العنوان أهمية الصبر في الشدائد وعاقبة الصابرين
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2022
مشاهدات 86
نشر في العدد 2169
نشر في الصفحة 48
الجمعة 01-يوليو-2022
مقال
● الصبر
يمكننا من النهوض بأعباء الفضائل الأخرى التي تتطلب احتمال المشاق مثل الثبات يوم
الزحف
● كل بلاء يقدر الإنسان على دفعه لا يؤمر بالصبر
عليه وإنما يكون على ألم ليس إلى العبد إزالته
● المرء يحتاج إلى الصبر في كل الأحوال سواء في السراء أو الضراء
الصبر
هو حبس النفس عن الجزع يقال: صبر على الأمر: احتمله ولم يجزع وحبس نفسه وضبطها.
يقول
الشيخ محمد عبده، رحمه الله تعالى: «الصبر هو تلقي المكروه بالاحتمال وكظم النفس
عليه مع الروية في دفع ومقاومة ما يحدثه من الجزع فهو مركب من أمرين دفع الجزع
ومحاولة طرده، ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس .
والصبر
قوة في النفس تمكنها من احتمال الآلام
والمكاره بغير تبرم يحملها على ترك الحق أو اجتراح الباطل . وقال ابن الجوزي: إن
الصابر على المصائب سمي صابرا : لأنه حبس عن الجزع .
والصبر
يمكننا من النهوض بأعباء الفضائل الأخرى التي تتطلب احتمال المشاق فالثبات يوم
الزحف يتطلب الصبر على الرباط، وبر الوالدين يحتاج إلى الصبر على احتمال رعايتهما،
وكفالة اليتيم تحتاج إلى الصبر على النهوض بمطالبه حتى يلي شؤون نفسه، والحج
والصيام والتعليم والعمل كل ذلك يحتاج إلى الصبر كشرط للنجاح فيه.
وفي
حالات الحرمان من المواهب الجسدية أو من الولد والمال، يكون الصبر الفضيلة التي
يعتصم بها المسلم ضد مزالق السخط والطريق الذي يصون دينه، وهدوءه النفسي (5).
وليس
معنى هذا أن الصبر يوجب على المسلم الاستسلام، فالمسلم إذا استطاع أن يعمل شيئا
لدفع البلاء، فالإسلام يوجب عليه ذلك؛ كل بلاء يقدر الإنسان على دفعه لا يؤمر
بالصبر عليه، وإنما يكون الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته (6) .
وقد ذكر
الله تعالى الصبر والصابرين في القرآن الكريم في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر
الدرجات والخيرات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له فقال عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
(السجدة: 24)، وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ
الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(النحل: 96) وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
(الزمر: 10).
● أعلى درجات الصبر
وأعلى
درجات الصبر هو الرضا المطلق، والاطمئنان الكامل بقدر الله تعالى، أما أن يتلقى
العبد البلاء بالجزع والكفر والاعتراض على قضاء الله وقدره ثم بعد ذلك يقول : أنا
صابر، فهذا ليس صبرا يثيب الله تعالى عليه أهل البلاء (7) .
والصبر
وسيلة طيبة يستعان بها على الخير؛﴿ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ
مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
(البقرة: 153)
وعن أنس
رضي الله عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر، فقال:
«اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها :
إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده
بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى (8) .
وعن أبي
هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يقول الله تعالى: ما
لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة (9) .
● أقسام الصبر
والصبر
له أقسام، ذكرها أبو الحسن الماوردي في 6 أقسام (10) :
الأول:
الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى به والانتهاء عما نهى الله عنه لأنه به تخلص
الطاعة، وبه يصح الدين وتؤدى الفرائض ويستحق الثواب، ولذلك قال النبي صلى الله
عليه وسلم: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (11) .
الثاني
الصبر على ما تقتضيه أوقاته من رزية قد أجهده الحزن عليها أو حادثة قد كده الهم
بها، فإن الصبر عليها يعقبه الراحة، ويكسبه المثوبة عنها فإذا صبر طائعاً وإلا
احتمل هماً لازماً وصبر كارها آثماً .
وروي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: من لم يرض بقضائي، ويصبر على بلائي فليلتمس ربا
سواي 1.
الثالث:
الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوة، وأعوز نيله من مسرة مأمولة، فإن الصبر
عنها يعقب السلو منها، والأسف بعد اليأس خرق.
وروي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أعطي فشكر، ومنع فصبر وظلم فغفر، وظلم
فاستغفر، فأولئك لهم الأمن وهم مهتدون (1).
الرابع
الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها، أو يحذر حلوله من نكبة يخشاها، فلا يتعجل
هم ما لم يأت، فإن أكثر الهموم كاذبة، وإن الأغلب من الهم مدفوع.
وقد روي
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بالصبر يتوقع الفرج ومن يدمن قرع الباب يلج
.
الخامس
الصبر فيما يتوقعه من رغبة يرجوها، وينتظر
من نعمة يأملها. فإنه إن أدهشه التوقع لها، وأذهله التطلع إليها انسدت عليه سبل
المطالب، واستفزه تسويل المطامع، فكان أبعد الرجائه وأعظم لبلائه.
وقد روي
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:الصبر ضياء (19)، يعني أنه يكشف ظلم الحيرة،
ويوضح حقائق الأمور.
السادس
الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر
مخوف، فبالصبر في هذا تنفتح وجوه الآراء، وتستدفع مكائد الأعداء، فإن من قل صبره
عزب رأيه، واشتد جزعه، فصار صريع همومه وفريسة عمومه .
ونختم
بقول زكي مبارك والمرء محتاج إلى الصبر في كل الأحوال فهو يحتاج إليه في السراء،
كما يحتاج إليه في الضراء، بل هو إليه في السراء أحوج، فالرجل كل الرجل من يصبر
على العافية .
الهوامش
(1) المعجم الوسيط 525 /1
(2) تفسير المنار
(3) المرجع السابق
(4) ذم
الهوى ابن الجوزي ص 58
(5)
الأخلاق الإسلامية ودورها في بناء المجتمع، جمال نصار، ص 210.
(6)
مختصر منهاج القاصدين، ص 302
(7)
الأخلاق الإسلامية ودورها في بناء المجتمع، مرجع سابق، ص 212
(8)
صحيح البخاري، حديث رقم (1283).
(9)
صحيح البخاري حديث رقم (6424).
(10)
أدب الدنيا والدين ص 278 وما بعدها، بتصرف.
(11)
الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير
السيوطي .5119
(12)
الاستيعاب في معرفة الأصحاب ابن عبد البر -265/1
(13)
الشكر الله، ابن أبي الدنيا حديث رقم (164).
(14)
ذكره الماوردي في أدب الدنيا والدين، ص 289.
(15) صحيح مسلم، حديث رقم (223)
(16) الأخلاق عند الغزالي، زكي مبارك 177
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل