العنوان أولادُنا.. والأدَبَ الحَسَن وجاء المولود
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013
مشاهدات 86
نشر في العدد 2052
نشر في الصفحة 54
السبت 11-مايو-2013
يولد المولود وتولد معه بقية حقوقه لقد أصبحت نفسه أشد حرمة وأخذ مكانا من سكني هذه الحياة الدنيا
عقب الولادة يجدر بنا أن نلقنه كلمة التوحيد سماعا في أذنيه لنذكره بفطرة الله التي فطره عليها
تحنيك المولود من الإعجاز النبوي حيث تبين حديثا أن الطفل يحتاج إلى سكر الجلوكوز وقد يتعرض بسبب نقصه لآفات كبيرة.
ها هو أخيرا بعد طول عناء قد أطل بوجهه البريء، وصاح بصوته المحبب واستهل صارخا وتعالى صراخه يحمل بين نبراته المتقطعة حروف الحياة ويكتب بمداد الحياة قصة هذه المعجزة الباهرة حين انفصل جسدا وروحا عن والدته، لقد كادت روحها تنفلت منها لولا رحمة الله، وتالله إنها لنعمة لو ظلت الأم تشكر الله عليها ليل نهار ما وفت.. إنها نعمة الخلاص لكليهما.. الأم والطفل... يا لها من آية لو تبصرناها بصدق ويقين ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات:٢١).
ويأتي المولود المنتظر، والفرع الجديد في العائلة، فيجري الأب فرحا مسرورا بسلامته وسلامة الوالدة، وقد جهز له حاجاته ويسجد لله شكرا، وكله شوق وحنين وحب وشفقة لهذا الصغير الذي لم تتفتح عيناه عليه بعد، ولم يعرفه أو يحادثه، ويلقي الله تعالى في قلب أمه وأبيه أملا طويلا في ذلك الوقت فيمني كل منهما نفسه أن يعيش سنين عددا حتى يرى ولده وقد كبر وصار زوجا ثم أبا، وتتوالى الأمنيات وترد الخواطر سريعة متلاحقة وكأنهما لم يخلقا إلا من أجل هذا الصغير.
كل ذلك والمولود في هذا الوقت لا يعي شيئا ولا يدرك ولا يتكلم ولا يميز، إنه طفل رضيع صغير ضعيف يقلبونه بين أيديهم لا حول له ولا قوة، فسبحان من سخر له القلوب وقذف فيها حبه، ومنحها عمرا وأملا حتى تقوم معه بواجب الرعاية والتربية والأدب الحسن.
فماذا ينتظر من هذين الوالدين بعد ذلك أرأيتم هذه الأم بعد كل هذا طارحة ولدها في النارة أم رأيتم ذلك الأب تاركا ولده لغيره يربيه عنه، أو يتلاعب به ويؤذيه أو ينتزعه من بين أحضانه؟!
الميلاد.. وميلاد الحقوق
ويولد المولود وتولد معه بقية الحقوق المتعلقة به التي تزيد على كونه جنينا في بطن أمه، لقد صار الآن له حقوق أكثر وأصبحت نفسه أشد حرمة، وأخذ مكانا وموضعا من سكنى هذه الحياة الدنيا، وصار فردا من أفرادها، وتبعا لذلك فإن له حق الاستقبال الحسن بما يليق به كنفس بشرية مكرمة، ذكرا كان أم أنثى، وليس للوالدين أحدهما أو كلاهما أن يكره الأنثى، فإن هذا كان من أخلاق الجاهلية، وقد نهى الله تعالى عنه ودمه، قال تعالى: ﴿و وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل)، قال قتادة وهذا صنيع مشركي العرب أخبرهم الله تعالى ذكره بحيث صنيعهم، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير. لرب جارية خير لأهلها من غلام تفسير الطبري).
ثم ألا يستبشر الوالدان بولادة الأنثى بعد أن قال النبي ﷺ فيها : من كانت له بنت فاديها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار (أخرجه أبو نعيم)؟
فالولد والأنثى كلاهما هدية من الله تعالى، وليس من الإيمان أو من الذوق أو الأدب أن ترفض اختيار الله لنا، أو أن نقبل الهدية كارهين ودون شكر منا.
المولود.. وكلمة التوحيد
ومع ميلاد المولود إلى الدنيا بصحبها وضجيجها وضوضائها، فإنه يجدر بنا أن تنبه سمعه إلى حكمة الخلق والغاية منه. وأن نلقنه كلمة التوحيد سماعا في أذنيه لتذكره بقطرة الله التي فطره عليها، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد، فأذن في في أذنه أذنه اليمنى وأقام : اليسرى (أخرجه البيهقي، شعب الإيمان).
المولود.. والتحنيك
ويأتي التوجيه النبوي المعجز الدال على كمال النبوة وصدقها، نراه في تحنيك المولود، فعن أبي موسى الأشعري قال: ولد لي غلام فأتيت به النبي، فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة (رواه مسلم)، وفي صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها أنها ولدت عبدالله بن الزبير فأنت به النبي ﷺ فوضعته في حجره فحنكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه..
ثم بمجيء العلم الحديث باكتشافاته تبين شيء جديد من الإعجاز العلمي الذي تحمله هذه السنة النبوية، إذ تبين أن الطفل يحتاج إلى سكر الجلوكوز، وقد يتعرض بسبب نقصه الآفات كبيرة، وأن التمر خيرمصدر لهذا (موقع الإسلام سؤال وجواب).
المولود.. والاسم الحسن والاسم الحسن حق ثابت لكل مولود: لأنه سيلتصق به ولا يفارقه في الدنيا، وسينادي به في الآخرة، والاسم الحسن يذكر حامله بما فيه من معاني وصفات جميلة، وقد يؤثر فيه، وكان النبي يعجبه الاسم الحسن ويدعو إليه، فيقول: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة (صححه ابن تيمية مجموع الفتاوى)، وكان يغير بعض الأسماء كما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ غير اسم عاصية وقال: «أنت جميلة (رواه مسلم)...
واسم الطفل هوية له وتميز، كما أنه تذكرة للاقتداء، وهو من أهم الحقوق الخاصة به لكننا للأسف ابتلينا في هذه الأيام بالموضة التي طالتنا في أسماء أولادنا، خاصة الإناث فنسمي بناتنا بأسماء غريبة عنا، وإذا ما حاولنا فهمها قبل معناها باليونانية كذا وبالفارسية كذا وباللاتينية كذا وبـ.... كذا وكذا! فأين نحن من لغتنا العربية الجميلة وأين مكان أسماء أمهاتنا رضي الله عنهن وأسماء الصحابيات وأين نحن من الأسماء الأخرى ذوات المعاني والصفات الطيبة. وفي ظني أن الاسم له أثر على المسمى به، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن جَدُّه حَزْناً قدم على النبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال: بل أنت سهل.. قال: ما أنا بمغير اسماً سمانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد. (رواه البخاري)، وأظن أيضاً أن الاسم الحسن خطوة أولى من خطوات التربية للطفل، ندعوه من خلاله إلى التخلق بمعناه ومضمونه، ولا شك أن الوالدين سيسألان عن تسمية الولد يوم القيامة.
المولود.. والعقيقة عنه
والمولود نعمة من الله تعالى لا يعرف قدرها إلا من حرمها، وفي هذه الأيام بعد أن تقدم العلم صار التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب وسيلة للإنجاب عند الحاجة إليه مع العجز، وقد ينجح من أول مرة وقد يتأخر ويحتاج لتكرار التجربة، لكنه مكلف جدا. ولذلك لا يستطيع أي زوجين القيام به، ومن جرب عرف قيمة وحجم النعمة العظيمة في هبة الله البنين والبنات فلا أقل من شكر المنعم وإظهار الفرحة وإطعام الطعام مع ورودها.
وقد حث النبي ﷺ على العقيقة وقال: مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى، (صححه الألباني، صحيح الترمذي)، وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شانان مكافئتان وعن الجارية شاة (رواه الترمذي)، وهذا والله أعلم من بركة البنت أنها أقل مؤونة.
وفي العقيقة شكر لله تعالى وإظهار للفرحة وتحدث بنعمة الله عز وجل وعمل بالسنة، وكل ذلك يرجى معه صلاح الولد، وقد قال النبي: الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع، ويسمى، ويحلق رأسه (رواه الترمذي)، قبل معناه: أن العقيقة سبب لتخليص الولد من الشيطان وحمايته منه (موقع الإسلام سؤال وجواب).
المولود.. والصدقة
ومن يمن هذا المولود أن جعله الله سبباً في إطعام المساكين، وقد قال النبي ﷺ الفاطمة لما ولدت الحسين احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين (حسنه الألباني إرواء الغليل).
وبميلاده تحل البهجة والخير على الجميع، ويمتلئ بيت الوالدين نشاطا وحركة وضوضاء محببة، ويزداد تعداد من يعمرون أرض الله فردا جديدا هو الآن فرع من فروع شجرة العائلة، لكنه غدا بفضل الله سيصير شجرة كبيرة مثمرة لها جذور وفروع وأوراق وثمار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل