العنوان أوبك بين التهميش والانفضاض
الكاتب عبيد الامين الفكي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985
مشاهدات 60
نشر في العدد 742
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 19-نوفمبر-1985
التصريح الذي أدلى به مؤخرًا وزير النفط في دولة الإمارات العربية المتحدة د. مانع سعيد العتيبة كشف أبعاد التمزق الذي ظل يلاحق منظمة أوبك عقب ربيع 1981م، حيث أطلت مشكلة الاختلال بين العرض والطلب، مما جعل أسعار النفط في أحيان كثيرة خارج سيطرة المنظمة، ولقد علق د. مانع العتيبة على فحوى تصريحه بأنه ليس مجرد رأي شخصي بقدر ما هو موقف المنظمة في مؤتمرها الأخير في فيينا، والتصريح في مجمله دعوة صريحة لانفراط عقد أسعار النفط، حيث لكل دولة كامل الحرية في تحديد أسعار نفطها، والكيفية التي تعقد صفقات البيع بموجبها، دون أدنى التزام بالسعر الرسمي الذي تتبناه المنظمة.
وإذا ما صادقت المنظمة في مؤتمرها المزمع انعقاده في ديسمبر القادم على هذا الموقف؛ فإنها تدخل بذلك - ليس فقط في دوامة حرب الأسعار بين أعضائها - وإنما تدخل مرحلة الانفضاض، وتنهي بذلك ربع قرن من الزمان - هو عمر المنظمة - في سعي متواصل من أجل توازن كفتي ميزان الاقتصاد الدولي، فهل ابتدأت حقًّا مرحلة الانفضاض؟ على الرغم من تفاؤلنا تجاه المنظمة ومقدرتها الذاتية في تجاوز الأزمة، والأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة على السؤال: إلا أنه بات من المؤكد أن أيام أوبك العظمى قد ولت على حد تعبير الشاعر الدكتور مانع العتيبة:
أوبك العظمى فريق بدل اليوم ثيابه
لبس الضعف وأنى لضعيف من مهابة
صراع أوبك والمستهلك
ولد مفهوم النفط كورقة اقتصادية سياسية خطيرة إبان حرب أكتوبر 1973م، وبرز بالتالي دور المنظمة كقوة ضغط فاعلة على مجريات الأحداث السياسية الكبرى، مما حدا بالولايات المتحدة الأمريكية إلى تبني إنشاء وكالة الطاقة الدولية كرد فعل للقوى الاقتصادية السياسية التي تشكلها الأوبك، وبالطبع فالولايات المتحدة لا تريد لوكالة الطاقة الدولية مواجهة الأوبك فقط، وإنما تسعى - أي الوكالة - على تقويض قوى الأوبك، ومن ثم السيطرة التامة عليها، ولقد أثبتت الوكالة قدرة فائقة في خلخلة مواقف وخطط منظمة الأقطار المصدرة للنفط «أوبك»، وجردتها ابتداء من قدرتها على استخدام النفط كسلاح مؤثر ضد الدول المستهلكة للنفط - وعلى رأسها أمريكا ودول أوروبا الغربية - ولقد اعتمدت في تهميش المنظمة وتحطيم قواها على الآتي:
1- تنمية المصادر المحلية البديلة للنفط، فقد ازدادت أهمية مصادر الطاقة البديلة للنفط عقب الارتفاع الهائل في أسعاره، مما جعل مصادر مثل الفحم والماء أقل تكلفة من النفط، كما أن تطوير استخدام مثل هذه الطاقة المحلية له مردود اقتصادي آخر، يتمثل في إتاحة مزيد من فرص العمالة، ويقلل بالتالي من أعباء الدولة تجاه مشكلة البطالة، فارتفع معدل النمو السنوي للطاقة غير النفطية من 2.5% عام 73 إلى 6.1% عام 1980م.
2- تطوير وتشجيع الاكتشافات النفطية خارج دول المنظمة، ودفع هذه الدول إلى الوقوف في خط متوازٍ مع المنظمة؛ حتى أصبح إنتاج الدول خارج الأوبك يصل في سبتمبر إلى 1984م إلى 11 مليون برميل/ يوميًّا، عدا دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «أوكاد» التي بلغ إنتاجها 16.5 مليون برميل/ يوميًّا.
3- مقدرة وكالة الطاقة الدولية في تحديد ميدان المعركة، وذلك من خلال طاقتها الهائلة على السيطرة على السوق، خاصة عندما أوهمت المنظمة بأن الغرب متعطش للنفط بدرجة تفوق الاستهلاك الطبيعي بنسبة 100%، عندها بلغ إنتاج المنظمة 32 مليون برميل/ يوميًّا، واستطاعت بذلك زيادة احتياطيها من المخزون النفطي مما تحول بموجبه قدرة التحكم في أسعار النفط من المنظمة إلى وكالة الطاقة الدولية.
4- زرع المشاكل بين أعضاء المنظمة، وممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية تجاه الأعضاء الأضعف، خاصة تلك التي تعاني من مشاكل اقتصادية مزمنة كما هو الحال مع نيجيريا والإكوادور، أضف إلى ذلك الحرب الإعلامية التي تشنها ضد المنظمة، وزعمها بأن جل الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية جاءت نتيجة لمواقف الأوبك المتصلبة، مما أحدث الغلاء العالمي ومشاكل التضخم والركود الاقتصادي، ولقد عبر وزير النفط في دولة الإمارات العربية د. مانع سعيد العتيبة عن ذلك في إحدى قصائده «النفطية»:
أي جدوى من جهاز زرعوا فيه اضطرابه؟
يا رقيب السوق مهلًا نفطنا يشكو ذئابه
واتهامات قريب لم يصن عهد القرابة
لكل هذه العوامل كانت منظمة الأوبك كثيرة الاجتماعات والمؤتمرات لا تهدأ لها قرارات حتى تخرج بعض أعضائها على تلك المقررات، ولقد ابتدعت نظام حصص الإنتاج، وتحديد سقف له من أجل أحكام سيطرتها على نظام الأسعار، وعلى الرغم من أن الالتزام بالأسعار المحددة لم ينفذ باستمرار بالتزام تام، إلا أن ثمة حد أدنى ظلت المنظمة تحتفظ به من أجل البقاء، فإذا جاء اليوم الذي ينفرط فيه هذا الحد الأدنى، فهل يبقى الالتزام بنظام الحصص والالتزام بسقف الإنتاج؟، من الصعب أن يحتفظ الفرع بوجوده عند ذهاب الأصل، غير أن انفراط عقد الأسعار يعني الكثير للدول المصدرة للنفط.
انفراط الأسعار وآثاره
استطاعت المنظمة خلال العام الحالي إبداء مقدرة والتزام فائق في مواقفها تجاه سقف الإنتاج، فقد تمكنت من تخفيض إنتاجها اليومي من 16 مليون برميل إلى 14.5 مليون برميل، وكان من المتوقع أن يدفع هذا التخفيض إلى مزيد من الطلب على نفط المنظمة؛ إلا أن هذا الأمل خاب تمامًا عندما انخفض مستوى الطلب العام على النفط بنسبة 2% عن العام السابق، مما جعل كثيرًا من أعضاء المنظمة يخرج عن حدود التململ من نظام حصص الإنتاج القاسي إلى الرفض المعلن للنظام، خاصة أن كثيرًا من الأعضاء يعيشون ظروفًا اقتصادية صعبة مثل دولتي الحرب - العراق وإيران - ودول ذات مديونية عالية – نيجيريا والإكوادور وليبيا، ودول ذات التزامات عالية تجاه التنمية كالسعودية.
ولذا فإن انفراط نظام الأسعار يعني أيضًا انفراط نظام الحصص الإنتاجية لكل عضو، مما يتحتم معه انخفاض أسعار النفط، ومن ثم مزيدٌ من انخفاض الدخول لدول المنظمة، ويتوقع بعض المراقبين انخفاض سعر البرميل إلى 18-15 دولارًا، وهذا يعني أن دخول دول الأوبك قد تنخفض إلى 50% من دخولها في الأعوام الثلاث الماضية، وإذا أضفنا إلى ذلك الانخفاض الذي يشهده الدولار حاليًا؛ فإن دول الأوبك ترتفع فيها نسبة الانخفاض بنفس نسبة انخفاض الدولار، وينطبق ذات الوضع على الدول العربية داخل الأوبك، حيث انخفض دخلها عام 1984 إلى 148 مليارًا بدلًا من 203 مليار دولار عام 1983م ليصل إلى 106 مليار دولار هذا العام «توقع المنظمة».
خاتمة
إن الأوضاع المتردية التي تعاني منها منظمة الأوبك ترتبط ارتباطًا عضويًّا بنوعية الأحداث والأوضاع التي تعاني منها دول العالم الثالث قاطبة، كما أن الثقل العربي والإسلامي داخل المنظمة يعطيها وضعية ذات أبعاد سياسية لا تغفلها الدول الكبرى عند التعامل معها، ولقد تأكد أن الدول الغربية الكبرى لا تريد من يشاركها القرار في أوضاع العالم، وبالرغم من أن المنظمة على علم تام بما يدار خارج أروقتها، إلا أن بداية تصحيح أوضاعها تكمن في اتخاذ إستراتيجية جديدة ومتعددة الأطراف تتصل فيها قضايا الإنتاج بقضايا الأسعار، كما لا تغفل استثمار الفوائض، والتنسيق في إنتاج وتسويق المنتجات البتروكيماوية، أضف إلى ذلك إصلاح الوضع التسويقي، وفك الارتباط الوثيق مع الدولار كما ذكرنا كثيرًا، ونوه بذلك مؤخرًا د. علي عتيقة أمين عام منظمة الأوبك، والتحول إلى سلة عملات، هذا إذا كبحنا جماح طموحنا للدينار العربي كعملة رئيسة لبيع النفط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل