; أولبرايت.. وإرهاصات تقسيم السودان 2 من 2 | مجلة المجتمع

العنوان أولبرايت.. وإرهاصات تقسيم السودان 2 من 2

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994

مشاهدات 64

نشر في العدد 1096

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 19-أبريل-1994


    • «في هذه الغرفة التي نجلس فيها اجتمعت مع كل من رياك مشار وجون قرنق زعيمي حركة التمرد المختلفين في جنوب السودان أكثر من خمس ساعات لإنهاء الخلافات القائمة بينهما، وتوحيدهما من أجل الضغط على الحكومة السودانية التي أصبحت لا تستجيب لمطالبنا، وقد نجحنا في تقريب وجهات نظر الرجلين إلا أن الحرب اشتعلت بينهما مرة أخرى بعد عودتهما إلى جنوب السودان».

    كان هذا ما سمعته من هاري جونستون رئيس لجنة الشؤون الفرعية الخاصة بالسودان في لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي، حينما زرته في مكتبه في الكونجرس أثناء زيارتي للولايات المتحدة في نوفمبر الماضي 1993م، وقد تعرفت من حديث جونستون على كثير من جوانب فهم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه السودان بصفة خاصة، وحينما فتحت ملف السودان بعد تصريحات أولبرايت التي أدلت بها في أديس أبابا بعد زيارة قصيرة قامت بها للخرطوم في أول أبريل الجاري 1994م، وجدت أن العلاقات الأمريكية السودانية قد وصلت في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري إلى مراحل متقدمة للغاية، حيث كان السودان هو الدولة الثالثة في ترتيب الحصول على المعونات الأمريكية بعد مصر وإسرائيل؛ وذلك بفضل التسهيلات والنفوذ الذي كانت تمنحه للولايات المتحدة عبر أراضيها.

    إلا أنها حينما غيرت سياستها في عهد حكومة البشير الحالية سعت إلى تأديب الخرطوم بسبب رفضها منح امتيازات خاصة للولايات المتحدة، كما جاء في تصريح أدلى به دبلوماسي أمريكي إلى صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية نشرته في مارس 1993م حيث قال: «في الوقت الذي تمنحنا فيه مصر تسهيلات عسكرية للقيام بمئات الطلعات الجوية فوق الصومال ولتعزيز مواقعنا في القرن الأفريقي، فإن السودان ترفض ذلك وتسعى لنشر الثورة الإسلامية في المنطقة».

    وقد جاء هذا التصريح في وقت ارتفعت فيه نبرة سيناريو التدخل الأمريكي في جنوب السودان تحت شعار الأمم المتحدة التي تتخذها الولايات المتحدة مطية لتنفيذ مطامعها الدولية، حيث قام السفير الأمريكي في السودان في ذلك الوقت دونالد بيترسون بزيارة مناطق المتمردين في جنوب السودان من أجل الإصلاح بين فصيلي التمرد المنشقين جون قرنق ورياك مشار إلا أن محاولاته باءت بالفشل، وعقد مؤتمراً صحفياً في العاصمة الكينية نيروبي في 4 مارس 1993م، طالب فيه المجتمع الدولي بالتدخل في جنوب السودان من أجل إنهاء المعاناة المرعبة لسكان المنطقة التي وصلت إلى وضع مشابه لما شهده الصومال. وطالب بيترسون الأمم المتحدة بدراسة إقامة «جيوب آمنة في الجنوب»، مطالباً المجتمع الدولي بأن يدرس «تدخلاً أكثر جدية».

    سيناريو التدخل والضغط الاقتصادي

    ولم تكن تصريحات بيترسون إلا جزءاً من السيناريو الكبير للتدخل الأمريكي في الصومال، وفي أبريل 1993م قام السيناتور الأمريكي فرانك وولف عضو الكونجرس بزيارة لجنوب السودان أعلن بعدها أن «كل الاحتمالات واردة»، وكانت صحيفة ليبراسيون قد نشرت في تقرير لها في ذلك الوقت أن واشنطن تقوم بمزيد من الضغوط السياسية والعسكرية على السودان، كما أنها تمنع اليابان وأوروبا من تقديم أية مساعدة مالية أو إقامة أية مشروعات استثمارية في السودان التي تتمتع بإمكانات استثمارية ضخمة أهمها بحيرات النفط التي توجد في باطن الأرض والمتمركزة في المناطق الجنوبية التي تسعى الولايات المتحدة لفرض سيطرتها عليها، حيث تقوم شركة «شيفرون» الأمريكية بالتنقيب عن النفط هناك منذ سنوات، وقد أعدت مخططاً لمد خط أنابيب في حالة السيطرة على جنوب السودان لتصدير النفط السوداني عبر ميناء مومباسا في كينيا.

    وقد كشف الدكتور حسين أبو صالح وزير الخارجية السوداني في كلمة ألقاها أمام المجلس الوطني الانتقالي السوداني في 1993/6/10م عن وجود مؤامرة دولية لتمزيق السودان تحت ستار الأمم المتحدة وقال أبو صالح: «إن المعلومات تشير إلى أن هناك تآمراً مبيتاً من جهات أجنبية معادية للتدخل في شؤون البلاد الداخلية تحت ذرائع الاهتمام بالشؤون الإنسانية وتستغل الأمم المتحدة في تنفيذ ذلك».

    خيارات الإدارة الأمريكية

    ورغم غرق الولايات المتحدة في المستنقع الصومالي وخروجها منه مضطرة بنهاية مارس 1994م؛ مما جعل احتمالات تدخلها في جنوب السودان مستبعدة إلى حد ما، إلا أن زيارة أولبرايت للسودان والتقائها بالبشير في أول أبريل 1994م وتصريحاتها شديدة اللهجة التي أدانت فيها الحكومة السودانية باسم المجتمع الدولي قد أعادت للأذهان صورة السيناريو الأمريكي المحتمل. وفيما يستبعد العاملون في إدارة الرئيس كلينتون - الغارق حالياً في مشاكله الخاصة - أي تدخل أمريكي في جنوب السودان، فإن دبلوماسيين أمريكيين يشيرون إلى أن كافة الخيارات واردة، وهذه التصريحات تشبه تصريحات ريتشارد باوتشر الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي السابق بوش الذي ظل يؤكد عدم وجود سيناريو أمريكي للتدخل في الصومال حتى أصدر بوش قراره فجأة، ودخلت القوات الأمريكية الصومال تحت ستار مجلس الأمن خلال ساعات معدودة.

    التمهيد الإعلامي للتدخل

    أما سيناريو التدخل المحتمل في جنوب السودان فقد نشرته صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية على لسان أحد الدبلوماسيين العرب حيث قال: «يقوم المتمردون في جنوب السودان بالاختلاف فيما بينهم، ويعيقون توزيع المساعدات الغذائية مما يعرض السودانيين في الجنوب للموت جوعاً»، وفي هذه الأثناء تقوم شبكة «سي إن إن» التلفزيونية الأمريكية بتصوير مشاهد الموت جوعاً في الجنوب، وتمهد الطريق لنفس السيناريو الذي تمت به عملية إعادة الأمل في الصومال مع احتمالات بعض التغيير في الإخراج.

    وإن صح هذا السيناريو المحتمل أو كان في الأفق سيناريو آخر بديل لتدخل غير مباشر من القوات الأمريكية، فهل كانت زيارة أولبرايت للخرطوم في أول أبريل الجاري وما أعقبها من تصريحات هي جزء من هذا السيناريو؟

     

الرابط المختصر :