; أوضاع المسلمين في بلغاريا | مجلة المجتمع

العنوان أوضاع المسلمين في بلغاريا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1976

مشاهدات 2

نشر في العدد 308

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-يوليو-1976

الحلقة الأولى

أوضاع المسلمين في بلغاريا

وبعد: إن الأمة الإسلامية تعيش اليوم محنا شتى، وإذا كانت المحنة الأساسية تتلخص في عدم مقدرتها على صياغة الإسلام شرعة ومنهاجًا ونظامًا للحكم بما أنزل الله وارتضاه لنا، فإنه يجب علينا أن لا ننسى المحن الأخرى التي تتلاحق وتتكرر يوما بعد يوم -تنكيل وتقتيل المسلمين في كل من أرتريا والفلبين وجنوب الجزيرة العربية وفي فلسطين والأرض المحتلة وأيضا فيما وراء الستار الحديدي- ومن المعلوم أن التآمر على المسلمين حيثما وجدوا مزدوج الشخصية؛ إذ إن كلتا القوتين العظميين رغم الاختلاف الكبير بينهما اتفقتا على محاربة الإسلام بشتى الطرق والوسائل.

ورغم هذه المآسي كلها فإننا نجد وسائل الإعلام في بلادنا الإسلامية لا تهتم بل تتجاهل قضايا الإسلام والمسلمين، وغالبًا ما تشغل نفسها بالقضايا الانحرافية وتوجيه أنظارنا إلى غير قضايانا. بل إن الأمر أبشع من ذلك فقد نشرت بعض الصحف في البلاد الإسلامية حديثًا مع السفاح (ماركوس) ووصفته بأوصاف الأبطال، بينما يقوم هذا السفاح بأبشع أنواع التنكيل والتقتيل بالمسلمين في الفلبين.

أما فيما يختص بأمر المسلمين في البلاد الشيوعية فإن الأمر أدهى وأمر: جهل مطبق بأوضاعهم وظروفهم التي يعيشون فيها، علمًا بأنهم يقاسون ويتعذبون أكثر من غيرهم ولكن في صمت. إن الشيوعيين قوم قساة لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً، وإذا كانت فريستهم هم المسلمين فإنهم يتفننون في صنوف تعذيبهم وذلك لأمرين اثنين :

أولاً: صعوبة الحصول على معلومات عن أوضاع وأخبار المسلمين في هذه البلاد، خاصة وأن إعلامنا لفي شغل عن متابعة وبحث هذه الأمور .

ثانيًا: لعلمهم (أي الشيوعيين) بأننا حتى ولو علمنا بما يجري للمسلمين في بلادهم فإن الدول الإسلامية لن تتحرك لنجدتهم.

وفيما يلي سنلقي بعض الأضواء الكاشفة على أوضاع المسلمين البلغار؛ أملا منا في الله سبحانه وتعالى أن يحيي قلوب المسؤولين في بلادنا الإسلامية فيسارعوا لإنقاذ الشيوخ الحيارى الذين يواجهون الموت بشجاعة والأمهات الثكالي اللائي يتعرضن لأبشع ما يمكن أن تتعرض له امرأة مسلمة. فأما الأطفال الصغار فدعنا لا نتحدث عنهم لأن المرء لا يمكن إلا أن تسيل دموعه ويذوب قلبه لما يلاقونه من صنوف الاضطهاد والعذاب، وفوق ذلك كله مسح الأفكار الإسلامية من رؤوسهم وزرع الإلحاد بديلا عنها.

ولنبدأ بنبذة بسيطة عن تاريخ وجغرافية المناطق التي يعيشون بها .

أولاً: من هم المسلمون في بلغاريا

يتكون المسلمون في بلغاريا من الجنسيات التالية:

1-   الأتراك: وهم في الواقع يكونون الغالبية العظمى في أوساط المسلمين في بلغاريا، ويعتقد بأن عددهم يتراوح ما بين الــــ 1.200.000 إلى 1.500.000 نسمة، وقد جاء الأتراك المسلمون إلى هذه المناطق وغيرها في أوروبا الشرقية مع الفتح الإسلامي الواسع النطاق الذي قامت به الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الميلادي. وبما أن بلغاريا هي أقرب هذه الدول إلى تركيا فإن جماهير غفيرة من الأتراك قد استقرت في هذه البلاد حينما أتوها مع الفتح الإسلامي .

