; أوكرانيا بين مخلفات الشيوعية وأوباء الرأسمالية | مجلة المجتمع

العنوان أوكرانيا بين مخلفات الشيوعية وأوباء الرأسمالية

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 60

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

صدق مرافقي إذ وصف مدينة كييف، عاصمة جمهورية أوكرانيا، بأنها نقطة في غابة، ولكن على الرغم من جمال الطبيعة في غابتها المحيطة ذات الأشجار الكثيفة والمياه العذبة والغزيرة، فإنني شعرت رغم قصر مدة الزيارة إليها بأنها إنسانيًا أشبه ما تكون بالبقعة الجرداء، المقفرة الجدباء، بعد أن أفسد فيها النظام الشيوعي السابق طبائع البشر فحرفها عن فطرتها وحول الناس فيها رغمًا عنهم إلى معاول ومناجل ومطارق خالية من الروح عارية عن الكفاءة.

والناس في كييف جلهم في هلع بعد أن انهارت الجدران وانحلت القيود وتخلت الدولة عمن تتكفل بمعايشهم وأرزاقهم مقابل خدمتهم الصامتة المطلقة للنظام، والتنافس اليوم بين الناس ليس في إرضاء الحزب أملًا في تحسين الحال أو ترقية المقام، بل هو في جني أكبر قدر من المال في أقصر فترة من الزمن، ولئن كان البعض قد وفق إلى الإثراء من التجارة والانفتاح على الغرب، فإن الغالبية العظمى من الناس لا تملك لذلك سبيلًا، وما من مفر سوى واحد من خيارين، أما الأول فهو الانضمام إلى فرق المعدومين والمحرومين الذين تيتموا على حين غرة بعد وفاة الأب الشيوعي، وأما الثاني فهو السعي لزيادة الدخل بسائر الوسائل المتاحة والانضمام بذلك إلى بؤر الفساد المستشري في جسد المجتمع والمتنامي عبره طولًا وعرضًا يومًا بعد يوم.

التحايل لكسب المال

على امتداد ما يقل عن بضع كيلومتراتٍ من شارع رئيسي في وسط العاصمة، ترى كل حين على طرفي الطريق دورية توقف سيارة أو شاحنة وتحرر لسائقها مخالفة مرورية ما. صحيح أن قيادة السيارات في كييف ليست الأفضل إلا أنها ليست على هذه الدرجة من السوء، فلمَ إذن كل هذه المخالفات؟ يقول مرافقي: تلك هي وسيلة رجال الشرطة لزيادة مدخولاتهم التعيسة، فمعدلات التضخم فلكية إذا ما قورنت بغيرها من دول العالم، ولا تزال رواتب الموظفين متواضعة جدًا لا تكاد تكفي لاقتناء شيء من الكماليات التي سال لها لعاب المحرَّرين من القيد الاشتراكي، وإذا ما أوقفك شرطي مرور فأنت أمام خيارين إما أن تدفع ثمن المخالفة كاملة، وهي عالية جدًا بمقاييسهم، أو أن تدفع جزءًا يسيرًا منها لقاء عفو الشرطي عنك. وهكذا، لا مفر للسائق من أن يوقف مرات عديدة كل أسبوع ليدفع ضريبة من نوع جديد.

ومقابل ذلك لابد أن يسعى أصحاب السيارات مهما كانت وظائفهم، لتعويض الخسارة التي يتكبدونها لقاء امتلاكهم وقيادتهم للسيارات، وكذلك لرفع مستويات دخولهم المتدنية إن كانوا من موظفي القطاع العام. ولذلك فكل مالك لسيارة تجري على الطرق الأوكرانية فهو سائق أجرة يمكن إيقافه وتكليفه بتوصيلك إلى المكان الذي ترغب فيه مقابل بضعةٍ من الدولارات، وأثناء وجودي في كييف لم أستقل سيارة أجرة رسمية واحدة، وإنما كانت كل السيارات خاصة يقودها معلمون وموظفون في الحكومة، ولا حرج لدى الواحد منهم أن يغير وجهته أو أن يتأخر عن وظيفته مقابل تلك الوريقات الخضراء المسكوكة في بلاد العم سام، بل وصل الأمر في كييف- ويقال إن الأوضاع في الجمهوريات الأخرى ليست أحسن حالًا- إلى إمكانية استئجار سيارة شرطة أو سيارة إسعاف أو حتى سيارة جيش أو مدرعة عسكرية أو حتى دبابة، وذلك مقابل دولارات قليلة إضافية أو أن تنال خدمة خاصة كتشغيل صفارة الإنذار إن كنت مستعجلًا حتى تخترق طوابير السيارات في الأماكن المكتظة وفي لحظات الاختناق المروري، وحدثني من لا أشك في صدقه أن أحدهم أوقف سيارة إسعاف وبعد أن انطلقت به إلى الوجهة التي حددها للسائق سمع أنينًا فنظر خلفه وإذا بمريض يوشك على الهلاك ورغم تردي حالة المريض الصحية، أصر سائق الإسعاف على توصيل الزبون إلى وجهته قبل نقل المريض إلى المستشفى استحقاقًا لعدد من الدولارات!

المافيا تسيطر على كل شيء

هذه حال من لا حول لهم ولا قوة، فكيف بحال من تنفذوا وتسلطوا؟ يقول المقيمون في أوكرانيا- ويزعمون أنه الحال الذي يعم كل الجمهوريات في الاتحاد السوفيتي سابقًا: إن إيطاليا وأمريكا لم تشهدا في تاريخهما مافيا كالتي نشأت وانتشرت في الجمهوريات المستقلة بعد انهيار النظام الشيوعي، فقد غدت هذه المافيا -ذات التسليح الجيد والدعم السياسي المضمون- مصدر قلق عام وأصبح الأمن بسببها منعدمًا تمامًا إلا لمن يرهن نفسه وما يملك لعصابةٍ قويةٍ من عصابات المافيا التي تعتمد على وجود قوى لها في سلك الشرطة والجيش، وفي سلك القضاء وفي الدوائر الرسمية، وتستهدف المافيا كل رجال الأعمال والمصالح التجارية، ومصادر الإنتاج سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وتعتمد على التهديد ثم الابتزاز بحجة منع الأذى وتوفير الحماية، ثم إنزال العقاب من حرق وإعاقة وقتل بمن يتجرأ على رفض الحماية المفروضة بقوة السلاح، وبسلطة النفوذ في دوائر الأمن والقضاء والإدارة.

الشيوعية قتلت الإبداع

لقد قتلت سنوات طويلة من التحكم المركزي بحياة الأفراد والجماعات غريزة الإبداع لدى الناس في هذه البلاد، ونزعت منهم فطرة حب الإتقان، فيندر أن ترى إنسانًا يرغب في إتقان ما يعمل بل القاعدة أن يكون العمل منقوصًا مبتورًا، وهذه الظاهرة لها شواهدها في مختلف مرافق الصناعة والإنشاءات والإنتاج، ولا يسلم منها حتى إنتاج الطعام، فعلى الرغم من توفر الطيبات من خضروات وفواكه ولحوم، فإن نوعية الطعام المنتج لا تشجع حتى المضطر جوعًا على الإقبال عليه إلا من تعود وأدمن عليه، ولعل السر في تخلف هذه الشعوب يكمن فعلًا في الأثر النفسي للحكم السلطوي الشيوعي عليها الذي حول البشر إلى بهائم وتجمعاتهم إلى حظائر إنتاجية لا مجال فيها للتنافس الشريف ولا يسمح داخلها بالإبداع الذي يستحق فاعله المكافأة عليه، بل لقد أمات الحكم الشيوعي الحس بالمسؤولية «أو الضمير» في نفوس الأفراد بعد أن أُلغي دور القيم الإيمانية والعادات والتقاليد في صياغة الشخصية الإنسانية.

الإسلام هو الحل

لم يشأ الله أن أغادر أوكرانيا قبل أن أرى ظاهرة إيجابية كان لها أعمق الأثر في نفسي ألا وهي ظاهرة بحث كثير من الناس في أوكرانيا عن ذواتهم الضائعة في عالم المادة بقطبيه الماركسي والرأسمالي، فبينما كان بعض الضيوف العرب يتجولون في إحدى ضواحي كييف لمحتهم سيدة أوكرانية تعمل سائقة سيارة أجرة فلفتوا انتباهها، وقد خرجوا بزيهم العربي وبدت سماتهم متميزة عما ألفته، استوقفتهم وسألتهم عن هويتهم، وعن أزيائهم، فقالوا: نحن مسلمون من بلاد العرب، وهذا هو لباس بلادنا واغتنموا فرصة اهتمامها بهم فشرحوا لها أن الإسلام دين التوحيد الذي جاء به محمد ﷺ خاتم المرسلين، ودعوها إلى كوب الشاي في الفندق الذي يقيمون فيه، وبفضل الله انشرح صدر المرأة لمعرفة المزيد عن الإسلام فأعطاها بعض الطلبة كتيبات عنه باللغة الروسية وواعدها الضيوف بعد يومين ليجيبوا عما لديها من تساؤلات واستيضاحات، فجاءت في موعدها، لتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، نطقتها أمام جمع من المسلمين فهلل الحضور وكبروا ورحبوا بأخت جديدة لهم في الإيمان!

قالت هذه الأخت إنها لم تزل منذ فترة تبحث عن الدين، وقالت بأنها زارت العشرات من المعابد والكنائس في أوكرانيا، ولكنها لم تشعر بخشوع ولا انسجام مع دعواتها، وذكرت أن نفسها لم تستغ عبادة الأصنام والتقرب من الأوثان، وأنها حينما رأت الناس في بعض المعابد يمدون أيديهم ليتمسحوا بالتماثيل، مدت يدها فلم تقو على فعل ما فعلوه، فأيقنت بانحراف هؤلاء عن الدين القويم، بكت وهي تحمد الله على أن هداها للإسلام، ولم تنصرف حتى شهدت صلاة المجتمعين في وقت المغرب وحتى رتب لها المسلمون علاقة مع الجالية المسلمة في كييف، ليتم التواصل معها وتحصل على التعليم الذي تحتاج إليه، رأيت الغبطة والسرور في وجوه الإخوة الذين هدى الله على أيديهم هذه المرأة، وكيف لا يسرون وقد نالوا من الله ما هو خير من حمر النعم.

إن الرأسمالية التي تسعى شعوب الجمهوريات المستقلة إلى استبدال الشيوعية بها لا تأتي عليها إلا بالوبال وبمزيد من المعاناة، وما تحتاج إليه هذه الأمم حقًا، فهو الإسلام نظام القيم والأخلاق والتشريعات السماوية التي تضمن العدل والحرية والمساواة، وما من شك في أن على المسلمين اليوم واجبًا عظيمًا ويتحملون مسؤولية كبيرة تجاه أمم الأرض المجهلة التي أفسدتها العلمنة بأنواعها، وإذا كان لباس العربي وشكل المسلم البهي وحدهما كفيلين بأن تهتم سائقة أجرة باكتشاف هذا الدين ثم باعتناقه، فكيف بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والقدوة الصادقة واليد الحانية التي تقدم العون وتخفف المعاناة، وكم هو عظيم ذلك الدور الذي يقوم به الطلبة المسلمون في الجمهوريات المستقلة، وكم هم بحاجة إلى المساندة والدعم حتى يطوروا أساليبهم الدعوية ويحسنوا أداءهم الحالي، لعل الله يجري على أيديهم خيرًا كثيرًا.

الرابط المختصر :