; أهم من المشاركة... نظرة إلى بعيد | مجلة المجتمع

العنوان أهم من المشاركة... نظرة إلى بعيد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1973

مشاهدات 15

نشر في العدد 135

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 30-يناير-1973

    ·       جبهة متحدة أمام الشركات

    ·       جيش من الكفاءات الفنية

    ·       فصل خطط التنمية.. عن العائد المباشر

    ·       الاحتفاظ بالثبات النفسي.. لآخر لحظة

تجاوز نيكسون ومستشاره كيسنجر في شؤون الشرق الأوسط فنصح الأخير وأشار بأن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة لن تتعرض لخطر ما..

وسبب كيسنجر رأيه هذا بسببين:

  • الأول: أن الدول العربية المصدرة للنفط لا تملك الكفاءات الفنية اللازمة للتنقيب عن البترول واستخراجه وشحنه وتسويقه.. وحاجتها إلى الخبرة الفنية ستظل قائمة ومطلوبة.
  • والسبب الآخر: أن خطط التنمية في هذه البلدان مرتبطة ارتباطا مباشرا بعائدات البترول المباشرة.. ولا يبدو أن هذه الدول مستعدة لعرقلة خطط التنمية فيها.. ومن هنا فإن الانتظار الدائم لعائدات البترول لإدخاله في ميزانية المشاريع الإنتاجية والاستهلاكية.. يمثل ضمانة أخرى لمستقبل الغرب في المنطقة!

نورد هذه الحقائق بين يدي التعليق على اتفاقية المشاركة لكي نعين التفكير العربي على الرؤية الأبعد.. وعلى تغيير اتجاه المناقشة أو نقلها من دائرة الشعارات والمكايدات السطحية.. إلى مجال الدراسة العميقة.. والتحليل الشامل.. وتقدير المصلحة العليا للبلاد.

إن الناس يختلفون على كل شيء.. نعم.. وهذا شيء طبيعي.. نظرا.. للتفاوت في وجهات النظر والمؤثرات في تكوين الرأي.. ولا نطالب بنظرية «الإجماع» التي رفعت كشعار خرافي سنين طوالا في العالم العربي.

إجماع.. على كل قرار.. وإجماع.. على كل خطوة! هذه الطريقة ليست تحكما باطلا لمصادر القرار والرأي فحسب.. إنها كذلك إعدام جماعي للوجود الأدبي والمعنوي لشعوب المنطقة.

ولكنا نطالب بإلحاح أن يكون الخلاف مخلصا رفيعا مثمرا.. متسابقا نحو الأفضل والأجدى.

يختلف الحزبان الديمقراطي والاشتراكي في ألمانيا.. حول الانفتاح المطلق.. أو الجزئي على الجانب الخاضع للسيطرة الروسية من أوروبا الشرقية.. ومحور الخلاف هو مصلحة ألمانيا أولا وأخيرا.

ويختلف حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا.. مع حزب العمال المعارض حول دخول بريطانيا للسوق الأوروبية المشتركة.

وكل حزب منهما يحمل ملفات هائلة من المبررات والأسباب التي تدعم موقفه ووجهة نظره.

ومحور الخلاف هو مصلحة بريطانيا أولا وأخيرا.

أما عندنا.. فإن الاختلاف حول قضية ما يغلب عليه طابع الكيد السياسي.. والولع بالشعار قبل تقدير المصلحة، ومنطق الرفض بلا وعي.. أو منطق القبول بلا ذكاء..

وفي قضية كبرى- قضية البترول- تتصل بثروة هائلة ترقد في باطن أرضنا.. يؤدي الارتجال أو اللعب بالشعارات إلى مخاطر شديدة الوطأة.. شديدة التدمير.

إننا ندعو كل وطني مخلص أن يجرد هذا الموضوع ويحميه من لعبة الشعارات.. وصراع الأهواء.

لماذا؟!

لأن البترول مصدر رئيسي اليوم وغدا- من مصادر الدخل القومي.. وتناول شؤونه بعقلية لا مسؤولة إنما هو استخفاف ولعب بمقدرات البلاد.. وركائزها الاقتصادية.

ولأن أصحاب الشعارات أنفسهم حين يجد الجد يتخلون عنها أمام الحقائق المرة..

وزير سابق من دولة عربية حكى: أنه منذ سنوات اجتمع وزراء المالية والاقتصاد النفط في العالم العربي- وكان من بينهم من حمل طويلا- تبعا لدولته شعار تسخير البترول لصالح المواقف السياسية.. فلما وصل الاجتماع إلى نقطة «الدعم المالي» رفع حملة الشعارات شعارا جديدا وقالوا: البترول سلاح إيجابي يجب أن نقدم به أنفسنا ماليا ولا نغامر به في معترك الصراع السياسي!!

ولأن إسرائيل تستغل أي بادرة غير مسؤولة تتعلق بالبترول في العالم العربي- وتحيلها إلى بلدان أسواق النفط معززة بتحليل يهودي يقول: هذا هو استهتار العرب بمصالحهم ولعلكم اقتنعتم الآن بأن حماية مصالحكم البترولية في الشرق الأوسط مرتبطة بدعم إسرائيل وتأمين وجودها!!

هذا الإطار العام من التفكير نقترح أن يكون أمام مسؤولينا وإعلامنا أثناء تناول موضوع البترول.

وفي ضوء هذه الرؤية العامة.. ننظر إلى اتفاقية المشاركة.. ونتجاوزها إلى حلول جذرية.. أصيلة.

فأهم من تفسير الحدث وتحليله أن نستفيد منه في المستقبل وبالترتيب المنطقي- يجيء هذا السؤال:

ما البديل للمشاركة؟

البديل.. احتمالان.. أو حلان:

  • التأميم
  • أو المطالبة بمزيد من المكاسب للدول المصدرة للنفط

أما الحل الأول.. فليس من العقل ولا من المصلحة المناداة به أو تطبيقه.. فالتأميم بصفة عامة قد أوقع العالم العربي في البؤس والشقاء.. ابتداء من الثروات الرئيسية وانشغاله بالحيوانية الصغيرة..

لقد اتضحت حقائق عجيبة بعد موجة التأميمات في العالم العربي.

اتضح أن السلطة تربط لقمة الخبز أو مصدر الدخل للناس بالولاء السياسي للنظام.. بمعنى أن الذي يعطي ولاءه للنظام يشبع- والذي يفعل غير ذلك يجوع- واتضح أن حماس الشيوعيين لموجة التأميمات كان مرده خدمة المصالح الروسية فالتأميم يدفع الدولة المحتكرة- بطريقة مباشرة- إلى التعامل مع الدول الشيوعية المحتكرة- واتضح أن التأميم كان محاولات مستمرة لمواجهة الأزمات المالية التي تعانيها- أنظمة التأميم.

ببساطة هي عملية استيلاء على الأموال لإنقاذ النظام من الإفلاس.. وهذا ما يفسر أن المؤسسات المؤممة قد أفلست.. وكسدت.

فهل يريدون هذا المصير للكويت؟

﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة: 126).

نجيء الآن إلى حل المطالبة بمزيد من المكاسب للدول المصدرة للنفط.

إن هذا الاتجاه ينبغي أن يكون حارا وملحا باستمرار فلا يشك وطني في أن ظلما كبيرا يقع على الدول العربية المنتجة للنفط.

إن الدولة مطالبة بمزيد من الضغط على الشركات إلى أبعد مدى ممكن.

إن البترول لنا.. ومرفوض تماما منطق الشركات التي تساومنا وكأنها شريك أصلي في ملكية آبار البترول!!

