العنوان أولادنا.. والأدب الحسن (۹) أدب الفتاة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013
مشاهدات 79
نشر في العدد 2056
نشر في الصفحة 48
السبت 08-يونيو-2013
الإسلام اهتم بـ الأنثى منذ لحظات الحمل الأولى بها وجعلها مفتاحًا من مفاتيح الجنة
التربية شراكة بين الأب والأم.. والذرية الصالحة تكون بفضل الله نتاج هذه التربية الصالحة والأم عليها العبء الأكبر
علو الهمة من الوالدين في تربية الفتاة واجب عليهما حيث تربى على أن يكون لها غاية سامية وهدف نبيل تسعى لتحقيقه
على الأم إدراك ما تمر به ابنتها من تغيرات سريعة في مراحل عمرها المختلفة والتي يسبق نموها فيها نمو الولد
إذا بلغت الفتاة سن الزواج صار واجبا على أمها أن تؤهلها للحياة المقبلة عليها
احتضنتها وهي مسرورة، وضمتها إلى صدرها بحنان وأمطرتها وابلا من القبلات، وهي تدعو الله تعالى أن يمد في عمرها حتى تراها عروسا في بيت الزوجية هانئة سعيدة، وراضية مرضية.
وشعرت بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقها تجاه هذه الحبيبة الغالية التي بين أحضانها الآن، وقد هل عليها هلال البلوغ، وأضاءت حولها شمس المراهقة يتعانقان معا ليرسما عليها صورة ممتزجة من رشد البلوغ وصبيانية المراهقة فرفعت كفيها إلى الله ترجوه الهداية، وتطلب منه العون، وتلح عليه أن يثبت الجميع على طاعته وحبه.
التكريم الإلهي
لقد اهتم الإسلام بالأنثى منذ أولى لحظات الحمل بها، وجعلها مفتاحا من مفاتيح الجنة، فقال النبي ﷺ: «مَنْ وُلِدَتْ له ابنة فلم يئدها ولم يُهنَّها ولم يُؤثر ولده عليها يعني الذَّكَرَ أدخله الله بها الجنةَ» (رواه أحمد)، وقال ﷺ: «من عال جاريتين؛ دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين.. وأشار بإصبعيه السبابة والتي تليها» (صححه الألباني، صحيح الترغيب) وقال ﷺ: «من كان له أختان أو ابنتان، فأحسن إليهما ما صحبتاه، كنتُ أَنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين أصبعيه» (صححه الألباني، السلسلة الصحيحة).
أي بركة وأي يُمن وأي كرامة تسببت فيها الأنثى لوالديها، لقد كرمها الله في الإسلام كرامة تتيه بها على سائر النساء، كرمها في سائر مراحل حياتها بنتا وطفلة وفتاة وشابة، عروسا وزوجة وأما ، وأختا وخالة وعمّة وجدة، في حياتها وبعد مماتها، إذ جعل لها البر والإحسان في كل الأحوال، ولم تنل الأنثى ما نالت إلا في ظل شريعة الإسلام، وقد امتد هذا التكريم داعيا أولياءها والقائمين على تربيتها إلى الاهتمام بتلك البنت المباركة وحسن تنشئتها على العقيدة السليمة والإيمان الصادق ومكارم الأخلاق، ورعايتها وتعليمها، ويدعو النبي ﷺ إلى ذلك فيقول: «من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له ستراً أو حجابا من النار (خرجه أبو نعيم).
وقال النبي ﷺ أيضًا: «خيرُكم خيركم وأنا خيركم لأهلي، ما أكرمَ النِّسَاءَ إِلَّا كريم ولا أهانَهُنَّ إلا لئيم (صححه السيوطي. الجامع الصغير)، وما ذاك إلا تأكيدا لأهميتها كعضو فعال في المجتمع، وبيانا لدورها العظيم في بناء لبنات هذه الأمة؛ إذ هي مصنع إنتاج الرجال من الذكور والإناث، وتخريجهم على التقى والصلاح، والعمل والإنتاج، فإذا كان هذا المصنع مهملا أو مغيّبا عن واقع الناس أو غير صالح للعمل أو لا يعرف دوره؛ فقد قيمته وصلاحيته فخسر وخسر معه المجتمع كله.
