; تحليل سياسي: أوروبا تسعى لقيام أكبر تكتل اقتصادي في العالم! | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: أوروبا تسعى لقيام أكبر تكتل اقتصادي في العالم!

الكاتب محمد كمال

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 72

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-أبريل-1994

تحقيق معدلات تنمية أعلى واستمرار الرخاء والاستقرار.. هي دوافع دول الشمال لطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

الدولة الواحدة بإمكاناتها المحدودة لا تستطيع الصمود أو المنافسة في عالم التكتلات الاقتصادية.

منذ يناير 1994م ونحن نسمع عن اسم جديد يتردد في وسائل الإعلام وهو الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه اختفى تعبير كان شائعًا لفترة طويلة وهو الجماعة الأوروبية أو الجماعة الاقتصادية الأوروبية. والواقع أن المتتبع لتطور هذه المنظمة الدولية ما كان ليفاجأ بهذا التعبير؛ حيث إن اتفاقية ماستريخت الموقعة قبل ذلك التاريخ بعدة أعوام كانت قد حددت الأول من يناير 1994م لتغيير اسم الجماعة الأوروبية EC أو الجماعة الأوروبية EEC إلى الاتحاد الأوروبي EU، كتعبير عن مرحلة جديدة تمر بها تلك المنظمة وتنتقل فيها من التركيز على الاندماج الاقتصادي بشكل خاص إلى الاندماج في النواحي الأخرى وخاصة السياسية منها، من أجل تحقيق حلم الوحدة الأوروبية في النهاية.

وقد حملت الأنباء خلال هذا الشهر أخبار المفاوضات التي يجريها الاتحاد الأوروبي مع أربع دول هي: السويد، والنرويج، وفنلندا، والنمسا؛ تمهيدًا لانضمامها للاتحاد الأوروبي ليرتفع عدد أعضائه من 12 عضوًا حاليًا إلى 16 عضوًا مع بداية العام المقبل، في حالة نجاح تلك المفاوضات وفي حالة موافقة شعوب تلك الدول على الانضمام في استفتاءات عامة سوف تُجرى في تلك البلدان الأربعة.

وفي هذا التقرير سوف نتناول دوافع انضمام الدول الأوروبية -ليس الدول الأربع السابقة فقط بل هناك طلبات أخرى من دول كثيرة- إلى الاتحاد الأوروبي، وما العقبات أو المشكلات التي تعترض عملية توسيع الاتحاد؟

دوافع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

يمثل الاتحاد الأوروبي تجربة ناجحة بكل المعايير في مجال الاندماج الإقليمي، وقد بدأت هذه الرابطة التي أطلق عليها «الجماعة الأوروبية»، أو الاسم الشائع «السوق الأوروبية المشتركة» في 25 مارس 1957م عندما وقعت ست دول هي: فرنسا، وألمانيا الغربية، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ولوكسمبورج معاهدة روما لإنشاء تلك الجماعة. وكان الهدف الرئيسي منها هو التغلب على بقايا الخلافات السياسية بين الدول الأوروبية الناجمة عن الحرب العالمية الثانية -وخاصة العداء الألماني الفرنسي- عن طريق تحقيق التعاون الاقتصادي بينهما.

وقد بدأ هذا التعاون في إطار ما عُرف بجماعة الفحم والصلب التي وضعت آليات للتعاون بين الدولتين في هذا المجال، ثم تطورت وضمت دولًا أخرى. وكانت الخطوة التالية هي إنشاء الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وكانت الفكرة هي البدء بالتعاون، ثم الوحدة في المجال الاقتصادي، ثم الانتقال بعد ذلك إلى المجال السياسي وليس العكس؛ حيث إن نجاح التعاون الاقتصادي يمس مباشرة مصالح المواطن العادي ويشجعه على قبول خطوات أكبر على طريق الاندماج.

وكذلك فإن البدء بالاندماج السياسي كان يلقى معارضة كبيرة من العديد من الدول الأوروبية التي كانت تسعى للحفاظ على سيادتها ولا تريد الانتقاص منها بأي شكل من الأشكال، وقد برز هذا الاتجاه على وجه التحديد لدى الدول الصغيرة مثل بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج وخشيتها من سيطرة الدول الكبيرة عليها.

ونتيجة للنجاحات التي حققتها الجماعة الأوروبية اتسعت عضويتها ولم تقتصر على الدول الست المؤسسة لها، فأصبحت الجماعة تضم تسع دول بدءًا من يناير 1973م بعد انضمام بريطانيا وأيرلندا والدنمارك، ثم انضمت إليها اليونان في عام 1982م، وكل من إسبانيا والبرتغال عام 1986م ليرتفع عدد الأعضاء إلى اثني عشر عضوًا، وتسعى الآن الدول الأربع الجديدة إلى الانضمام إليها ليرتفع العدد إلى 16 عضوًا مع العام القادم.

وهكذا يمكن القول: إن السبب الرئيسي لسعي الدول الأوروبية إلى الانضمام إلى تلك الجماعة هو النجاحات التي حققتها عبر السنوات الست والثلاثين الماضية منذ تاريخ إنشائها، وأهمها أنها استطاعت الحفاظ على استقرار أوروبا وتحويل أعداء الأمس إلى أصدقاء، كذلك استطاعت أن تحقق معدلات تنمية ورخاء في دول الجماعة أكثر من العديد من الدول الأوروبية الأخرى.

