; بلا حدود: أولبرايت.. وإرهاصات تقسيم السودان «1 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: أولبرايت.. وإرهاصات تقسيم السودان «1 من 2»

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 12-أبريل-1994

 

خرجت مادلين أولبرايت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة إلى الصحفيين في العشرين من مارس الماضي وهي محبطة، لتعلن عن تأجيل مجلس الأمن اتخاذ قرار بشأن مجزرة الحرم الإبراهيمي وذلك للمرة الثانية عشرة، وكانت مما قالته أولبرايت للصحفيين الذين سألوها عن الموعد القادم: «لا أدري.. إنني محبطة.. إنني أشعر أني مجرد موظفة تنتظر الأوامر من واشنطن».

وبعد أيام قليلة من هذا المشهد المليء بالإحباط وروح الانهزام وقفت مادلين أولبرايت في أول أبريل الجاري أمام الصحفيين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بعد زيارة قصيرة قامت بها للسودان التقت خلالها الرئيس السوداني عمر حسن البشير حيث سلمته رسالة من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون - في صورة أخرى ومشهد آخر غير المشهد المليء بالإحباط الذي ظهرت فيه في مجلس الأمن قبل أيام، وتحدثت إلى الصحفيين بصلف وعنجهية واستكبار قائلة: «لقد شددت بأقوى ما يمكن من عبارات في اجتماعي مع الرئيس البشير بأن سلوك بلاده لا يتفق والمعايير والأعراف الدولية، وأخبرته أن أمام السودان خيارًا إما تغيير سلوكه وجني فوائد العضوية الكاملة في المجتمع الدولي، أو الاستمرار في نهجه الحالي نحو ازدياد عزلته الدولية».

وأضافت أولبرايت مانحة نفسها تفويضا من المجتمع الدولي المقهور والمغلوب على أمره للتحدث باسمه قائلة: «لقد نقلت رسالة من حكومة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى البشير تعبر عن القلق المتزايد إزاء سياسات السودان، وقالت أولبرايت: «لقد أعربت بشدة عن قلقنا العميق إزاء الأدلة الدامغة على أن عناصر في الحكومة السودانية تواصل مساعدة جماعات الإرهاب الدولي وأضافت أنها عبرت عن اشمئزاز المجتمع الدولي من عمليات الاحتجاز الكيفي والتعذيب والقمع ضد المعارضة السياسية في السودان».

هذه التصريحات العنترية التي ألقتها أولبرايت في أديس أبابا بعد ساعات من لقائها بالرئيس البشير يبدو أنها صدمت الحكومة السودانية التي كانت قد عبرت على لسان وزير الخارجية الدكتور حسين سليمان أبو صالح في أعقاب لقاء أولبرايت بالبشير في الخرطوم بأن الحوار: «كان جادًا وبناء»، وأعلن عن ارتياحه لبداية حوار مباشر بين بلاده والولايات المتحدة إلا أنه سرعان ما انقلب على أولبرايت بعد تصريحاتها في أديس أبابا حيث قال أبو صالح في تصريحات أدلى بها في الخرطوم في الثالث من أبريل الجاري: «إن تعليقات أولبرايت ليست صحيحة، ولن تساعد في الحوار بين السودان والولايات المتحدة، وأعرب أبو صالح عن دهشته لاتهامات أولبرايت في شأن منع الحكومة وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين من الحرب في الجنوب» ووصف أبو صالح تصريحات أولبرايت بأنها: «غير جادة وجاءت عقب مباحثات ركز فيها الطرفان على الحوار الصريح والجوهري».

أما الدكتور علي الحاج الناطق باسم وفد الحكومة لمفاوضات السلام فاعتبر أن ما قالته أولبرايت «لا يخرج عن دائرة الاتهامات الجائرة التي لا تدعمها أدلة» وقال الحاج: «لقد درجت الإدارة الأمريكية على تأكيد حصولها على أدلة على قيام السودان بانتهاك حقوق الإنسان ودعمه للإرهاب لكنها لم تبرزها حتى الآن ونحن نطالبها علنا أن توضح أدلتها إذا كانت تملك أي أدلة» وأضاف منتقدًا تصريحاتها في أديس أبابا بعد لقائها بالبشير قائلًا: «لقد أعلنت في أديس أبابا أنها تتكلم نيابة عن المجتمع الدولي، ولا ندري أي مجتمع دولي تمثله أولبرايت».

الفجوة الشاسعة بين مشهد أولبرايت الأول في مجلس الأمن وهي تبدو محبطة وتعلن أنها مجرد موظفة تتلقى الأوامر من واشنطن، وبين مشهدها في أديس أبابا وهي تتحدث بعنجهية وصلف وقد نصبت نفسها متحدثة رسمية باسم المجتمع الدولي تكاد تكون شبيهة بالفجوة بين تصريحاتها عن السودان وردود المسؤولين السودانيين عليها.

ولا ندري لماذا لم يأخذ أولبرايت نفس الحماس الذي أخذها عن السودان وهي تتحدث عن جريمة الصهاينة في الحرم الإبراهيمي وجرائمهم اليومية التي تبثها وسائل الإعلام العالمية ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، ولماذا تدين الولايات المتحدة السودان بانتهاك حقوق الإنسان وتقوم بالتعمية والتغطية على أقطار أخرى موالية لها تمتلئ سجونها بعشرات الآلاف من أبنائها ويعلق آخرون على أعواد المشانق كل يوم وتنخر سجلات حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم بهذه الجرائم دون أن نسمع عنجهية أولبرايت أو نشعر بصلفها الذي ظهرت به في أديس أبابا، ولا ندري ما هي حدود الديمقراطية ومعالم حدود الإنسان التي تتحدث عنها أمريكا وتريدها وبعض الأنظمة التي تدور في فلكها تعلن أرقامًا فلكية عن نتائج انتخابات وهمية دون أن نجد أولبرايت تخرج إلينا باسم المجتمع الدولي، كما خرجت لتعلن عن استنكارها واستنكار المجتمع الدولي -التي نصبت نفسها ناطقة رسمية باسمه- لهذا الاستخفاف المريع بعقول الشعوب بإعلان هذه النتائج الهزلية، علاوة على المعاملات غير الإنسانية والاضطهاد والقهر الذي يتعرض له الإنسان في هذه الأقطار.

إن التناقض في مواقف أولبرايت والتباين بين تصريحاتها وتصريحات المسؤولين السودانيين يؤكد أن زيارتها للسودان لم تكن سوى جزء من سيناريو يرتب من قديم كلما سنحت الفرصة لتحقيقه حالت الأقدار دون الشروع فيه لكن نغمة ترديده بدأت ترتفع من جديد ويبدو أن الولايات المتحدة شعرت أن بريطانيا ومعها أوروبا جادة في السعي لتحقيقه، فسارعت هي لكي تكون المبادرة بيدها فكان سيناريو زيارة أولبرايت على الشكل الذي حدث به والصورة التي اكتمل عليها. فهل تصريحات أولبرايت هي بداية إرهاصات جديدة لإخراج جديد لسيناريو تقسيم السودان؟

 

الرابط المختصر :