لماذا رضينا بـ 25% من امتياز النفط؟

لماذا لم تصعد النسبة إلى أعلى رقم ممكن 51% مثلا؟

لماذا كان مدى الاتفاقية خمس سنوات؟

لماذا؟ لماذا؟

ألأننا تعبنا من كفاح التفاوض؟ أم لأن الشركات تصلبت تماما في موقفها عند هذه النسبة؟

هناك مثل عربي يقول: «إذا كنت بليل فلا تكن أخوف السوادين».

أي إن السواد الآخر يخاف منك كما تخاف منه.

فلا تسبقه بخوفك.. بل احتفظ بثبات نفسك إلى آخر لحظة.

وهذا المثل ينطبق على موقفنا من الشركات.

إنها تخاف منا.. كما نخاف منها.

نحن نخاف أن تتخذ موقفا يؤذي مصالحنا.. وهي تخاف أن نتخذ موقفا يعطل مصانع بلادها أو يشل حركتها.. ويصيب البيوت والمكاتب بالبرد.

ولا ينبغي أن نكون أخوف السوادين.

لنحتفظ بثباتنا النفسي إلى آخر لحظة.. وإذا فعلنا ذلك سيتضح خوفها هي قبلا.. وهنالك تتحسن شروط التعامل معها.

بيد أن تجريد الموضوع وقصره على الجانب النفسي ينطوي على تبسيط لا نريد أن يستنتجه القارئ..

إن هذا الموقف لن يتحقق إلا بجملة من الشروط الموضوعية.. والعملية.

● في بداية الحديث أوردنا نقاط الضعف في الدول المصدرة للنفط.. وهي- كما ذكرها كيسنجر- ضعف أو انعدام الكفاءات الفنية.. وربط خطط التنمية بعائدات البترول المباشرة.

وأي مطالبة بمزيد من المكاسب الاقتصادية ينبغي أن تعالج- ابتداء- نقاط الضعف هذه.

ينبغي تكوين جيش الكفاءات الفنية العربية في كل فروع علم البترول.. التنقيب والاستخراج والشحن والتسويق.

وهذا يقتضي طرح قيام أقسام أو كليات أو جامعات بترولية في العالم العربي.

ولنحذر من احتكار الأجانب لبعض التخصصات الضرورية في هذا المجال فإنهم يعمدون دوما إلى تخديرنا ببعض العلم بينما يظل التخصص الفعال في أيديهم.

ولنبدأ.. اليوم قبل غد.. وفي خلال خمسة عشر عاما سيكون موقفنا- بإذن الله- أفضل آلاف المرات.. من موقفنا اليوم.

والخطوة الثانية هي فصل خطط التنمية بالتدريج وفكها من التعلق بعائد المشتريات كل عام.

ينبغي أن تكون هناك أموال مرصودة للتنمية- إنتاجية واستهلاكية- تشبع حاجتنا عشر سنوات على الأقل.

وفي الإمكان ذلك.. عن طريق اقتصاد الدولة في النفقات.. وتشجيع رؤوس الأموال الوطنية للاستثمار المحلي.. وهناك ألف وسيلة تجعل هذا الأمر ممكنا.

أما وضع مصير خطط التنمية في جيب الشركات.. فهذا يمثل مصدر خوف دائم.. ومع الخوف الدائم يكون الظلم الدائم.

● وينبغي أن نواجه الشركات بجبهة قوية متحدة أن الشركات تلتهمنا فرادى ومتفرقين.

أما حين نتكتل ونتحد فإن حلقها لا يتسع لابتلاعنا.

إن الشركات مطمئنة جدا لأنها حين تحرم البترول من بلد ما تستطيع أن تحصل عليه من بلد آخر..

وهذا يجعلها في موقف قوي والمطلوب أن ننتصر نحن على أنفسنا- بالتعاون والاتحاد والموقف الموحد- قبل الانتصار على الشركات.

فإنها لا تستفيد من قوتها بقدر ما تستفيد من ضعفنا والثغرات الواسعة في صفوفنا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

415

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 9

151

الثلاثاء 12-مايو-1970

البترول في المعركة

نشر في العدد 9

152

الثلاثاء 12-مايو-1970

صحافة - العدد 9