; أوربا: «الكرنفال».. عيد المجانين في دنيا الفراغ | مجلة المجتمع

العنوان أوربا: «الكرنفال».. عيد المجانين في دنيا الفراغ

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998

مشاهدات 80

نشر في العدد 1290

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 03-مارس-1998

المشهد يثير الاستغراب والازدراء وإلى حد ما بعض الإشفاق، أن تجتمع مرة بعد أخرى جماهير غفيرة من الرجال والنساء البالغين العاقلين، بدءًا بالمسؤولين السياسيين وانتهاء بالصعاليك، في قاعات كبرى، ويقف «الخطباء» فينادونهم أن يا أيها المجانين والمجنونات، فيصفقون ويطربون ويتمايلون ذات اليمين وذات الشمال وقد أخذت الخمرة بعقولهم أن يحدث هذا مرة عابرة يمكن أن نعتبره شذوذًا عن العادة أما أن يتكرر عامًا بعد عام، منذ عدة قرون، وإن تبدلت وتعدّدت أشكاله، فأمر يستدعي التساؤل: إلى أي حضيض وصل العقل الإنساني باسم المتعة الانحلالية، وما الذي أفسد الأذواق وقلب المفاهيم رأسًا على عقب.... 

والأرجح أن البداية كانت في مدينة فرانكفورت في القرن الرابع عشر الميلادي، وكان من أسباب الملابس التنكرية أن حاكم المنطقة أصدر عام ١٣٥٥م أمرًا بمنع الملابس التنكرية خشية من حوادث فوضوية، فتحداه «المجانين» في احتفالاتهم، وفي هذه الأثناء أصبح لهذا الضرب من الجنون مواقع عديدة في أنحاء العالم، وباستثناء ريو دي جانيرو في البرازيل، تعتبر منطقة نهري الراين والماين بألمانيا مركزًا رئيسيًا، ولا حاجة لوصف تفصيلي لما يجري في احتفالات الكرنفال، بل تكفي بعض الإشارات العابرة، ومنها أن قيمة ما يشتريه «المجانين» في ألمانيا وحدها من ملابس وأدوات تنكرية تصل إلى حوالي المليار مارك، ومنها أن أجهزة الشرطة تستنفر العاملين فيها، فحوادث السير بسبب المجانين المخمورين في الدرجة الأولى تسجل رقمًا قياسيًا، يفوق في كل عام العام الذي سبقه وهذا مما يستنفر بدوره المستشفيات وأطباءها فتعمل بأقصى طاقتها لنجدة المصابين في حوادث السير، أو داخل قاعات الاحتفال... ويغلب أن يكون الضحايا من الشبيبة والناشئة، فهؤلاء يجدون من حرية التردد على الحانات وتعاطي المشروبات أثناء الاحتفالات أكثر مما يجدونه عادة في بقية أيام السنة، ويساهم تهورهم في زيادة تعرضهم للخطر.

وكلمة «كرنفال» هي الشائعة في وصف عيد الجنون والمجانين هذا، ولكن مناطق أخرى تطلق على المناسبة نفسها وصف «ليلة الصيام» وكلمة كرنفال نفسها ذات أصل إيطالي، وتعني «وداعًا أيها اللحم» إشارة إلى صيام النصارى عن تناول اللحوم ابتداء من يوم معين في السنة يصادف هذا العام 25\2\1998م، ولكن المشاركين في جنون الكرنفال لا يصومون، فقد اضمحل الالتزام بالتعاليم الكنسية منذ زمن بعيد، وجنونهم لا يقتصر على ليلة الصيام فقط بل يبدأ قبل شهور، وعلى وجه التحديد في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من الشهر الميلادي الحادي عشر.. ويستمر الجنون على دفعات تبلغ ذرواتها الأخيرة في الأسبوع الأخير قبل حلول موعد الصيام، أواخر شهر فبراير من العام التالي.

يوم الأنثى

ويوصف يوم الخميس الأخير قبل حلول موعد الصيام بأنه «يوم الأنثى» ويقال إن ذلك يعود إلى تمرد النساء على أزواجهن قبل قرون بعد عجزهم عن تأمين ما يكفي من دخل مادي لهن، فخرجن يشتغلن، ثم يحتفلن وحدهن دون الرجال بعد العمل، ويرمز إلى هذا التمرد الآن أن في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الحادية عشرة من يوم خميس الأنثى هذا، يتوقف العمل في الدوائر والمؤسسات والمحلات التجارية وغيرها، ويسيطر النساء على الرجال، فلا ينبغي لأحدهم أن يمتنع عن الاستجابة لها سيان ما تريد، ويغزو النساء مجالس البلدية فيسيطرن عليها، ولكن الاحتفال الحقيقي يبدأ مساء كالمعتاد بالرقص والسكر فينتهي إلى ما ينتهي أمثاله من الاحتفالات، ويستمر ذلك في الأيام التالية، حتى يبلغ مداه يوم الإثنين، فلا يكاد يرى المرء رجلًا مسنًا إلا شوه وقاره بلون يصبغ وجهه، أو وردة على رأسه أو رداء مزركش مضحك على منكبيه، وتتحول الشوارع والمحلات العامة إلى ساحات للتحرش بين الرجال والنساء صغارًا وكبارًا، وإلى حانات كبيرة علاوة على - الحانات المكتظة بروادها، ويرافق ذلك مواكب كبرى من عربات بأشكال تستهزئ بالساسة والسياسيين وقضايا الساعة تعبر عددًا من الشوارع الرئيسية في المدن بعد أن تشهد القرى مواكب مشابهة في اليومين السابقين... ومرة أخرى تتحول ليلة الثلاثاء إلى ليلة خمر وعربدة يستحل فيها ما قد لا يستحل في بقية العام، وإن أصبح كل أمر مستحلًا في كل وقت من العام فقبل سنوات معدودة كان يقال إن حوالي نصف حالات الحمل غير الشرعية تقع في فترة الكرنفال، ولم يعد لهذه التقديرات قيمة، فقد بات الفساد الخلقي والانحلال الاجتماعي منتشرًا على امتداد العام في مجتمعات باتت تسن القوانين للتعامل مع ظاهرة الأولاد غير الشرعيين -وقد باتوا- وفق الأرقام الرسمية... عدا ما  يسمى الأرقام السوداء - يزيدون على ثلث المواليد في تلك المجتمعات.

متنفس الضياع

وفي يوم الثلاثاء، عشية بدء الصيام، يرمزون إلى وداعهم للتحلل بحرق «دمية الكرنفال» وطقوس أخرى غريبة، تثير الدهشة، مثل هذا يحدث في القرن الميلادي العشرين في قلب مجتمعات تعتبر نفسها متطورة متقدمة طالما استهزأت بعادات شعبية مستغربة في مجاهل إفريقيا، فجعلت منها قصصًا تروى وأفلامًا تشاهد وأدلة مزعومة على سيادة حضارة «الرجل الأبيض».

 ولارتباط الكرنفال بالأيام الأخيرة قبل فترة الصيام مغزاه، فمن البداية كان المقصود هو التمرد على القيم الخلقية والدينية التي حولتها الكنيسة في العصور الوسطى إلى سلطة استبدادية على الأصعدة الاجتماعية لا السياسية فقط، وهذا مما جعل مفهوم التحرر السياسي والتحرر الفكري منذ أيام الثورة الفرنسية، يقترن بالانحلال الخلقي والاجتماعي.

الحضيض...

كان لابد مع افتقاد الضوابط العقدية أن تصل هذه المسيرة إلى أقصى درجات الحضيض التي وصلت إليها في الوقت الحاضر، وهو ما تسارعت خطاه في السنوات الثلاثين الأخيرة جنبًا إلى جنب مع ظاهرتين رئيسيتين، إحداهما الثورة التقنية وما وفرته من وسائل لم تكن متوافرة من قبل، والثانية تنامي السيطرة المادية الاقتصادية والمالية على صناعة القرار في مختلف الميادين بما فيها الفكرية والاجتماعية والخلقية، فالكرنفال ككثير سواء من التقاليد والظواهر الغريبة، بات جزءًا من النشاطات الاقتصادية الكبرى، ومصدرًا من مصادر زيادة ثراء أصحاب الثروات المتحكمة في الأرض الغربية، ثم انطلاقًا منها في أنحاء العالم، مما يزداد حدة هذه الأيام تحت عنوان «العولمة». 

على أن الكرنفال في الوقت نفسه بات ميدانًا من ميادين التعبير عن الضياع الفكري والفراغ الروحي، حتى أن بعض علماء النفس يحاولون «فلسفته» بأنه شكل من أشكال تقمص شخصية أخرى ولو لفترة زمنية قصيرة فرارًا من الواقع الذي يعيشه الفرد ولا يشعر بالارتياح فيه، ولعل التعبير الأصح هو القول بالانفلات من البقية الباقية من قيود القيم، مع أنها اضمحلت حتى أفقدت الكرنفال وظيفته هذه فبات اللجوء إلى الخمرة هروبًا إلى جنون الانفلات الصاخب من الإحساس بالعجز عن التغلب على الانقباض القاتل.

 ولا يزال هناك عدد كبير من سكان المدن المعروفة أكثر من سواها باحتفالات عيد المجانين فيها، يهربون منها في تلك الفترة بالذات لقضاء إجازاتهم بعيدًا عن صخب لا يحتملونه، وجنون لا يستوعبونه، والواقع أنه لا يوجد ملجأ يلجؤون إليه، فالضياع والفراغ ظاهرة واسعة الانتشار في سائر أيام السنة، وفي مختلف الأماكن.... وتكاد تصرخ في وجوه من لايزال فريسة الانبهار بحياة غربية يعاني منها أهلها، ولا يجدون الأدوية لأمراضها الاجتماعية والخلقية الفتاكة وكأن دعاة الدخول إلى جحر الضب كما يصنع الغربيون حذو النعل بالنعل، يريدون أن تصل الأمور بأهل بلادهم إلى مستوى الجنون فعلًا، بعد أن انتشر فيها من مظاهر تقليد الغربيين ما يهدد بأفدح الأخطار في الحاضر والمستقبل.

الرابط المختصر :