; أوراق من ثقافتنا الحديثة: فقه الواقع | مجلة المجتمع

العنوان أوراق من ثقافتنا الحديثة: فقه الواقع

الكاتب الطيب ابو عزة

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

المجتمع الثقافي..

من بين أهم الأساليب والمنهجيات العلمية المعتمدة في فقه المجتمع، أسلوب البحث الميداني؛ إذ يمكن من فهم بنيان الحياة المجتمعية، ومؤثراتها واتجاهات التغيير الفاعلة فيها، ويمكننا من تحديد أذواق الناس ومشاعرهم وتصوراتهم الثقافية، وللأسف كثيرًا ما نجد الشباب الإسلامي يمارس هدف الدعوة، أي تغيير المجتمع والارتقاء به نحو تمثل النموذج الإسلامي دون فهم مسبق ولا تغطية علمية مدروسة، إننا نريد تغيير واقع لا نعرفه، بل لا نجشم عقولنا عناء البحث فيه من أجل معرفته، وهكذا نتصادم من البدء مع شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي حددها الشرع، ولخصها الإمام ابن تيمية في مقولته الشهيرة يتطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "علم قبله، ورفق معه وصبر بعده"، إننا ندعو الناس –في كثير من الأحيان– بلا علم ولا رفق، ثم حين نفاجأ برفض المجتمع لمشروعنا لا نصبر بل نقوم بأفعال متشنجة منفعلة جد سليبة.

البحث الميداني وتنظيم العمل الدعوي

إن البحث الميداني بمنهجياته العلمية الإحصائية والاستمارات والاستبيانات البحثية.. سيمكن الصحوة الإسلامية وما ينتظم داخلها من حركات وجماعات من تنظيم عملها الدعوي في المجتمع وإكسابه العلمية والتخطيط في التحرك والتفاعل.. والرسول ﷺ يعطينا الأنموذج القدوة في درس الواقع وبحثه ميدانيًّا، حيث بمجرد وصوله إلى المدينة دعا أحد أصحابه وطلب منه أن يحصي له عدد المسلمين في المدينة، فأحصى له قرابة 1500 شخص –حسب رواية البخاري– إن الرسول كان يريد بذلك معرفة القوة الديموغرافية لجماعته معرفة دقيقة.

فقه الواقع في تجربة البنا الدعوية

والواقع أن التجارب الحركية الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى فهم الواقع وإلى حسن التعامل معه.. وهنا نفتح دفتر ثقافتنا الحديثة على ورقة هامة للإمام حسن البنا (رحمه الله) فلننظر إلى هذا المعلم الحديث السن كيف خطط لبناء الدعوة في مدينة الإسماعيلية حال وصوله إليها. حيث يقول متحدثًا عن نفسه "وصل القطار إلى محطة الإسماعيلية.... وأشرف صاحبنا على هذا البلد الجميل. وسبح لحظة في عالم الخيال والمناجاة.. وسأل الله تبارك وتعالى.. أن يقدر له ما فيه الخير... ويقضي هذا المدرس الجديد وقته بين المسجد والمدرسة والمنزل لا يحاول أن يختلط بأحد ولا أن يتعرف إلى غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل، أما وقت فراغه فهو مكب فيه على رياضة أو دراسة لهذا الوطن الجديد من حيث أهله ومناظره وخصائصه، أو مطالعة أو تلاوة لا يزيد على ذلك شيئًا مدة 40 يومًا كاملة.. وقد كان هدفي –يقول الإمام البنا– في هذه الفترة دراسة الناس والأوضاع دراسة دقيقة ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد، وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة: العلماء أولًا، وشيوخ الطرق ثانيًا، والأعيان ثالثًا، والأندية رابعًا.." (حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية - المكتب الإسلامي ط الخامسة 1983/1403 ص 60–63).

هكذا حدد الإمام البنا مكونات مجتمع الإسماعيلية تحديدًا واقعيًّا منهجيًّا.. فكيف تصرف معها لنأخذ نموذجين "العلماء والأعيان".

بالنسبة للعلماء كان في مجتمع الإسماعيلية فقيهان يتقاسمان الجمهور، هما الشيخ موسى والشيخ عبد السميع وبينهما خلاف حاد حول القضايا الخلافية البسيطة حددها الإمام البنا وحرص على ألا يطرقها في دروسه، فضمن حضور أتباع كل منهما، كما أنه تصرف معهما تصرف الداعية الحكيم حيث يقول: "فأما العلماء فقد سلكت معهم مسلك الصداقة والتوقير والإجلال الكامل، حرصت على ألا أتقدم أحدًا منهم في درس أو محاضرة أو خطبة، وإذا كنت أدرس وقدم أحدهم تنحيت له وقدمته إلى الناس وكان لهذا الأسلوب أثره في أنفسهم فظفرت منهم بالكلمة الطيبة.." (المرجع السابق ص 66).

وكان أعيان الإسماعيلية في هذا الوقت يمثلون فكرتين على إثر ذلك الخلاف الديني الذي أوجده خلاف المشايخ في بعض الآراء....

وكان لا بد للموظف الذي ليس من أهل البلد أن يتصل بأعيانها، وأن يغشى بيوتهم، وقد انقسم الموظفون الذين يتصلون بهؤلاء الأعيان إلى معسكرين تقريبًا.. ولكني كنت أشعر أن طبيعة الدعوة الشاملة.. تفرض عليّ أن أتصل بالطرفين معًا.. فكنت إذا دخلت بيت زعيم أحد الفريقين تعمدت أن أقول شيئًا عن منافسه فلان، وأنه لا يضمر له إلا الخير.. وأن من واجبهما أن يتعاونا على ما فيه مصلحة بلدهما.. وإذا سمعت من ينتقص أحد الفريقين في منزل الآخر رددت عليه بأن من الخير أن يكون واسطة التوفيق.. وأنه لا ضرورة للتورط في الغيبة وهي إثم كبير.. وبهذا الأسلوب استطعت أن أظفر بصداقة الطرفين واحترامهما جميعًا..." "المرجع السابق ص 69".

إن دعوة حسن البنا (رحمه الله) مثال فريد في فقه الواقع وإدراك مكوناته وحسن التعامل معها؛ ولذا قيد الله عز وجل لها كل ذلك النجاح الجماهيري الذي وصلته، ولنتصور لو كان حسن البنا مثل شباب الصحوة المستعجلين ماذا كان فاعلًا؟ سيدخل المسجد ويقف على الناس خطيبًا معلمًا ملهمًا لا يعرف من يخاطب ولا ما يحتاجه سامعوه، ولا انشغالاتهم ومشاكلهم، ولكان أول قصده هو التوجه إلى نفس القضايا الخلافية المتداولة فيطنب في الحديث فيها، وبذلك سيهمشه المجتمع فينعزل، أو على أقل تقدير سيجتمع عليه بضعة أفراد يصنع بهم "أتباعًا" و"إمعات" يزكي بهم واقع التفرقة والخلاف بين المسلمين بدل التأليف بينهم وجمعهم على الأهداف والمبادئ الكبرى وتجاوز الجزئيات والشكليات المختلف عليها.

إن فهم الواقع نصف الطريق إلى تبديله.

المجتمع الثقافي:

أوراق من ثقافتنا الحديثة: فقه الواقع:

بقلم: الطيب بو عزة

من بين أهم الأساليب والمنهجيات العلمية المعتمدة في فقه المجتمع، أسلوب البحث الميداني؛ إذ يمكن من فهم بنيان الحياة المجتمعية، ومؤثراتها واتجاهات التغيير الفاعلة فيها، ويمكننا من تحديد أذواق الناس ومشاعرهم وتصوراتهم الثقافية، وللأسف كثيرًا ما نجد الشباب الإسلامي يمارس هدف الدعوة، أي تغيير المجتمع والارتقاء به نحو تمثل النموذج الإسلامي دون فهم مسبق ولا تغطية علمية مدروسة، إننا نريد تغيير واقع لا نعرفه، بل لا نجشم عقولنا عناء البحث فيه من أجل معرفته، وهكذا نتصادم من البدء مع شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي حددها الشرع، ولخصها الإمام ابن تيمية في مقولته الشهيرة يتطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "علم قبله، ورفق معه وصبر بعده"، إننا ندعو الناس –في كثير من الأحيان– بلا علم ولا رفق، ثم حين نفاجأ برفض المجتمع لمشروعنا لا نصبر بل نقوم بأفعال متشنجة منفعلة جد سليبة.

البحث الميداني وتنظيم العمل الدعوي

إن البحث الميداني بمنهجياته العلمية الإحصائية والاستمارات والاستبيانات البحثية.. سيمكن الصحوة الإسلامية وما ينتظم داخلها من حركات وجماعات من تنظيم عملها الدعوي في المجتمع وإكسابه العلمية والتخطيط في التحرك والتفاعل.. والرسول ﷺ يعطينا الأنموذج القدوة في درس الواقع وبحثه ميدانيًّا، حيث بمجرد وصوله إلى المدينة دعا أحد أصحابه وطلب منه أن يحصي له عدد المسلمين في المدينة، فأحصى له قرابة 1500 شخص –حسب رواية البخاري– إن الرسول كان يريد بذلك معرفة القوة الديموغرافية لجماعته معرفة دقيقة.