دور الوالدين
والوالدان كل منهما مسؤول عن تربية ابنته، والتربية شراكة بين الأب والأم، والذرية الصالحة تكون بفضل الله نتاج هذه التربية الصالحة، والأم يقع على عاتقها العبء الأكبر ولها النصيب الأوفى منها لملازمة الطفل لها أكثر، ومن هنا كانت أهمية قربها من أولادها، ولا سيما الأنثى، خاصة إذا ما قاربت سن البلوغ، ووقفت على باب المراهقة، ولا يعني ذلك إلغاء دور الأب، فهو مهم ومؤثر، لكن الفتاة عادة ما تحاكي أمها وتتأثر بها في ملبسها ومشيتها وأقوالها وأفعالها وأفكارها وأخلاقها، وهي لن تتخذ من أبيها قدوة ومثلا في ملابسه أو زينته، وإن كانت -لا ريب- تتعلم من أخلاقه وتشرب من أفعاله، أما الأم فالبنت تتأثر بها كثيرا حتى أنها قد تصير نسخة طبق الأصل لها في طريقة حديثها ومشيتها واهتمامها بنفسها! ومن هنا كان دور الأم عظيما تجاه تنشئة الأنثى منذ الصغر على الإيمان بالله ومراقبته وحبه وطاعته، وتربيتها على العفة والستر والحياء وحسن الخلق، وألا تهمل ذلك بحجة أنها صغيرة، فتُترك حتى تكبر ويصعب التغيير، ولا سيما وهي فتاة تعيش سنوات المراهقة التي تتطلب الأم الصديقة المتفهمة الواعية.
إن الأم التي تفقد فقه هذه المرحلة المهمة في حياة ابنتها لن تستطيع مساعدة الابنة على تخطيها بنجاح، حيث تتأهل فيها للخروج من دائرة الطفولة إلى فتوة الشباب ومن محيط الأسرة المحدود إلى المجتمع الواسع بكل أطيافه وأفكاره واتجاهاته، ومن بيت الوالدين إلى بيت الزوجية، ولكل رحلة من هذه المراحل في حياة الفتاة احتياجات وحقائب معرفية يجب حملها واصطحابها في مشوار حياتها وإلا لن يكتمل لها سلوك أي طريق منها.
الأم.. وأدب الفتاة
إن على الأم أن تدرك ما تمر به ابنتها من تغيرات سريعة في مراحل عمرها المختلفة، والتي يسبق نموها فيها نمو الولد، حيث تبلغ الحلم عادة قبله، فيتغير جسدها وتكبر أسرع إذا ما قورنت بأخيها وتصبح فتاة بالغة وهي لم تزل بعد في سن العاشرة أو أكبر بقليل، وهذا يتطلب من الأم حسن التربية والتوجيه المناسب في كل مرحلة تقطعها البنت، وتتنوع احتياجات الفتاة بتنوع مراحل عمرها، فما تحتاجه فتاة العاشرة غير ما تحتاجه بنت الخامسة وحاجة بنت الخامسة عشرة غير حاجة بنت العاشرة وحاجة الفتاة المقبلة على الزواج تختلف عن غيرها، وهكذا.
ومن هنا وجب على الأم أن تتقرب من ابنتها وتتخذ منها صديقة حميمة وأختا صغيرة، وتبني بينهما جسورًا من الثقة، تفتح لها قلبها وتأتمنها على سرها وتعودها على ذلك، وأن تتبسط معها في الحديث، وتمدح جمالها، وتثني على خلقها، وتشجع فيها عمل الخير وحب المعروف وحسن التخلق، تصلي معها وتقرأ القرآن وتتجاذب أطراف الحديث من هنا وهناك دون سآمة أو ضيق أو ملل، فتشعرها أنها أكثر من ابنة.
كما أن عليها أن تعلمها الصلاة، وتشجعها على حفظ القرآن الكريم، وتعلمها ما تحتاجه لدينها من معرفة الأحكام الخاصة بالنساء كأحكام الحيض والبلوغ والغسل والوضوء والتيمم، وأحكام لباس المرأة وعورتها، وتعودها بالتدريج على الحجاب قبل أن تبلغ بوقت يكفي للتعود عليه، مع بيان حكمه وفضله وثواب الالتزام به وتربيها على الإخلاص وحسن الاتباع وتحببها في عمل الخير كل ذلك بأسلوب مناسب، على ألا تغفل دور الصحبة الصالحة والتشجيع عليها؛ وذلك لأثرها وأهميتها في حياة الفتاة.
آداب مهمة
فإذا ما بلغت الفتاة سن الزواج صار واجبا على أمها أن تؤهلها للحياة المقبلة عليها، والتي تعيشها البنت عادة؛ كالخطوبة والزواج، وكيفية التعامل مع أسرتها الجديدة التي ستنضم إليها بزواجها، وكيف تكون بارة لهم متعاونة معهم تحترم كبيرهم وترحم صغيرهم وتعرف للوالدين قدرهم ومكانتهم.
كما يجب أن تعلم الفتاة أحكام الطلاق بصفة عامة وخطورة التلفظ بطلبه من غير سبب، فهناك من الزوجات الحديثات عهد بالزواج من تردد كلمة طلقني طلقني كلما غضبت من زوجها.. وكذلك بيان خطر النشوز والترفع على الزوج، وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام شرعية، ومعرفة ما لها من حقوق وما عليها من واجبات، وتقدم الأم في ذلك كله لابنتها القدوة العملية في حسن التبعل وتربية الأولاد، وما يكون في الحمل والولادة والرضاعة والأمومة والتربية، ويمكن بيان ذلك في خطوط عريضة تتسع شيئًا فشيئًا حسب الحال والمقام والزمان وكل أم تعرف ذلك وتحرص عليه غالبًا، حتى لا تفاجأ البنت بعد زواجها بما لم يكن في حسبانها.
إن علو الهمة من الوالدين في تربية الفتاة واجب عليهما، حيث تربى على أن يكون لها غاية سامية وهدف نبيل تسعى لتحقيقه في حياتها، مع جدها في طلب العلم واجتهادها في سلوك دربه، من غير أن تنسلخ من هويتها وتميزها كمسلمة فلها أن تتعلم من العلوم واللغات ما ترغب شريطة ألا تهمل اللغة العربية والتفقه فيما تحتاجه من أمور دينها.
ويخطئ الوالدان حين تنعدم الثقة بينهما وبين ابنتهما أو تهتز مهددة بالانفصام عنهما والتمرد عليهما، فالاحترام المتبادل مطلوب مع احتفاظ الوالدين بحقهما في البر والطاعة في المعروف وحسن التوجيه ولا يعني ذلك أبدا إغفال رأي الفتاة أو عدم التشاور معها خاصة إن كانت الشورى في أمر يتعلق بأسرتها أو فيما يخصها كتقدم شاب لخطبتها أو التحاقها بالجامعة ولا يحق لوالديها إجبارها على العمل وأخذ مالها إلا برضاها ولا يجوز لهما عضلها عن الزواج ورفض الزوج الصالح المتقدم لها اتباعاً للتقاليد، بل على الجميع أن يشارك في إنبات هذه النبتة الطيبة نباتا حسنا مع الدعاء لها بالصلاح، وأن تُؤهل لتكون بنتا بارة وزوجة صالحة وأما مربية وعضوا فاعلا تعرف دورها الحقيقي تجاه أسرتها وأولادها ومجتمعها.
[1] إجازة في الشريعة