; هندسة التأثير.. أوساهيير! | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير.. أوساهيير!

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2005

مشاهدات 69

نشر في العدد 1660

نشر في الصفحة 60

السبت 16-يوليو-2005

 الأمة العربية والإسلامية مليئة بالعلماء، وأصحاب الشهادات الأكاديمية العليا، بعضهم مستقر في بلاده، وكثير منهم فرَّ من بلاده وهاجر إلى الغرب الذي أتاح له ما لم تتحه له بلاده.

 ففي مصر مثلًا، كشفت إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي، عن وجود (54) ألف عالم وخبير مصري في أوروبا وأمريكا. منهم (11) ألفًا في تخصصات نادرة، و(1500) من كبار الأطباء في مختلف التخصصات، و(94) في الهندسة النووية. و(36) في الطبيعة النووية، و(98) في الأحياء الدقيقة، و(82) في استخدامات الليزر، و(193) في الإلكترونيات والحاسبات الدقيقة، و(118) في علوم الوراثة، و(68) في هندسة الطرق والسدود، و (113) في الجيولوجيا والزلازل!!

كما تكشف الإحصاءات أن (500) عالم مصري في مختلف التخصصات حصلوا على الجنسية الأمريكية، واستقروا في أمريكا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وحققوا مكاسب لمراكز البحوث والمؤسسات والجامعات الأمريكية التي يعملون بها تزيد على ملياري دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة من القرن الماضي!!

  ورغم أن المؤهلات الأكاديمية والشهادات العليا من الأدوات المساعدة على صناعة التأثير، ورغم أنني أدعو الجميع إلى استكمال دراستهم وإلى الحصول على أعلى الشهادات الأكاديمية. ورغم كثرة من أضاف إلى اسمه حرف الدال »د«، واطمأنت به نفسه، ومشى متبخترًا بين أهله، وظن أنه قد وصل إلى ما لم يصل إليه الآخرون، ولكنك في المقابل لا تسمع له ركزًا ولا تلمس له أثرًا .. رغم كل ذلك إلا أنه بالنظر إلى المؤثرين في الحياة نجد كثيرًا منهم لا يحملون شهادات عليا.

 إنني أعرف بعض المبدعين لم يحصلوا على الشهادات الابتدائية، كما أعرف أحدهم يعمل سائق باص في وزارة التربية بدولة الإمارات العربية المتحدة، ولا يحمل شهادة عليا، ومع ذلك توصل إلى عدد كبير من الاختراعات العلمية النافعة.

 ولقد حصل توماس إديسون على (1093) براءة اختراع، ومع ذلك لم يحصل على شهادة الأول الابتدائي؛ حيث لم يستمر في المدرسة سوى ثلاثة أشهر، ثم أخرجته أمه من المدرسة لما وصفه مدرسوه بالغباء وبأن رأسه عبارة عن بيضة فاسدة مملوءة بالتراب لا مخ فيه، وغيرها من الأوصاف المحبطة!!.

وهذا الياباني أوساهير الذي أرسلته الحكومة اليابانية إلى ألمانيا ليحصل على شهادة الهندسة المكانيكية. وكان يترك قاعة الدرس ويذهب إلى المعارض، ويشتري الآلات والأدوات المختلفة، وكان همه وأمنيته أن يصنع محركا، واستطاع أن يجمع محركًا بدائيًّا، وترك دراسته الجامعية، وعمل عاملًا في مصنع للحديد، حتى تمكن من إتقان المهارات التي تحتاجها صناعة تلك المحركات.

 ثم رجع »أوساهير« إلى اليابان، وما هي إلا سنوات معدودات حتى استطاع أوساهير، أن يقيم مصنعًا لمحركات السيارات، وكانت تلك هي البداية الحقيقية للنهضة التي شهدتها اليابان في مجال صناعة السيارات، والذي أحدث هذه النهضة رجل لا يحمل شهادة عليا، فيا للعجب!!

وفي عام (1995م)، زرت مصنع الحديد في الإسكندرية، فأخبروني بقصة عامل بسيط لا يحمل أية شهادة دراسية، استطاع أن يحل مشكلة كانت تواجه المصنع، وتكلفه مليوني جنيه مصري سنويًّا، وذلك بفكرة لم تكلف المصنع سوى بضعة جنيهات، كان الحديد الخام يؤتى به من خارج المصنع، ويوضع في عربات معلقة تتحرك كهربائيًّا لتنقل الحديد الخام داخل المصنع؛ ونظرًا لأن هذه العربات معرضة للأجواء الخارجية، فإن المجرى الذي تسير فيه هذه العربات يمتلئ بالغبار والتراب مما يدفع القائمين على المصنع إلى إيقاف العمل وتنظيف المجرى، فكانت هذه العملية تكلف المصنع قرابة مليوني جنيه سنويًّا. 

فكر العامل المسؤول عن العربة في هذه المشكلة، واستطاع أن يصل إلى فكرة وفرت على المصنع هذه المبالغ الطائلة؛ حيث إنه اشترى فرشاة وعلقها خلف العربة، فصارت العربة تنظف بالفرشاة المجرى، كلما تحركت ذهابًا أو إيابًا، وظل المجرى نظيفًا طوال السنة.

 وفي الجانب الآخر كم من أناس يحملون شهادات عليا في تخصصات ربما تكون دقيقةً ومهمةً، لكن لهم بعض الممارسات التي تسيء إليهم وإلى ما يحملون من شهادات، وإليك مثلًا واحدًا في هذا الشأن:

 جورج الدريش، عالم صواريخ، يحتل مركزًا مهمًا في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، ولكنه في أوقات الفراغ يمارس عملًا من أغرب الأعمال التي يمكن أن يمارسها إنسان وهو: شم الأحذية باعتباره أحد أعضاء لجنة التحكيم في المسابقة السنوية التي تجرى في ولاية فيرمونت الأمريكية لاختيار أنتن حذاء في الولايات المتحدة. وفي شهر أبريل 2001م، أجريت المسابقة واشترك فيها الآلاف من مختلف مناطق ومدن الولايات الأمريكية من الطامحين في الحصول على لقب صاحب »أنتن حذاء في أمريكا!« وقد أرسل المشاركون أحذيتهم إلى شركة أودر إيترز الأمريكية التي ترعى المسابقة. 

وفي كل يوم كان جورج الدريش ينتهي من عمله في وكالة الفضاء الأمريكية، ويتوجه إلى مقر الشركة لشم الأحذية؛ ليكتشف في النهاية أن صاحب أنتن حذاء في الولايات المتحدة هو شخصيًا، ولكنه لم يشارك في المسابقة، فحرم من الجائزة، وفاز بها مواطن من كاليفورنيا!

 إن الإنسان هو الذي يصنع التأثير بطموحه وهمته وبذله واجتهاده بعد توفيق الله تعالى له، وليست الشهادات الأكاديمية. وما الشهادات والمؤهلات الأكاديمية إلا عوامل مساعدة وليست عوامل حاسمة للتأثير وصناعة الحياة.

 وصدق المتنبي حين قال:

 ومن يهن يسهل الهوان عليه                                    ما لجرح بميت إيلام 

الرابط المختصر :