا جديدًا عليّ لم أكن أتوقعه أبدًا، وإنما ذكرت هذا لتعلم فضل الله تبارك وتعالى على الفلسطينيين اليوم حيث داخلتهم الصحوة، وبرز الإسلاميون حجر عثرة أمام كل مخططات اليهود وأعوانهم وأشباههم، وانتقل حال أكثر الفلسطينيين من النقيض إلى النقيض ولله الحمد والمنة.
إمام وقور
أما أمر صلاة التراويح فقد كان مفاجئًا لي، وذلك أني كنت أصلي مع بني عمي في جامع البلدة، والإمام وقور ذو لحية بيضاء طويلة له هيبة وجلال اجتمع مع جمال، وهذا أكمل ما يمكن أن يكون، فلما صلى صلى بنا ثلاثًا وعشرين ركعة فلم يكمل نصف سورة الرحمن!! فكان يقرأ الفاتحة ثم يقرأ ﴿الرَّحْمَٰنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن: 1، 2) فيركع وفي الأخرى ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾(الرحمن: 2، 3) ثم يركع وهكذا، فصلينا 23 ركعة في أقل من نصف ساعة!
لكن سبحان الله كم كان لهذا الرجل من تأثير في نفسي لكبر سنه وجلالته ومهابته وجمال قراءته، وكان لجلالته وجمال خلقته مع جمال ما يحيط بالجامع من مناظر خلابة، مع عذوبة الماء البارد الذي نشريه بعد صلاة التراويح من أمام المسجد نازلًا من الجبل، مع طعامهم اللذيذ المتنوع كان لكل ذلك انطباعات مؤثرة في نفس الشاب الصغير الذي لم يكن بعد قد رأى من الدنيا إلا القليل.
مظاهر إسلامية
ولما نزلت إلى طرابلس أعجبت بالهيئة العثمانية لأسواقها ومبانيها، وهي بلدة يغلب عليها الطابع الإسلامي؛ فالحجاب كان فيها ملحوظًا، وبعض المساجد تختم القرآن في تراويح رمضان والمظاهر الإسلامية لا تخطئها العين، وكان يكدر ذلك الصفاء وجود قوات الردع السورية وتجاوزاتها، والسلاح الذي كان منتشرًا في كل مكان وبأيدي الكثيرين مما نغص على مثلي ممن لم ير السلاح قط في حياته إلا ابتداء من تلك الزيارة!
غابات فاكهة: ومما رأيته في غابات الضنية – مما لم أره في مكان آخر إلى الآن – أن أغلب أشجارها هي أشجار فواكه بينما كل الغابات التي رأيتها في أماكن كثيرة من العالم بعد ذلك هي غابات أشجارها غير مثمرة اللهم إلا غابات زيت النخيل في بلاد الملايو: إندونيسيا وماليزيا، وهذه ميزة الغابات الطرابلسية. فقد كنا نجول فيها ونقطف ثمار التفاح والخوخ والبرقوق واللوز الأخضر – فيما أذكر – والكمثرى (الأجاص) والمشمش إلى آخره، نقطفها باليد من غير عناء يذكر.
ولولا أن الأحوال الأمنية في لبنان ليست مشجعة على الذهاب لجددت العهد بتلك المغاني، ولأنست مرة أخرى بتلك الربوع، فما أجمل أن تسمع الأذان بصوت جليل وأنت في تلك الوديان والسهول، وما أحسن المساجد التي تؤمها للصلاة وهي في أحضان الجبال، وما أحسن البعد عن المكيفات الهوائية والعيش في بيئة طبيعية لا يعكر صفوك فيها شيء، خاصة أن مناظر العري التي يشاهدها المرء في أغلب دول العالم لا مكان لها في البيئة الطرابلسية المحافظة والتي تستحق أن توصف بالإسلامية على وجه التعميم والتغليب، ولولا أن الأحوال الأمنية صعبة لدعوت إخواني المسلمين للذهاب إلى جبل الضنية وسير وطرابلس، فهي من أمثل الأماكن للعائلات، ومن أجملها وأكثرها بقاء على خلقتها وطبيعتها.
متاعب حدودية
ولما عدت من طرابلس إلى المملكة صادفت في الحدود السورية المتاعب التي ذكرتها في مقال أيام في فريبورج لمن أراد أن يرجع إلى ذلك المقال ليعلم كم تعبت آنذاك في عبور الحدود، والعنت الذي واجهته من موظف الجوازات السوري والظلم الذي لحقني آنداك، لكن عزائي أن هناك أخبارًا منبئة عن تحسن الأوضاع في المنافذ الحدودية، ولله الحمد والمنة.
لكني لا أكتمكم حقيقة مهمة وهي أني لم أشعر بالأمان منذ أن خرجت من المملكة إلا عندما عدت إليها في «حالة عمار» وهي المنفذ الحدودي، على أن التفتيش كان دقيقًا وصعبًا وطويلًا، لكن يغفره الشعور الكبير بالارتياح والأمان الذي نسأل الله دوامه لنا ولسائر المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل