; دروس من التجربة (5) أهمية وضع البرامج العملية والتأصيل النظري | مجلة المجتمع

العنوان دروس من التجربة (5) أهمية وضع البرامج العملية والتأصيل النظري

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000

مشاهدات 117

نشر في العدد 1399

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 09-مايو-2000

■ يمارس بعض الإسلاميين نشاطهم بنفسية غير القادر على الوصول إلى الحكم فينصرف عن متابعة شؤون الحياة.

■ ركَّز الشهيد سيد قطب على البدء بحاكمية الإسلام بدلا من الافتراض بأن الحكام مسلمون.

■ تقود فكرة «الحاكمية» إلى العزلة عن المجتمع وعدم المشاركة فيه بينما نجد أن الرسول r تعامل مع مشكلات المجتمع المكي الكافر وشارك في حل بعضها.

من أهم دروس التجربة السودانية ضرورة الاستعداد لمواجهة مشكلات الحكم والإدارة بجهود كاملة على محورين:

الأول: النظرية الفكرية للحكم والإدارة.

الثاني: البرامج العملية التي تواجه مشكلات الحياة المتجددة والمتغيرة، فقد لاحظ البعض مدى الحاجة إلى هذا الاستعداد المبكر، ونتج عن عدم الاستعداد تخبط ظهر بعض آثاره على بعض المجالات سياسيا، اقتصاديا، عسكريا، وأمنيا.

وما زلت أذكر إبان الفرحة الأولى عند إخواننا السودانيين عقب استقرار الأوضاع وإطلاق سراح الدكتور الترابي حديثه إلينا في الخرطوم الذي شابه مع الفخر والزهو شعور بالقلق بسبب قوله: إننا لم نستكمل بعد التأصيل النظري لكافة مجالات الحياة.

رصد خصوم الإسلام هذا التخبط وضخموه في النواحي المختلفة.

اقتصاديا: فقد تم تحريم الاتجار بالعملات الأجنبية إلى الحد الذي قضى فيه بإعدام شاب نصراني، ثم حدث تحول إلى إباحة تجارة العملات، فمن يتحمل وزر دم هذا الشاب؟!

وغير ذلك من السياسيات التي أدت في النهاية إلى وضع اقتصادي صعب يعاني منه كافة المواطنين السودانيين.

سياسيا: حدثت تحولات لعلها لم تكن مُرَتَّبة من قبل في السياسات الداخلية والخارجية.

داخليا: تم حظر الأحزاب بحسم مع رغبة في إدماج أنصارها في حزب واحد جاء في زمن انتهى فيه نظام حكم الحزب الواحد أو كاد، ثم جاء قانون التوالي السياسي ثم ألغي وجرى السماح للأحزاب بالعمل بحُرية.

وخارجيا: الاضطراب الشديد بين سياسة تحاول لعب دور إسلامي عالمي إلى امتناع عن ذلك، ومحاولة التأثير في المجال الإقليمي ثم الرضوخ للضغوط من أجل تحسين العلاقات مع دول الجوار.

أمنيا: سيطر الهاجس الأمني وتم رصد عدة محاولات انقلابية كان أخطرها تلك التي حاول القيام بها البعثيون، وتم إعدام 28 ضابطا عسكريا، ولم يرحب بذلك أحد من الإسلاميين.

عسكريا: تبنت الثورة خطة عسكرية لحسم مشكلة الجنوب عسكريا، وتحريكها في طريق الحل السياسي، ورفعت شعارات الجهاد في الحرب ثم اكتشفت صعوبة الحسم العسكري إن لم يكن استحالته فتم تنشيط الجهود السياسية مع الإقرار بأن وضع الحكومة التفاوضي تحسن كثيرا عن ذي قبل.

وللاستفادة من نقد الخصوم عملا بنصيحة الإمام أبي حامد الغزالي القيمة في الإحياء:

نقول: إن هذا التخبط يمكن أن يتم تفسيره بأحد تفسيرين:

الأول: منحاز للحكومة ومبرر لتصرفاتها فيدعي أن ذلك كله كان وفق خطة سابقة التجهيز، وأن ما ظهر للناس هو فقط إخراج هذه الخطة إلى حيز التنفيذ، ونتمنَّى أن لو صدق هذا التبرير، إلا أن الواقع يكذبه، والاختلافات الحادة حاليا توضح أن هناك تباينا كبيرا في وجهات النظر مما ينبئ أن الأمور لم تكن محل اتفاق مسبق.

الثاني: واقعي يرى الأمور على حقيقتها فيزعم أن ذلك كان اضطرابا حقيقيًّا ودلائله على ذلك كثيرة.

  1. أن القول بالاستعداد للانقلاب من فترة بعيدة لا يمنع أن الخروج للعمل الانقلابي كان مباغتا للحركة الإسلامية فرضته الظروف الصعبة التي كان السودان يواجهها حينئذ نتيجة وصول طلائع الحركة الشعبية وجيشها إلى مشارف الخرطوم ثم استبعاد الجبهة القومية الإسلامية من الحكومة الائتلافية.

  2. تصريحات الدكتور الترابي سالفة الذكر.

  3. استدعاء الإسلاميين المقيمين بالخارج عقب الانقلاب بفترة للقيام بتسلم مهام في الحكم والإدارة، ولو كان الأمر مُعدًّا له من قبل لتَّم استدعاؤهم مبكرا، (يمكن أن يقال إن الاستدعاء كان مرتبا وتم الانتظار حتى تستقر الوضاع).

  4.  إن التخبط حدث في الواقع ومحاولا تفسيره بأن ذلك معد من قبل ادعاء يحتاج إلى دليل وبرهان.

  5. ويبقى بعد ذلك البحث عن سبب هذا الاضطراب وجذوره في فكرة الحركة الإسلامية.

لماذا لا نستعد مبكرا؟

قبل الحديث عن الجانب الفكري لا بد أن نتناول ناحية نفسية إذ يخيل إليَّ كثيرا أن

 بعض اليأس قد تطرق إلى نفوس بعض العاملين للإسلام -اليأس من أن يحكم الإسلام أو أن يحكموا هم -وذلك الشعور النفسي يجد طريقه -إلى بعض النفوس رغم مصادمته لحقائق الإيمان لأسباب، منها: طول الطريق ووعورته، وشدة المحن المتعاقبة.

ومنها: الامتداد الزمني الطويل للحركة الإسلامية وعدم تحقيقها هدف الوصول للحكم إلا استثناء في بعض البلاد.

ومنها: قِصَر عمر الأفراد قياسا لعمر الدعوات والدول.

ومنها: سطوة أجهزة الدولة القطرية الأمنية والمخابراتية فضلا عن ترسانتها العسكرية وقسوة البطش بالمخالفين.

ومنها: كآبة المنظر الدولي الذي يحاصر أي فكرة إسلامية ويعمل على إجهاض أي مشروع إسلامي وتهميش أي دولة إسلامية.

لذلك: يمارس الإسلاميون نشاطهم الإسلامي دعويا وتربويا واجتماعيا وسياسيا بنفسية غير القادر على الوصول إلى الحكم أو الاستمرار فيه.

لذلك: ينصرفون عن أي متابعة جادة لشؤون الحياة من حولهم يأسا من محاولة إصلاحها أو تغييرها.

ومع أن ذلك يتصادم مباشرة مع الشعور بنفس الواثق في نصر الله، الآمل دوما في النتائج، والذي يجب أن يسود أوساط العاملين للإسلام ولنستمع إلى الإمام الشهيد حسن البنا وهو يقرر تلك الحقيقة في رسالته «دعوتنا في طور جديد» ويتحدث عن يقظة الروح، الإيمان والعزة والأمل ويتكلم عن الأمل فيقول: "وقذف (أي رسول الله r) في قلوبهم (أي الصحابة) أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق معتزين بانتسابهم إليه، فإن الله معهم يعينهم ويرشدهم وينصرهم ويؤيدهم ويمدهم إذا تخلى عنهم الناس، ويدفع عنهم إذا أعوزهم النصير وهو معهم أينما كانوا.

ونتج عن هذا الشعور النفسي المحبط سلوك يميل إلى العزلة عن المجتمع، ويتقاعس عن المشاركة في أي نشاط سياسي.

بل لقد أمعن النظر في الغلو حتى انتهوا إلى تحريم المشاركة في الانتخابات كافة أو النيابية خاصة واشتد الغلو إلى حد تكفير المجتمع كله والسعي إلى الهجرة منه، ولم يتساءلوا إلى أين يهاجرون؟!!

الإمام البنا والمشاركة الإيجابية

تميز موقف الإمام البنا من المجتمع بعدة ميزات:

  • فهو اعتبر الناس مسلمين والمجتمع إسلاميًّا.

  • ورفض تكفير الحكومات وظل يدعوها جميعا إلى تطبيق أحكام الإسلام.

  • وقدم مقترحاته للإصلاح الجزئي في كافة المجالات.

  • ووضع منهجا شاملا للتغيير بعيد المدى في المجتمع والناس.

ونظم المستجيبين للدعوة ليبدؤوا بأنفسهم، وبيوتهم والمحيطين بهم.

يقول البنا: «ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا.. ونحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا».

ويقول: «هذا الخور أو النسيان أو الغفلة أو النوم أو قل فيه ما شئت هو الذي جعلنا نحاول أن نوقظ مبدأنا وهو المبدأ المسلم به من قومنا في نفوس هؤلاء القوم المحبوبين».

وقد جمع البنا مقالات عدة تحت عنوان «هل نحن قوم عمليون؟» تحدث فيها عن مشاريع للإخوان المسلمين في القرى والبلاد.

وتحدث عن المهمة العملية الأهم والأشق وهي عداد الرجال وقال: «إن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضتها، وإن تاريخ الأمم جميعا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات».

وساهم برأيه في كافة القضايا المطروحة على الساحة، محليا القضية الوطنية، والعمل من أجل الاستقلال، عربيًّا: قضية فلسطين، إسلاميًّا مناصرة الشعوب الإسلامية في قضايا التحرر الوطني.

ولم يكتف بذلك بل قدم في رسالة «نحو النور» برنامجا شاملا للإصلاح الداخلي في كافة المجالات وقد قام الأستاذ عمر التلمساني -يرحمه لله- بشرحها شرحا مختصرا، وكان ذلك في رجب 1364هـ الموافق 1945م وأصل الرسالة خطاب تم توجيهه وإرساله إلى:

  • الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان آنذاك.

  • مصطفى النحاس باشا رئيس حكومتها حينذاك.

  • ملوك وحكام بلدان العالم الإسلامي المختلفة.

  • عدد كبير من كبار البارزين في هذه البلدان من ذوي الصفات الدينية والدنيوية.

وفي الناحية السياسية والقضائية والإدارية قدم عشر مقترحات، وفي الناحية الاجتماعية والعلمية قدم 30 مقترحا، وفي الناحية الاقتصادية تناول عشر مقترحات.

وكلها اقتراحات تفصيلية تهدف إلى إصلاحات عملية كلية وجزئية، والمتأمل فيها جميعا يجد أنها ما زالت صالحة التطبيق بل إن بعض الحكومات المتعاقبة تبني بعضها في الواقع وإن أفسده سوء التطبيق. ونظرا لأهمية التأصيل الفكري والاقتصادي قام بوضع رسائل جمعها تحت عنوان «مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي» وجهها أيضا إلى رئيس الحكومة وإلى أعضاء الهيئات النيابية باعتبارهم الدعاة الرسميين لنظام الإسلام، وإلى رؤساء الهيئات الشعبية والوطنية والاجتماعية باعتبارهم قادة الفكر وموجهي الجماهير.

بل وجهها إلى كل محب لخير العالم وسيادة بني الإنسان، أداء للأمانة وتكلم فيها عن قضيتين:

  1.  قضيتنا الوطنية وكيف تحل في ضوء التوجيه الإسلامي.

  2.  وحدتنا في ضوء التوجيه الإسلامي.

ثم تحدث عن نظام الحكم والنظام الاقتصادي بتفصيل شديد، بين فيه الأسس والركائز ولم ينس التفاصيل والبرامج.

واستمر الإخوان المسلمون على هذا النهج القويم فقدموا في بدايات أعوام الثورة مشروعا كاملا لدستور البلاد وكانت معارضتهم القوية لمعاهدة الجلاء سببا في الفراق الكامل بينهم وبين قيادة الثورة.

وفي المجال الإسلامي والعربي لم يكتف حسن البنا باستصراخ المسلمين ضد العدو الصهيوني، بل شارك مع كافة الفصائل الوطنية والإسلامية في تشكيل اللجنة العربية العليا لإنقاذ فلسطين وأعد الكتائب المسلحة التي شاركت في الجهاد ضد الصهاينة على أرض الرباط المقدسة والجميع يعلم إلى أين انتهت هذه الجهود، وكان حسن البنا بحق شهيد فلسطين.

كيف تم تغيير هذا المنهج؟

لقد كان للتحول الفكري الهائل في حياة الشهيد سيد قطب أثر بالغ في الحركة الإسلامية، فقد ساهم قلم الأديب والابتلاء الشديد الذي تعرض له وانتهى باستشهاده في شيوع أفكاره بصورة قوية في الأجيال التي انضمت للصحوة الإسلامية في بداية السبعينيات وما زالت تتردد أصداؤها الآن.

ولا بد لنا من دراسة هذا التحول الفكري ومراحله بصورة تفصيلية ومعرفة المؤثرات التي ساهمت في صياغة أفكار الشهيد سيد قطب.

ولكننا نقتبس منه هنا كلاما واضحا لا لبس فيه، يرفض بكل قوة أي محاولة لتقديم برامج عملية أو مناهج إصلاحية لمعالجة مشكلات الواقع ويرد ذلك في النهاية إلى موقف فكري واضح محدد، حيث يقول: «وحركات البعث الإسلامي» اليوم هي مفترق الطرق، ونقطة البدء الصحيحة في الطريق الصحيح، هي ان نتبين الشرط الأساسي لـ «وجود» الإسلام اليوم قد توقف، وألا تفزع لهذا التقرير الخطير، ولا يتعاظمها الأمر، فتحجم عن رؤيته أو الجهر به، وأن تعلم أنها تستهدف إعادة إنشاء الإسلام من جديد أو بتعبير أدق ردّهُ مرة أخرى إلى حالة "«الوجود»  بعد أن توقف هذا الوجود فترة.

هذا طريق، والطريق الآخر أن تظن هذه الحركات -لحظة واحدة- أن الإسلام قائم، وأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين هم فعلا «مسلمين» وأن الأوضاع «العلمانية» السائدة في الأرض هي أوضاع «إسلامية» كالوضع الذي أقامه أتاتورك والأوضاع التي سارت على نسقه (العدالة الاجتماعية في الإسلام طبعة ثامنة سنة 1968م الفصل الأخير).

"في مفترق الطرق"

ويقول في كتاب (الإسلام ومشكلات الحضارة ط 1967م) الفصل الأخير: طريق

الخلاص «وأما معرفة كيف يواجه المجتمع الإسلامي الحياة الحاضرة، وكيف يتصرف في أوضاعها القائمة -وعلى الأخص صياغة هذا في قالب فقهي مقنن- فهذا ما أعتقد أن كل كلام فيه -في غير الإطار العام- سابق لأوانه، بل أشبه شيء باستنبات البذور في الهواء!».

ويقول: «إنه عبث مضحك أن نحاول مثلا إيجاد أحكام فقهية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا أو روسيا، فأمريكا وروسيا كلتاهما لا تعترف ابتداء بحاكمية الإسلام.

وكذلك الحال بالنسبة لأي بلد لا يعترف بحاكمية الإسلام.

وكل فقه يراد تنميته وتطويره في وضع لا يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام، هو عملية استنبات للبذور في الهواء، هو لا يليق بجدية الإسلام!» انتهى.

وهكذا سيطرت فكرة البدء بحاكمية الإسلام والسعي نحو إقناع الحاكمين بقبول هذه الحاكمية بدلا من افتراض انهم مسلمون فعلا لكنهم غافلون أو تتحكم فيهم الأهواء والمطامع فإن لم يقبلوا صراحة بهذا الوضع فإن الحل يكمن في مواجهتهم وإزاحتهم أو لا حل آخر إلا بالصبر ويؤدي هذا النهج الجديد في التفكير إلى:

  • عزلة حقيقية أو شعورية عن المجتمع ومشكلاته.

  • انصراف كامل عن تقديم أي جد للإصلاح.

  • عدم مشاركة في أي نشاط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي لأنه سيصيب في النهاية ترقيع الوضع القائم أو تقويته، وهذا ما قاله صراحة الأستاذ محمد قطب في كتابه «واقعنا المعاصر» حيث قال: «والمحذور الثالث: وقد أشرنا إليه من قبل، هو الدخول في تفصيلات الحلول العملية» للمشاكل القائمة اليوم من أجل إثبات أن النظام الإسلامي ليس قادرا فقط على حل المشكلات المعاصرة، بل إنه يقدم الحل الأفضل!".

وفي إطار استعراضه للصحوة الإسلامية وجهد الإمام الشهيد حسن البنا يقول منتقدا:

«وكما حدث التعجل في دعوة الجماهير للتجمع، وفي التحرك بهذه الجماهير قبل الأوان المناسب، حدث كذلك في عملية البناء ذاتها، فلم تبدأ من نقطة البدء اللازمة بل تجاوزتها إلى ما سيجيء بعدها في الترتيب».

لقد اعتبرت قضية العقيدة قضية بديهية وقضية منتهية، وكل ما ينبغي علينا بشأنها هو إيقاظ الوجدان الديني من غفوته، وتحويله -بالعمل- إلى حركة واقعة، فيستقيم الأمر، وتتحقق الأهداف (ص419 الطبعة الأولى).

ويتناول في كتابه نفسه «منهج الحركة» فاعترض بشدة على الاتجاه نحو العنف والانقلابات العسكرية، كما اعترض بدرجة أقل على المشاركة في الانتخابات البرلمانية وعدد المزالق التي تنتج من اتخاذ هذه الخطوات وأرجعها إلى قرار الشيوخ الذين أجهدهم المشوار والضربات المتوالية وعزا الاتجاه إلى رغبة في تحاشي الاصطدام بالسلطة فقال: "إنه تفكير ساذج رغم كل ما يقدم لبعض المبررات وفق ذلك فهو يحتوي على مزالق خطيرة تصيب الدعوة في الصميم، مزلق عقدي، تمييع القضية بالنسبة للجماهير، أن لعبة الدبلوماسية كما أثبتت تجارب القرون كلها لعبة يأكل القوي فيها الضعيف... «باختصار» ص465.

ثم قام بالرد على الفريق الثالث الذي يتبنى التفكير العلمي و«الدراسات العلمية» وركز في رده على افتراض أن أصحاب هذا الاتجاه إنما أن يريدون أن يجذبوا الناس إلى الإسلام عن طريق معرفة الحلول الإسلامية لمشكلاتهم، فقام بتنفيذ هذا الافتراض مبينا أنها قضية عقيدة، وكفر وإيمان، جنة ونار وليست قضية «الحل الأفضل».

ونسي الأستاذ محمد قطب أن عامة المسلمين يبحثون في الواقع عن حلول لمشكلاتهم التي يواجهونها وأنه من العبث أن نقول لهم لا تتعاملوا مع الواقع لأنه حرام، ونسكت او نتركهم ليتعاملوا مع المشكلات باجتهاداتهم الفردية أو ندعهم وشأنهم لا نلتفت إلى حساسيتهم الدينية التي غرستها الدعوة في نفوسهم تجاه الحلال والحرام فنتركهم يتعاملون مع الحرام فتفقد الدعوة آثارها في نفوسهم.

وحتى وفق هذا التفكير فإن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع مشكلات المجتمع المكي الكافر الذي لا يختلف اثنان على كفره.

-فقد شارك قبل البعثة في حل مشكلة وضع الحجر الأسود في بنيان الكعبة

-وهو تمنى بعد الهجرة أن لو شارك في «حلف الفضول» لنصرة المظلومين في مكة.

-وهذا المنهج يرى الطريق طويلا جدًّا جدًّا، ويتسرب اليأس بين كلمات رواده حول الوصول إلى حكم إقامة الإسلام في الأرض.

لكننا من الناحية العملية الواقعية نرى الحركة الإسلامية حسمت كثيرا من المقولات النظرية ثم انطلقت إلى الميدان العملي كما قدمنا عند الحديث عن منهج الأستاذ البنا.

فهو حكم للناس بالإيمان، ولم يخرج الحكومات من دائرة الإسلام ودعا إلى المشاركة النشطة الواعية، وقدم الحلول والاقتراحات وقال بوضوح مبينا أهمية المشاركة البرلمانية.

«أما وسائلنا العامة، فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر حتى يفقهها الرأي العام، ويناصرها عن عقيدة وإيمان، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكر الإصلاح، ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية».

وقد تقدم منذ بداية هذه الحلقات أن درس التجربة السودانية البليغ هو أن الوصول إلى سدة الحكم ممكن وقد يأتي فجأة نظرا للظروف المحيطة وأن التخلي عن الفرصة أو تضييعها تفريط في حق الأمة وحق الدعوة خاصة إذا كان السبب أننا لسنا مستعدين فكيف يكون الحال إذا كان عدم الاستعداد هو نتيجة قرار خاطئ وليس نتيجة تقصير؟!.

نقطة أخرى لا بد من الالتفات إليها وهي أن دور الدولة المتضخم صار يتضاءل وأن دور المجتمعات إلى تزايد وتصاعد وأن العالم يتجه إلى تعظيم المجتمع المدني أو الأهلي في حل مشكلاته، وأن هذا الاتجاه يتفق إلى حد كبير مع الدور الذي لعبته الأمة الإسلامية على مدار التاريخ في الحفاظ على الإسلام، عقيدة وفكرة، وسلوكا وممارسة في حين ابتعدت عنه النظم الحاكمة.

إذن نحن أمام منهجين في التفكير كل منهما يستند إلى أساس نظري يبني عليه مواقف عملية.

وقد اختارت الحركة الإسلامية البقاء على منهج الإمام الشهيد حسن البنا وقامت بالتجديد بناء على أصوله.

-فوقفت في وجه دعوات التكفير للناس أو التوقف في الحكم على إيمانهم وصدرت رسالة «دعاة لا قضاة» للمرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي رحمه الله.

وفاصل من رفض هذا الثبات على الأصول الفكرية لمنهج الإخوان المسلمين.

-وتبنت -بناء على ذلك- مبدأ المشاركة النشيطة في الحياة العامة، جهادا في سبيل الله، ورغبة في خدمة الناس، فالتحمت بالطلاب من خلال الاتحادات الطلابية، وتبنت قضايا المهنيين في النقابات المهنية، واختارها الناس في المجالس المحلية والبلديات وتشرفت بتمثيل الأمة في البرلمانات والمجالس النيابية، وشاركت في بعض الحكومات الائتلافية.

-وظهر لها من خلال تلك المشاركة الحاجة الماسة إلى وضع برامج عملية وأنه لا يمكن الاكتفاء بطرح حلول جزئية لمشكلات الطلاب مثلما حدث في السبعينيات أو تقديم حلول حقيقية أضخم لمشكلات المهنيين أو تبنِّي خطط في إطار برامج الحكومات من خلال البلديات، أو نقد القوانين والمشاريع الحكومية في المناقشات البرلمانية.

فكيف تعاملت الحركة مع هذا الشأن؟

وكيف تقوم بترشيد هذا الجهد لمزيد من التأصيل النظري ووضع البرامج العملية.

هذا ما يحتاج إلى استكمال.

والله الموفِّق وهو المستعان.

الرابط المختصر :