; أيام في الأندلس (7) | مجلة المجتمع

العنوان أيام في الأندلس (7)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007

مشاهدات 105

نشر في العدد 1781

نشر في الصفحة 42

السبت 15-ديسمبر-2007

  • قصص المسلمين الجدد من أهم وسائل تثبيت الإيمان في القلوب.. وهناك عشرات الآلاف منها ضاعت بسبب الإهمال وعدم التقدير

  • بعض الإسبان إذا أسلم ورأى إقبال المسلمين عليه واعتزازهم به يصيبه الغرور وينظر إلى العرب نظرة دونية

  • عدم الاهتمام الكافي بالمهتدين الجدد قد ينتج عنه إما ردتهم بسبب سوء فهمهم للإسلام أو تصوفهم وانحرافهم الفكري

من عجائب قصص الهداية أني مررت ببلدة ، بلباو.. وهي عاصمة إقليم الباسك أو البشكنش، كما كان يدعوه عرب الأندلس، وكنت سأتحدث في جمع من المصلين في مسجد السلام، وبينما كنت أتهيا للصلاة، وقد بقي قرابة الساعة قبل الأذان، طلب مني الإخوة أن أتحدث مع أحد مسلمي الإسبان واسمه، داود رودريجرز ...

وكان يتحدث الإنجليزية على أنه لا يجيدها، فطلبت منه أن يقص علي قصة إسلامه، وعمره الآن قرابة الثالثة والعشرين، فقال لي: إنه من أسرة تنتمي إلى الروم الكاثوليك، وكل ما يحيط به من دراسة وعلاقات اجتماعية إنما هو متعلق بالروم الكاثوليك، فلما بلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا رأى في منامه رجلًا مهيبًا بلحية بيضاء جميل المحيا بهي الطلعة، ومعه المصحف فطلب منه داود أن يأخذه فقال له: «لم يحن أوان هذا بعد لكنك ستأخذه يومًا» فاستيقظ منشرحًا، وظل يبحث عن الإسلام في بلدته في الإنترنت فلم يجد شيئًا، فصار يقرأ منفردًا ويطبق ما استطاع، وكان يَعُّد نفسه مسلمًا آنذاك، ثم سمع بعد مدة بجماعة من مسلمي الإسبان متصوفة في غرناطة على الطريقة النقشبندية، فذهب إليهم فلما دخل مسجدهم ووجدهم يتواجدون أي يترنحون لم ينشرح صدره لهمن فعاد أدراجه ثم إنه ذهب إلى مدينة ليفربول، في بريطانيا ليتعلم اللغة الإنجليزية، وعمره سبعة عشر عامًا، وكان يمشي في الشارع، فوقر في صدره أنه يجب أن يذهب إلى مسجد، أي مسجد كان، لكن لغته الإنجليزية لم تكن تسعفه أن يسأل، فظل نصف يوم يدور في الطرقات لعله أن يهتدي إليه، فعثر عليه بعد لأي، فلما رأه تذكر أنه رأى في منامه في بلياو مبنى يقارب هذا، فلما ولج المسجد ظل يبكي لمدة ثلاث ساعات تقريبًا، وكلما سأله أهل المسجد عن شأنه ولماذا جاء لم يجد ردًا إلا أن يقول: لا أدري، إلا أني يجب أن أكون هنا!!

ثم أعلن إسلامه على يد طالب سعودي يدرس هناك واسمه محمد القحطاني وعاد إلى بلباو متحمسًا للإسلام، نشطًا، وصار عضوًا في لجنة مسجد دار السلام، وله نشاط لا بأس به في دعوة بني قومه، وهو الآن يريد دراسة العربية، فسبحان الله الهادي لمن يشاء كما شاء بما شاء جل جلاله.

ثروة ضائعة، وأيضًا قد رأيت من المهتدين أخًا في الله يدعى، صابرًا، وهو في الثالثة والأربعين، وهو لطيف المعشر، حسِن الخلق، وقد تحدثت معه عن قضايا عِدة فأظهر فهمًا جيدًا وحُسن استقبال لغريب مثلي يراه لأول مرة.

وقصص هؤلاء المسلمين الجدد من أهم وسائل تثبيت الإيمان في القلوب، وزيادة اليقين وتعميقه، وهناك عشرات الآلاف من هذه القصص لم تُسجَّل وضاعت على مدى عشرات السنين، وآلاف التجارب الدعوية في أوروبا وأمريكا، وهي ثروة جليلة ضاعت بسبب الإهمال وعدم تقدير أثر هذه القصص الجليلة في نفوس الأجيال.

ردة أو انحراف!

وهناك مشكلة كبيرة خاصة بالمهتدين الجدد، وهي ذات شقين يؤدي أحدهما إلى الآخر، ألا وهي عدم الاهتمام الكافي بهؤلاء مما ينتج عنه إما ردتهم أو انحرافهم، أما ردتهم فبسبب استعجال الأخوة في التعامل معهم قبل ثبوت الإسلام في قلوبهم، وقبل أن تعرف قلوبهم بشاشة الإيمان، وبعضهم إذا ذهب للحج ورأى الصعوبات هناك أو رأى ما لم يعتد رؤيته فإنه يرتد والعياذ بالله وليست الردة بسبب عدم قناعته بالإسلام، لكن ردته حصلت بسبب سوء فهمه للإسلام، وعدم رسوخه فيه واستعجال الإخوة في التعامل معه.

أما الانحراف الفكري فهو بسبب أن بعض هؤلاء إذا أسلم تصوف، وتصوفه هو على طريقة تصوف ابن عربي، وهو تصوف خطير فيه انحراف فكري كبير وبعض هؤلاء يتشيخ بمعنى أنه يصير شيخ طريقة صوفية. ومن أسباب انكباب بعض هؤلاء على التصوف الفراغ الروحي الكبير الذي كانوا يعيشون فيه قبل إسلامهم. والصوفية ترتكز على قضايا الروح على وجه جاذب لهؤلاء، أما المراكز فإن همومها وأعمالها ربما لا تناسب المسلمين الإسبان الجدد.

اعتزاز دون مبالغة

وبعض هؤلاء الإسبان إذا أسلم ورأى إقبال المسلمين عليه وحبهم له واعتزازهم وتعلقهم به يصاب بالغرور، ويصبح ينظر للمسلمين العرب من علٍ وقد يحتقرهم، وكل هذا واقع، لذلك على الأخوة أن ينزلوا هؤلاء المسلمين الجدد منزلتهم فقط بدون مبالغة ، وأن يعطوا كل ذي حق حقه، وأن يفهموا هذا المسلم الجديد أنه هو بحاجة إلى الإسلام وليس الإسلام يحتاج إليه حتى يعتز بهذا الدين وأهله، ويعرف منزلته الحقيقية، وأنه واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم.. وعليهم أن يعلموه الإسلام وشرائعه وشعائره، وأن يثقفوه بالثقافة الإسلامية المناسبة حتى يصبح عضوًا عاملًا في  المجتمع الإسلامي...

فإن مصيبتنا في أكثر هؤلاء أن علاقتنا بهم تضعف جدًا أو تنقطع إذا أسلموا، وهم آنذاك أحوج إلينا من أي وقت مضى، وذلك لما يتعرضون له من ضغوط نفسية هائلة فهذا تركته زوجته، وذاك هجره أولاده وثالث طرده أبوه من البيت، ورابع تعرض لوساوس ومراجعات، وهذه الأحوال تكون في أوجها عقب إعلان الإسلام مباشرة وربما تمتد إلى سنوات...

جمعية للمهتدين الجدد

لذلك اقترحت على الإخوة في الأندلس ان ينشئوا جمعية خاصة للعناية بالمسلمين الجدد وقضاياهم، وذلك لأن هموم العرب وقضاياهم ربما لا تترك وقتًا كافيًا للعناية بأولئك، فإذا أنشئت جمعية خاصة بهم عاد ذلك عليهم بأحسن العوايد ...

ولیست هذه المشكلة متعلقة بالمسلمين الجدد في إسبانيا فقط بل هي عامة في كل مكان تقريباً، وفي أمريكا الأمر أدهى وأمَّر لسعة البلاد وانتشار الناس، ولقد حدثني القائم على دار الهجرة في واشنطن أن أغلب المسلمين الجدد إنما ينقطع العهد بهم إذا أعلنوا إسلامهم في الجوامع يوم الجمعة، ولا يعود يدري بهم أحد، وأدعو الهيئة العالمية للمسلمين الجدد المندرجة تحت رابطة العالم الإسلامي، أن توجد الحلول لهذه المشكلة الصعبة المتشعبة، وأن ترعى هؤلاء المسلمين الجدد في شؤونهم كافة فهم رسلنا إلى أقوامهم وأهلهم، والله الموفق.

الرابط المختصر :