; أوروبا.. ومصالحها والغارة المرتقبة على العراق | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا.. ومصالحها والغارة المرتقبة على العراق

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 30

السبت 22-فبراير-2003

في نظر الخبراء الغربيين فإن الموافقة المطلقة على ما تزمع واشنطن القيام به في العراق يكرس سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، ويجعل من الحرب أساسًا في معالجة الأزمات الدولية الساخنة، ويشكل خرقًا واضحًا للدساتير والقوانين الأوروبية التي ركيزتها احترام حقوق الإنسان، فيما الحرب دليل بارز وجلّي على انتهاك حقوق الإنسان باعتبارها تشكل انتهاكًا للروح البشرية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العواصم الغربية تعتبر أن موافقتها المطلقة على الغارة الأمريكية على العراق من شأنها أن تعرض علاقاتها بالعالم العربي والإسلامي بشقيه الرسمي والشعبي للخطر الشديد، فمن شأن احتلال أمريكا للعراق أن يؤدي إلى فقدان أوروبا للأسواق العربية والإسلامية باعتبار أن واشنطن تريد الغنيمة برمتها وهي لن تكتفي بالعراق، بل إن مشروعها أبعد من العراق كما تقول بعض الدوائر الاستراتيجية الغربية. 

وأوروبا التي تعتبر نفسها حلقة وصل بين العالم العربي وبقية دول العالم في الكتلة الغربية وغيرها لن تبقى كذلك بعد الحرب، خصوصًا وأن تقارير من العالم العربي تشير إلى أنه حتى الدول الموافقة على المشروع الأمريكي في العراق قد تغير موقفها تحت ضغط الشارع، مع بداية حصد رؤوس الأبرياء من المدنيين. 

وتتخوف العواصم الغربية إن هي أبدت موافقة مطلقة على الغارة الأمريكية أن تصبح مثل أمريكا في العالم العربي، مهددة المصالح جملة وتفصيلًا، وبالإضافة إلى ذلك فإن الخريطة الأوروبية الغربية تضم أكثر من 15 مليونًا من العرب والمسلمين أغلبهم يتمتعون بالمواطنة الأوروبية ويحق لهم المشاركة في الحياة السياسية بما في ذلك التصويت في الانتخابات العامة، وقد تنعكس التطورات في العراق على سيكولوجية بعض المهاجرين الذين قد يلجؤون إلى ما من شأنه المساس بالأمن، كما أن جماعات اليسار والشبيبة الغربية المعارضة للرأسمالية والعولمة الأمريكية قد تغتنم الفرصة للقيام بأعمال عنف هنا وهناك. ومع تزايد موجة العداء للأمركة فإن الخوف قائم من تطورات عكسية على الأوضاع بشكل عام. 

وللإشارة فإنه منذ بداية الترتيبات الأمريكية للغارة على العراق ارتفع سقف معارضة النخبة الغربية السياسية والثقافية لأي عمل عسكري أمريكي في العراق وغيره، وفي الأفق مظاهرات بالجملة في العديد من العواصم الغربية، كما أن معظم الصحف الغربية باتت تبرز تصریحات السويدي هانس بليكس، رئيس المفتشين الأمميين في العراق، من أن فرق التفتيش لم تعثر على شيء في العراق، وأن هذه الفرق في حاجة إلى وقت إضافي لإكمال عملها، وكثيرًا ما تلجأ صحف أوروبية إلى معارضة المشاريع الأمريكية بطريقة غير مباشرة من قبيل نشر عناوين عريضة تصيب في الصميم المبررات التي تبني عليها واشنطن سياستها.

وقد ركزت الصحف النرويجية على تصريحات بليكس المكلف بالتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي يقول فيها إن فرق التفتيش لم تعثر على أسلحة دمار شامل، ومعنى ذلك ضرورة وقف مشروع الحرب الأمريكية على العراق.

وإذا كانت بعض العواصم الغربية قد تشارك أمريكا في حربها ضد العراق، فإن بعض الدول خائفة من عدم جني أي غنيمة في حال لم توفد قواتها العسكرية إلى العراق، وهي الآن بصدد الموازنة بين حجم الغنائم وحجم الخسائر بناءً على ما ذكرنا في البداية، وعلى الرغم من حرص العواصم الغربية على علاقاتها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية بواشنطن إلا أنها في المسألة العراقية بدأت تجهر بما لا يرضي العاصمة الأمريكية. 

وحتى رئيس الوزراء توني بلير الذي اعتبرته الصحافة الشعبية البريطانية «وزير خارجية أمریکا بامتياز» بدأ يعيد حساباته ويطالب بإعطاء فرصة لفرق التفتيش، وحسب بعض الخبراء الغربيين فإن بلير لم يتمكن من إقناع أي عاصمة غربية بصدقية التوجهات الأمريكية، الأمر الذي جعله وبلاده معلقين بين مشيمته الأوروبية والحبل السري الذي يربطه بواشنطن.

ويذهب بعض الخبراء الغربيين إلى القول بأن أوروبا تخضع لمنطلقات براجماتية خالصة، فهي تبدي اعتراضها الظاهري على الغارة الأمريكية على العراق، فيما تدرس  بروية تداعيات الموقف،  فإذا  رجحت الكفة لصالح واشنطن مالت إلى ولية نعمتها السابقة، وإذا لم تحكم واشنطن أطراف اللعبة العسكرية التي تتسم بكثير من المغامرة لا تكون أوروبا قد خسرت الكثير بل تكون مؤسساتها الاستراتيجية والأمنية قد أصابت في رؤيتها استنادًا إلى الأبعاد المحلية على صعيد الداخل الأوروبي وإلى الأبعاد الدولية على صعيد تطورات الموقف في العالم العربي والإسلامي. 

ولأن ملفًا من هذا القبيل كثير التشعبات والتفرعات والتداعيات أيضًا، تشهد الكواليس الأوروبية تنسيقًا على أكثر من صعيد وفي كل المستويات لضبط المواقف ساعة بداية الغارة الأمريكية على العراق التي ستضيف أعباءً جديدة وخطيرة ليس إلى الدبلوماسية الأوروبية فحسب، بل إلى المؤسسات الأمنية التي ما زالت تعيش هاجس تداعيات الحادي عشر من أيلول وتوابعها.

الرابط المختصر :