لقد كانت أعداد الأتراك أكثر مما ذكرنا إلا أن جزءا منهم قد ترك هذه البلاد إلى تركيا مرة بعد تراجع الدولة العثمانية عن هذه المناطق في نهاية القرن التاسع عشر، ومرة أخرى في الستينات من هذا القرن حينما وقعت اتفاقية محدودة الأجل بين تركيا وبلغاريا بشأن الأتراك، وبموجبها سمح لمن يرغب من الأتراك مغادرة الأرض البلغارية ولكن في فترة محدودة.

المسلمون البلغار: هم من أصل خليط من الأتراك والبلغار وطبعًا بعضهم من أصل بلغاري خالص، يتحدثون فقط اللغة البلغارية ولا يعرفون اللغة التركية إلا فيما ندر.

ويقدر عددهم بحوالي نصف مليون نسمة أو أكثر قليلا، وهم بالإضافة إلى جزء من الأتراك يحتلون الجزء الجنوبي كله من بلغاريا. ففي الجزء المتاخم للحدود التركية يسكن الأتراك وما عداها من المناطق الجنوبية بالذات على سفوح الجبال (جبال الرودوبي) التي يسكنها المسلمون البلغار، ويوجد هنالك عدد كبير من الأتراك يسكنون المناطق الشمالية الشرقية من بلغاريا، وهي معروفة بأنها أخصب مناطق بلغاريا كزراعة القمح وغيره، وفي غير هاتين المنطقتين فإن المسلمين ينتشرون تقريبا في معظم الأراضي البلغارية ولو أنهم أقلية في بقية المناطق...

من ذلك يتضح أن طبيعة الأرض التي يسكن بها المسلمون جبلية، وهذه الجبال هي في الواقع سلسلة جبال تمتد من الحدود الجنوبية الغربية لبلغاريا وحتى حدود بلغاريا وتركيا، وعلى هذه الجبال تكثر الغابات التي تعتبر في الواقع مصدر الثروة الخشبية في بلغاريا، ومن البديهي أن العمال في هذه الغابات هم من المسلمين.

الغجر: وهم منتشرون في غالبية أنحاء البلاد، ولا يعرف عددهم بالضبط.

ومما يجدر بالذكر أن أبناء المسلمين من الأجناس الثلاثة المذكورة يعاملون معاملة واحدة في فترة التدريب الإجباري [لمدة سنتين] التي يقضيها كل شباب البلاد. فما عداهم يدربون على أحدث الأسلحة بينما لا يسمح للشباب المسلم التدرب على تلك الأسلحة ويبررون موقفهم بأن ولاء البلغار المسلمين هو لغير البلغار. أما الأعمال التي توكل للشباب المسلم في تلك الفترة هي أعمال البناء وحفر الجداول وغيرها من الأعمال الثقيلة.

الوضع الاجتماعي

ذكرنا فيما سبق بأن المسلمين البلغار يعيشون في المناطق الجبلية على امتداد حدود بلغاريا الجنوبية مع اليونان وتركيا. وتلك المناطق الجبلية مغطاة بالغابات الكثيفة، وفي وسط هذه الغابات وعلى سفوح تلك الجبال تقع القرى المسلمة وكذلك أيضا المدن المسلمة. وقد أكسبتهم هذه الطبيعة الطول الفارع والصحة الجيدة. والعائلة في هذه الأماكن الاسلامية كبيرة العدد عكس العائلات البلغارية التي تتكون عادة من طفل واحد أو طفلين. وكما سنرى فيما بعد كثرة تعداد العائلة المسلمة كان من الأسباب المخيفة للشيوعيين؛ إذ لو أنه استمر الوضع كما هو ربما يأتي وقت يكون فيه البلغار أقلية والمسلمون أكثرية.