فقه الواقع في تجربة البنا الدعوية

والواقع أن التجارب الحركية الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى فهم الواقع وإلى حسن التعامل معه.. وهنا نفتح دفتر ثقافتنا الحديثة على ورقة هامة للإمام حسن البنا (رحمه الله) فلننظر إلى هذا المعلم الحديث السن كيف خطط لبناء الدعوة في مدينة الإسماعيلية حال وصوله إليها. حيث يقول متحدثًا عن نفسه "وصل القطار إلى محطة الإسماعيلية.... وأشرف صاحبنا على هذا البلد الجميل. وسبح لحظة في عالم الخيال والمناجاة.. وسأل الله تبارك وتعالى.. أن يقدر له ما فيه الخير... ويقضي هذا المدرس الجديد وقته بين المسجد والمدرسة والمنزل لا يحاول أن يختلط بأحد ولا أن يتعرف إلى غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل، أما وقت فراغه فهو مكب فيه على رياضة أو دراسة لهذا الوطن الجديد من حيث أهله ومناظره وخصائصه، أو مطالعة أو تلاوة لا يزيد على ذلك شيئًا مدة 40 يومًا كاملة.. وقد كان هدفي –يقول الإمام البنا– في هذه الفترة دراسة الناس والأوضاع دراسة دقيقة ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد، وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة: العلماء أولًا، وشيوخ الطرق ثانيًا، والأعيان ثالثًا، والأندية رابعًا.." (حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية - المكتب الإسلامي ط الخامسة 1983/1403 ص 60–63).

هكذا حدد الإمام البنا مكونات مجتمع الإسماعيلية تحديدًا واقعيًّا منهجيًّا.. فكيف تصرف معها لنأخذ نموذجين "العلماء والأعيان".

بالنسبة للعلماء كان في مجتمع الإسماعيلية فقيهان يتقاسمان الجمهور، هما الشيخ موسى والشيخ عبد السميع وبينهما خلاف حاد حول القضايا الخلافية البسيطة حددها الإمام البنا وحرص على ألا يطرقها في دروسه، فضمن حضور أتباع كل منهما، كما أنه تصرف معهما تصرف الداعية الحكيم حيث يقول: "فأما العلماء فقد سلكت معهم مسلك الصداقة والتوقير والإجلال الكامل، حرصت على ألا أتقدم أحدًا منهم في درس أو محاضرة أو خطبة، وإذا كنت أدرس وقدم أحدهم تنحيت له وقدمته إلى الناس وكان لهذا الأسلوب أثره في أنفسهم فظفرت منهم بالكلمة الطيبة.." (المرجع السابق ص 66).

وكان أعيان الإسماعيلية في هذا الوقت يمثلون فكرتين على إثر ذلك الخلاف الديني الذي أوجده خلاف المشايخ في بعض الآراء....

وكان لا بد للموظف الذي ليس من أهل البلد أن يتصل بأعيانها، وأن يغشى بيوتهم، وقد انقسم الموظفون الذين يتصلون بهؤلاء الأعيان إلى معسكرين تقريبًا.. ولكني كنت أشعر أن طبيعة الدعوة الشاملة.. تفرض عليّ أن أتصل بالطرفين معًا.. فكنت إذا دخلت بيت زعيم أحد الفريقين تعمدت أن أقول شيئًا عن منافسه فلان، وأنه لا يضمر له إلا الخير.. وأن من واجبهما أن يتعاونا على ما فيه مصلحة بلدهما.. وإذا سمعت من ينتقص أحد الفريقين في منزل الآخر رددت عليه بأن من الخير أن يكون واسطة التوفيق.. وأنه لا ضرورة للتورط في الغيبة وهي إثم كبير.. وبهذا الأسلوب استطعت أن أظفر بصداقة الطرفين واحترامهما جميعًا..." "المرجع السابق ص 69".

إن دعوة حسن البنا (رحمه الله) مثال فريد في فقه الواقع وإدراك مكوناته وحسن التعامل معها؛ ولذا قيد الله عز وجل لها كل ذلك النجاح الجماهيري الذي وصلته، ولنتصور لو كان حسن البنا مثل شباب الصحوة المستعجلين ماذا كان فاعلًا؟ سيدخل المسجد ويقف على الناس خطيبًا معلمًا ملهمًا لا يعرف من يخاطب ولا ما يحتاجه سامعوه، ولا انشغالاتهم ومشاكلهم، ولكان أول قصده هو التوجه إلى نفس القضايا الخلافية المتداولة فيطنب في الحديث فيها، وبذلك سيهمشه المجتمع فينعزل، أو على أقل تقدير سيجتمع عليه بضعة أفراد يصنع بهم "أتباعًا" و"إمعات" يزكي بهم واقع التفرقة والخلاف بين المسلمين بدل التأليف بينهم وجمعهم على الأهداف والمبادئ الكبرى وتجاوز الجزئيات والشكليات المختلف عليها.

إن فهم الواقع نصف الطريق إلى تبديله.

 

الرابط المختصر :