; أولاد حارتنا | مجلة المجتمع

العنوان أولاد حارتنا

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012

مشاهدات 88

نشر في العدد 2004

نشر في الصفحة 48

السبت 26-مايو-2012

ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (۹)

أولاد حارتنا

  • الحارة في مفهوم الآخرين تعني الشارع الضيق. ولكنها في هذا المقام تعني تجمعا من الأطفال ذوي اتجاهات معينة تبعا للحي الذي يعيشون فيه 

يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزا من الزمن. وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سبعون عاما، وربما أكثر من ذلك. وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف. مضى سبعون عامًا على صورة الحارة كما ترسبت في ذاكرتي، فالحارة في مفهوم الآخرين تعني الشارع الضيق ولكنها في هذا المقام تعني تجمعا من الأطفال ذوي اتجاهات معينة تبعا للحي الذي يعيشون فيه، وأشهر الحارات حارة «الدقوقي» وحارة «قميحة»، وحارة «منيسي»، وحارة «الباز»، وكانت حارة «قميحة» وحارة «منيسي» بتقاربهما كأنهما حارة واحدة، أما حارة «الباز» فهي تبعد قليلًا.

دكاكين الحدادة

وحارة «الدقوقي» «والدقوقي شيخ يقال: إنه ولي من أولياء الله تعالى وله مسجد كبير» هي أبعد الحارات عنا، فبيننا وبينها مجموعة من دكاكين الحدادة، وأبناؤها يتميزون بالشدة والعنف، ولكن الغريب الذي كان يرعبنا من أبناء هذه الحارة أمران الأول: أن أغلب أطفالها كانوا يساعدون آباءهم في أعمال الحدادة التي تعتمد على الكير وما ينفثه من نار حامية، يتحكم فيه طرق الحديد وتشكيله، فهناك من يشعل الكير بقوة، وهناك من يضع الحديد على السندان بعد تسخينه بالكير، وهناك من يدق بقوة لتشكيله ... والثاني: أن آباءنا يروون عن هذه الحارة أنه بعد إغلاق محلات الحدادة ليلا يسمع في الداخل أصوات العفاريت يقلدون البشر في صنعتهم، فكانوا يتغنون - كما أخبرنا آباؤنا- بصوتهم المزعج: «شد یا عطا. دق يا شطا»، وكنا نصدق ما يقال لنا، لذلك كان آباؤنا ينهوننا عن السير في شارع الحدادين مساء، ولم يكن هناك إنارة للشوارع فإذا ما نظرت إلى شارع الحدادين لا ترى إلا ظلاما في ظلام.

ألعاب الحارة

والحارة. كل حارة. كانت تزاول من الألعاب ما يأتي:

  1.  الكرة الشراب «كرة القدم».
  2.  لعبة «الله لها» وتكون من فريقين وهي تشبه لعبة «الهوكي».
  3. وهناك لعبة تسمى «الميس» وتكون بوضع حجر كبير بعض الشيء «في حجم طوب البناء»، ويمسك لاعب الفريق الأول بالكرة الشراب ويقف على مسافة متفق عليها ويضرب الحجر بالكرة الشراب، ويتوالى في ذلك بقية الفريق، والفائز هو من يصيب الحجر. 
  4.  لعبة «النحلة»: والنحلة «الدبور» جسم مخروطي في حجم قبضة الرجل وقد خرط درجات، وفي آخر النحلة سن من المعدن، ويدير اللاعبون الذين لا يتجاوزون الخمسة نحلهم بخيط قوي فتنزل وتلف، والنحلة التي تتوقف قبل غيرها يكون صاحبها مغلوبا، والكاسب هو من تبقى نحلته إلى آخر الشوط.
  5. عمل تمثال من الخيش المحشو بالقش ليلة «شم النسيم» ويطلقون عليه «الألنبي»، وهي تحريف لاسم اللورد اللمبي الذي اشتهر بعداوته للعرب والإسلام، وكل حارة تزف «الألنبي» الخاص بها بكلمات أذكر منها:

يا النبي يا ابن النبوحة. أمك.

يا تربة يا أم بابين

وديتي الألنبي فين؟

ثم نقوم بحرقه وضربه بالقحوف «والقحف هو من الجريد المعقوف ويشبه عصا الهوكي».

اللنبي

وأشد أنواع الإهانة ألا تستقل كل حارة بحرق «الألنبي» الخاص بها وإطفائه بالقحوف، ولكن أطفال حارة الدقوقي» يخطفون «الألنبي» الخاص ببعض الحارات الأخرى، لأنهم يوظفون قوتهم التي اكتسبوها من طبيعة عملهم في الحدادة. ومن تمام الفائدة أن نعرف من هو «اللنبي»، وأقدم للقارئ في السطور الآتية ما سجلته بعد ذلك بأكثر من نصف قرن: «دخل الجنرال «اللنبي» القدس يوم 9 ديسمبر عام ۱۹۱۷م، وقال قولته المشهورة «الآن انتهت الحروب الصليبية»، وحين دخل الجنرال «جورو» دمشق يوم ٢١ يونيو ١٩٢٠م توجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي ووقف أمامه قائلا: «ها قد عدنا يا صلاح الدين».