التعليم:

إن هذه المناطق الإسلامية هي أكثر المناطق تخلفًا في جميع أنحاء بلغاريا. إن هذا الأمر يطبق أيضا على المناطق التي يسكن بها الأتراك المسلمون وكذلك الغجر. إن الغالبية العظمى من الأطفال في هذه المنطقة لا يكملون دراستهم الثانوية العليا.

أما من أكملوا دراستهم الجامعية فهم يعدون بالأصابع، وبما أنهم قد تلقوا الإسلام على أيدي الأتراك فإن بعض الأمور قد رسخت في أذهانهم وتناقلوها جيلا عن جيل باللغة التركية. إذن فإن المناطق الإسلامية هي أكثر الأجزاء تخلفًا في بلغاريا .

وليس هناك ما يمنعنا من الاعتقاد بأن البلغار قد تعمدوا هذا الأمر حتى يظهروهم بمظهر الكاره للعلم أو الخائف منه حرصًا على معتقداتهم التي صورها لهم الشيوعيون بهذه الصفات المنفرة.

أما التعليم الديني فهو معدوم تماما وغير مسموح به على الإطلاق سواء في المدارس أو حتى في البيوت، فإذا تأكدت السلطات بأن مسلمًا يقوم بتلقين أبنائه أمور دينهم فإن أقل ما يصنعونه هو السجن وطرده من عمله، وذلك يعني الموت البطيء لفاقد العمل وأهله؛ إذ إنه لا يمكن له الحصول على عمل ما دامت السلطات غير راضية عنه. ولا توجد مدارس إسلامية كما هو الحال في بعض البلاد المجاورة، وإذا علمنا أيضا أن الأطفال الصغار يوجهون توجيهًا لا دينيًّا بل هم يلقنون أسس الماركسية والإلحاد منذ نعومة أظافرهم، بدا لنا مدى قتامة الصورة في المستقبل المنظور، أي بعد انقراض الجيل الحالي الذي يعرف قيمة دينه ولكنه لا يستطيع أن يورثه لمن بعده، بل يأخذه معه إلى قبره مكرها.

وبحسب مستويات تعليمهم تكون الأعمال والمناصب التي يتقلدونها، وبما أننا قد رأينا مستوى تعليمهم فإننا نستطيع أن نتصور ما يسند إليهم من الأعمال (تقطيع الأخشاب في الغابات، رعي الماشية، زراعة وجمع التبغ وهذا النوع من العمل بالذات مضر بالصحة. والأعمال الشاقة الأخرى: كالبناء وحفر المجاري... إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة).

والمرأة المسلمة تشارك الرجل في معظم الأعمال.

أما بالنسبة لتعليم المرأة المسلمة فإنها تكاد تكون غير متعلمة عمومًا، ولو أن البعض قد أكملن دراستهن في الجامعات والمعاهد العليا. هنا يطرأ سؤال هام وهو: لماذا لا يقومون بتعليم أبنائهم وبناتهم؟ وربما تكون الإجابة المنطقية على النحو الآتي :

1-   قلة المدارس الثانوية في هذه المناطق بالمقارنة مع المناطق الأخرى واختصارها على المدارس الإعدادية.

2-   إن المسلمين على علم تام بالبرنامج التعليمي الموجه والذي يقود حتما إلى الكفر والإلحاد في نهاية المطاف؛ لذا وحفاظًا على شخصيتهم الإسلامية فضّلوا عدم التعليم على هذا الصنف من التعليم الإجباري.

3-   ملاحظتهم لانحراف بعض شبابهم المتعلم عن تعاليم الإسلام وزواجهم من المشركات.

ولكن ما سلبية هذه السياسة- إن عدم التعليم في أوساط المسلمين أفقدهم الكادر المتعلم الذي ربما كان قد لعب دورًا إيجابيًّا في كل المآسي التي عانى منها ولا زال يعانيها المسلمون في هذه البلاد، وسوف نتعرض لبعض هذه المآسي الحية التي يعيشها المسلمون هناك بالتفصيل.

الرابط المختصر :