يضاف إلى ذلك أنه منذ السنوات الثلاث الأخيرة، وعلى وجه التحديد منذ نهاية الحرب الباردة وما ترتب عليها من تغيير في مفهوم قوة الدولة الذي أصبح يقاس بالقوة الاقتصادية وليس بالأسلحة والقوة العسكرية، والعديد من دول العالم تسعى لتكوين تكتلات اقتصادية جديدة أو الانضمام إلى التكتلات القائمة؛ حيث اتضح أن الدولة الواحدة بإمكاناتها المحدودة وسوقها الصغير لا تستطيع أن تنتج سلعًا ذات قدرة على المنافسة، سواء من حيث السعر أو الجودة، إلا إذا اتبعت اقتصاديات السوق الكبير، وهذا لن يتحقق إلا بالانضمام إلى إحدى التكتلات الاقتصادية.

وبالرغم من أن الدول الأربع التي تسعى للانضمام للاتحاد الأوروبي هي أعضاء في رابطة للتكامل الاقتصادي وهي: الاتحاد الأوروبي للتجارة الحرة المعروف باسم «إفتا» EFTA، ولكن هذه الرابطة تقتصر على التبادل الحر للتجارة بين هذه الدول -وهو شكل أولي من أشكال التكامل الاقتصادي- ومن ثم فهي لا تحتوي على أي تنسيق أو سياسات مشتركة في المجالات الاقتصادية المختلفة (السياسة الزراعية، الصناعية... إلخ)، كما هو الحال في الجماعة الأوروبية. وتدرك هذه الدول أنه حتى لو تم تطوير منطقة التجارة الحرة إلى شكل أكثر تطورًا من الاندماج الاقتصادي، فإنها لن تستطيع منافسة الاتحاد الأوروبي، ومن ثم فقد سعت للانضمام إليه.

المشاكل المترتبة على الانضمام وتوسيع العضوية

هناك عدد من المشكلات التي قد تترتب على انضمام تلك الدول الأربع للاتحاد الأوروبي؛ فهناك أولًا جانب من الرأي العام في تلك الدول وخاصة في الدول الإسكندنافية: السويد والنرويج وفنلندا -وهي دول تطبق نظام دولة الرفاهية- يخشى من أن انضمام تلك الدول يعني تخلي الدولة عن وظائفها الاجتماعية تجاه مواطنيها وخاصة في مجالات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، التي يتمتع بها المواطن في تلك الدول بشكل أكبر من الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. كذلك تخشى تلك الدول أن تذوب هويتها الثقافية الإسكندنافية في الهوية القارية الأوروبية، كما أن بعض الدول تخشى قيام الدول الأخرى باستغلال ثرواتها وخاصة السمكية؛ لذا فأهم العقبات في مفاوضات انضمام النرويج هي تلك المتعلقة بحقوق الصيد في مياهها الإقليمية.

يضاف إلى ذلك أن هناك تخوفًا من بعض دول الاتحاد الأوروبي من أن توسيع العضوية سوف يزيد من صعوبة عملية صنع القرار في أجهزة الاتحاد الأوروبي؛ فكلما زاد عدد الأعضاء زادت صعوبة الوصول إلى اتفاق. كما أن كلًا من بريطانيا وإسبانيا تتمسك بالحفاظ على حقوق التصويت الحالية وترفض تغييرها مع توسيع العضوية وخاصة تلك المتعلقة بنسبة الأصوات اللازمة للاعتراض على قرار أو سياسة معينة؛ حيث تخشى الدولتان من أن زيادة العضوية تعني زيادة نسبة الأصوات المطلوبة للاعتراض، مما يضعف وضعهما داخل الاتحاد.

وهناك تخوف أيضًا من أن انضمام تلك الدول، وهي دول محايدة من الناحية القانونية، سوف يعوق عملية الاندماج في المجالات السياسية والعسكرية، كما تخشى دول الجنوب داخل الجماعة وخاصة إسبانيا والبرتغال واليونان من ضعف مكانتها وتحول الاهتمام إلى الشمال بانضمام تلك الدول الشمالية الجديدة.

ولكن في المقابل فإن الاتحاد الأوروبي أدرك أن المكاسب التي سوف تعود عليه من انضمام تلك الدول أكبر من المشكلات التي تترتب على الانضمام، وأهم تلك المكاسب أن هذه الدول غنية ولن تشكل أي عبء مالي على ميزانية الاتحاد، بل على العكس من ذلك سوف تساهم بشكل صافٍ في زيادة ميزانية الاتحاد، كما أن هذه الدول ومستوى الدخل فيها يمثلان سوقًا مهمة لدول الاتحاد.

فبانضمام تلك الدول يصبح الاتحاد الأوروبي أكبر تكتل اقتصادي في العالم يضم حوالي 370 مليون مستهلك، ويبلغ إجمالي ناتجه القومي حوالي 7.5 تريليون دولار. ولن يكتفي الاتحاد الأوروبي بذلك بل هناك دول أخرى في قائمة الانتظار لعل أقدمها تركيا، ثم دول أوروبا الشرقية وخاصة المجر وبولندا والجمهورية التشيكية والسلوفاكية ودول البلطيق.

وأهم ما يعطل انضمام تلك الدول للاتحاد الأوروبي هو أن فلسفة الوحدة الأوروبية تقوم على التدرج والعمل على التعميق أو التوسع الرأسي في مجالات التعاون قبل التوسع الأفقي لزيادة عدد الأعضاء؛ فالعبرة ليست بالعدد بل بقدرة هذه المنظمة على تحقيق أهدافها ومصالح المواطن الأوروبي العادي، وليس الهدف هو خلق منظمات ورقية ذات عدد كبير من أجل التباهي بها، وهي دروس يجب أن نستفيد منها إذا أردنا النجاح في تجارب الاندماج في الوطن العربي.

 

الرابط المختصر :