العنوان أيام الصبر.. رسائل من إسبانيا.. ركوب الموجة على أكتافنا
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1475
نشر في الصفحة 39
السبت 03-نوفمبر-2001
لم يعد رئيس حكومتنا الإسبانية بحاجة إلى كثير انهماك وارتماء على أقدام الولايات المتحدة ليضم بلاده إلى «الحلف الأمريكي- العالمي»، ضد الإرهاب!.. فلقد تكفلت منظمة «إيتا» الباسكية، بإسماع صوت معاناة إسبانيا للعالم، إذ انفجرت سيارة ملغومة في نفس المكان الذي كانت فيه الأسرة الملكية بجميع أطرافها، والحكومة بجميع أعضائها، وجميع رجال الدولة على اختلاف مسؤولياتهم ومناصبهم ورتبهم، حيث كان هؤلاء جميعًا- وقبل ساعات فقط من وقوع الانفجار- يشهدون احتفالًا استثنائيًا بمناسبة اليوم القومي لإسبانيا، أو ما يسمى «يوم الأسبنة» يوم الثاني عشر من أكتوبر، الذي تحتفل فيه إسبانيا بفتحها لأمريكا اللاتينية، وإخضاعها هاتيك البلاد تحت لواء سيادتها الثقافية واللغوية والدينية والحضارية.
إلا أن هذا العام تميز بحدث استثنائي ليس في تاريخ إسبانيا فحسب، بل في تاريخ الكرة الأرضية، حيث تفتقت العبقرية الإسبانية عن رفع العلم الأمريكي الشمالي، إلى جانب العلم الإسباني، في أثناء العرض العسكري الذي شهدته مدريد.
أما لماذا أجمل نفسي في هذه القصة، فلأنني كنت قبل ساعات فقط في نفس المكان لا لأتأمل بهاء السرادق المنصوب في ساحة «كولون»، ولا لأعطي تقريرًا إخباريًا عن التجهيزات الأمنية منقطعة النظير!! ولكن لأن أحد رجال الأمن الأشاوس كان قد اعتقل سيارتي!
نعم اعتقلها، حيث أصابها عطل ولم أعرف ماذا أفعل، فشغلت إشارة الوقوف وتركتها واقفة في منتصف الشارع، وقلت في نفسي «ثينكو أوتشينتو» لا تضر ولا تنفع.. يعني هي «فيات» من طراز شبرين ونصف، فلن تعرقل المرور، وذهبت إلى المسجد الذي كان قريبًا أطلب النجدة، فلما عدنا وجدنا البلاء الأعظم، قد سقط فوق سيارتي المسكينة الشرطة، ورجال الأمن الخاص، وأحيط بالمكان، وتجمع العشرات بل قل المئات ليشهدوا هذا المصاب الجلل، حيث إن «مورا»- أي أنا- ترکت سيارة ملغومة في منتصف الطريق!!... وكان المواطنون الصالحون من تجمعات المهاجرين البيروانيين- من رعايا فوخيموري- والذين بقوا في أمكنتهم يتفرجون على دون أن يعدوا إلى يد العون كان أصحابنا في الهجرة هؤلاء قد سارعوا للاتصال بأجهزة الأمن لتبييض صفحتهم عندها، وإبلاغهم بالعمل الإرهابي الخطير الذي تنوي القيام به واحدة «مورا» مثلي!..
وبعد التحقيق وسين وجيم، انقشع الغمام وتبينت الحقيقة الناصعة، وأسقط في يد رجال أمننا الساهرين على حماية المواطن والمهاجر والمقيم، فأنهز بدنهم واعتقلوا السيارة انتقامًا أو غيرة على مصلحة البلد... وهأناذا من مكتب إلى مكتب، ومن إدارة الأمن إلى إدارة المرور دون أن أستطيع استرداد سيارتي!
من أجل ذلك كنت في ذلك المكان بصحبة «معقبة معاملات» مختصة بالسيارات المعتقلة لتساعدني في فك أسر السيارة التي على صغرها كانت ملاذنا ووسيلتنا الوحيدة للتنقل في مدينة متوحشة المرور، واسعة الأرجاء معتدة المسافات.
المهم... انفجرت السيارة الملغومة التي وضعتها «إيتا»- وليس أنا- والحمد لله أن انفجرت في موقف اعتقال السيارات، ولم تنفجر أثناء الاحتفال، وإلا لفقدنا رأس الدولة وأطرافها وجميع أجهزتها الحيوية، انفجرت وأصيب سبعة عشر شخصًا بجراح طفيفة، ولم يقتل هنالك أحد ولله الحمد ونحمده سبحانه وتعالى وذلك على الرغم من أن الحكومة وأجهزة الإعلام كانت ترجو لو أن المفجرين كانوا من الإسلاميين والإسلاميات الأحياء منهم أو الأموات، إذ إن حكومتنا هذه تريد أن ترى الولايات المتحدة من نفسها خيرًا ولو على حساب أرواح الأبرياء، ولعل «أثنارنا»- رئيس الحكومة- كان يصلي في خلواته لكي يقوم مورو أو مورا بوضع قنبلة في مكان ما، ليقول للولايات المتحدة «أرأيت يا ولايات يا متحدة أننا في إسبانيا وإياك في هم الإرهاب سواء»؟
وعلى الرغم من أن عملية «إيتا» هذه كانت قد جاءت اعتراضا على الاحتفال بيوم إسبانيا، إذ تعتبر «إيتا» إسبانيا دولة مستعمرة لإقليم الباسك، إلا أنها جاءت كذلك ردًا عمليًا وفوريًا على الضربة شبه القاصمة التي تلقتها هذه المنظمة على يد قوات الأمن الفرنسية، بعد الثلاثاء الأمريكي الأسود، والذي أصبح بعده التعاون ضد الإرهاب بين الدول الغربية مطلبًا أكثر إلحاحًا، مما دعا الكثيرين إلى المقارنة بين مجرمي «إيتا» وأعضاء الجماعات المسلحة في بعض بلاد المسلمين. إلا أن اعتداء «إيتا» على الأمن والأمان في مدريد، لن يدعو أحدًا قط كائنًا من كان، إلى التفكير- مجرد التفكير- في تشكيل حلف عالمي ضد الإرهاب، كما لن يحمل أحدًا قط كائنًا من كان على التفكير بقصف إقليم الباسك وقتل مواطنيه الأبرياء.
وعلى الرغم من اعتراض الكثير من الدول والأحزاب في بلاد أمريكا الجنوبية على الاحتفال بهذا اليوم، فإن إسبانيا تمضي قدمًا في الاحتفال به كل عام، فكيف لا تفعله هذا العام وقد أصبح- رئيس حكومتنا- قاب قوسين أو أدنى من جعل إسبانيا ولاية أمريكية، رغم أنف الشعب الإسباني المعروف تاريخيًا بكراهيته للولايات المتحدة.
ولكن لا مشكلة، فكراهية الشعب الإسباني لأمريكا كراهية نفسية تشبه كراهيتنا نحن العرب، فنحن قوم ذوو قلوب بيضاء حتى لو كرهنا لم نؤذ أحدًا، والشعب الإسباني كذلك، يكرهها لكنه يلبس الكاوبوي ويأكل في ماكدونالد، ويجلس في معابد هوليود السينمائية متعبدًا طريقة الحياة الأمريكية والإنسان الأمريكي، إنها كراهية غير مؤذية تكفلت أجهزة الإعلام الإسبانية بمحوها وإزالتها من كل نفس، خلال عشرة أيام فقط عندما صورت الناس أن هذه التفجيرات التي هزت واشنطن ونيويورك، إنما هي هجوم إسلامي وحرب إسلامية على الحضارة الغربية وديمقراطيتها ورموزها، وأنه لا مفر اليوم من أحد خيارين أمام إسبانيا، إما ماما أمريكا وحضنها الدافئ وكلاب حراستها الصاروخية، وإما العودة إلى بابا البعبع العربي... الذي استعمر البلاد ثمانية قرون وانظروا إليه هناك في الجنوب، قد قامت قيامته فقمع المرأة وترك للإرهابيين العنان يفعلون في أرض الرب ما شاؤوا!! هكذا صاح الإسبان جميعًا ماما.. ماما عايزين ماما وبدأ العد التنازلي لأيام العرب والمسلمين في إسبانيا، إذ إن وسائل الإعلام ما تفتأ ليلًا ونهارًا تولول وتشد شعرها محرضة الناس علينا بكل وسيلة ممكنة، ولهذا حديث آخر.