وما قاله «اللنبي» أو «جورو» ما هو إلا تعبير عن الموقف السياسي والثقافي الأوروبي في ذلك الوقت، فنشرت الصحف البريطانية صور اللنبي وكتبت تحتها العبارة التي قالها. وهنا لويد جورج وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت الجنرال «اللنبي» في البرلمان البريطاني لإحرازه النصر في آخر حملة صليبية من الحروب الصليبية التي سماها لويد جورج «الحملة الصليبية الثامنة».

في التاسع من ديسمبر سنة ١٩١٧م دخلت الجيوش الإنجليزية مدينة بيت المقدس بعد انسحاب الأتراك منها، ولم يستطع الجنرال «اللنبي» الذي كان على رأس الجيش الإنجليزي أن يخفي مشاعره فقال قولته الشهيرة التي تنم عن التعصب والغرور والجهل: اليوم انتهت الحروب الصليبية. ومن هنا يظهر سر الكراهية المتوارثة لـ «اللنبي».

حارة «الباز»

ومن أشهر أطفال حارة «الباز» وأذكاهم محمد مختار الباز الطير»، الذي كان يساعدنا في كتابة دعاية لحارة «قميحة بالخط الكبير على الحيطان ومنها عبارة ما زلت أتذكرها وهي من ابداعاته: «حارة قميحة الشبيحة وهي مستعدة لأي حارة تلاعبها».

ونزلت ببعض هذه الحارات نكبات ففي انتخابات مجلس النواب سنة ١٩٤٢ أو ١٩٤٤م تبادل الأهالي إطلاق البنادق مع رجال الشرطة، وكان نصيب الطفل «محمد حسن حسان» طلقة في فخذه، فصلت قطعة من اللحم؛ مما تسبب عنه عرجه إلى أن لقي الله تعالى، وقد حزنا في طفولتنا على ما أصاب صديقنا الحبيب.

أما المأساة الثانية، فهو ما حدث لزميلنا في المدرسة الابتدائية «رشدي شاهين» الذي عاش طيلة حياته مبتسما ضحوكا، ومن ألاعيبه أنه كان يمر صباحًا قبل الذهاب إلى المدرسة بمربط الحمير، وهو مكان متسع يركن فيه الحمير الخاصة بأهل الريف الذين يتجولون في سوق المنزلة، ويتجولون في السوق وأزقته التي اكتظت بالبضائع والفاكهة والمأكولات، يقترب «رشدي» من هذه الحمير، ويصيح بأعلى صوته : زررر .»، فتنطلق الحمير كلها بالنهيق في نفس واحد، وهذه من طبيعة الحمار كما عرفنا، ليس هذا فقط بل كان يداعب أي حيوان يلقاه في ذهابه إلى المدرسة، وذات صباح رأى كلبا من كلاب الشوارع فأراد أن يداعبه مداعبة ثقيلة، فهجم عليه الكلب وعضه في صدره، فحملوه إلى المستشفى وعولج علاجا مؤقتا، ولكن الطبيب أشار على شقيقه الأكبر كمال» أن يذهب به إلى مستشفى الكلب لأنه معرض لمرض الكلب بفتح الكاف واللام)، ولكن كمال لم يأخذ بنصيحة الطبيب اعتقادا أن شقيقه الأصغر سيشفى بعد أيام، ولكن بعد أسبوع واحد أصبح «رشدي» ينبح مقلدا صوت الكلب، وإذا شرب الماء سحبه بلسانه، إنه مرض الكلب الذي استبد به إلى أن سقط ميتا، يرحمه الله.

الحواري المتلاصقة

وفي الحواري المتلاصقة- وخصوصًا حارة «منيسي»- كان هناك من يكبروننا سنا، أذكر منهم «كمال حامد منيسي»، وقد كان فارعا طويل القامة، وربما كان أطول من رأيت، وكان ضحوكا طيبا، ومنهم «فريد منيسي»، ومنهم «شوقي علي منيسي» وربما كان أصغر آل منيسي» سنا، ومنهم ياقوت عبد الحميد منيسي»، وكان ربعة أو «مدكوكا» كما كنا نقول، وكان صموتا قليل الكلام، وما رأيته مرة مبتسما، وقد اشتهر بأنه هو الوحيد في كل حاراتنا الذي استطاع أن يهزم «النمس» هزيمة نكراء، وينزل به من الضرب ما أدمى وجهه وأورمه، و«النمس» كان من أشهر أشقياء المنزلة وأقواهم على الإطلاق.

وفي هذا السياق لا أنسى أن أشير إلى «السيد العسكري»، وهو في مثل سننا ولكننا كنا نهابه، وكثيرا ما كان يصفنا بأننا شوية عيال»، ولا يستطيع واحد منا أن يرفض إهانته، ومصدر قوته أبوه الذي كان واحدا من عسكر السواري بمركز المنزلة، وكان يهز حارتي «الباز» و«قميحة» إذا ما حضر وهو يمتطي حصانه في زهو وغرور .

لقد كانت أيامًا يذهب بي الخيال وأستعيدها لاستشعار الراحة النفسية وأردد قول الشاعر: رب يوم بكيت فيه فلما … صرت في غيره بكيت عليه

الرابط المختصر :