العنوان أهمية الاستثمارات للهيئات الخيرية
الكاتب فهد العصيمي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 74
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 27-يوليو-1999
حث الإسلام على تنمية موارد الإنتاج المتعددة: من زراعة، وصناعة، وتجارة، وسائر الأعمال المباحة، حيث إن الجهد والمال والأرض تعد من أهم عناصر الإنتاج، وقد ورد ذكرها في كتاب الله وسنة رسوله، ولفت النظر إليها في كثير من الآيات والأحاديث.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥)، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (النازعات: 30-33)، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (المزمل: ۲۰)، وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 2٧٥)، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (الأنبياء: ۸٠)، وقال تعالى مشيدًا بالثروة الحيوانية: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٨).
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «لئن يأخذ أحدكم حبله إلى الجبل فيحتطب ويبيعه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «مسألة الغني شين في وجهه» (رواه أحمد)، و«لا حظ في الزكاة لغني مكتسب»، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «ولا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم»، وغيرها من الأدلة التي تفضل العمل والجد والمثابرة، وتفجير طاقات الإنسان ومواهبه، والاستفادة من خيرات الأرض ومخزونها الذي أودعها الله إياها في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ (النازعات: ٣٠).
فالرسول صلى الله عليه وسلم حريص أشد الحرص أن تكون أمته قوية عزيزة الجانب، مرهوبة، يخافها أعداؤها: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، واليد العليا خير من اليد السفلي، وابدأ بمن تعول».
وانطلاقًا من هذه الأدلة الصريحة، فلا عذر للهيئات والجمعيات والجامعات والمراكز الإسلامية- في العالم- في التقاعس عن تنمية مواردها، واستثمار أموالها، فيلزمها أن تكون قدوة للمسلمين في استثمار بعض مواردها من الزكاة وصدقات التطوع ونحو ذلك، ويلزمها أن تبتكر من الوسائل والطرق ما يجعلها تعتمد على نفسها اعتمادًا قويًا، مما يساعدها على النمو دون أن تحتاج إلى من يساعدها، ولا بد أن تضع المؤسسات الخيرية لها بندًا خاصًا للاستثمار، وتعتمد أنواع الاستثمار الزراعي والصناعي، والتجاري، والمهني، وتحاول كل مؤسسة خاصة أن تستفيد من خبرات من سبقها من المؤسسات الخيرية؛ حتى يمكن الاستفادة من الجهات الاستثمارية الأخرى.
لجان اقتصادية بالمؤسسات الخيرية
وعليه فلا بد من تكوين لجنة في كل مؤسسة خيرية تكون مهمتها متابعة المشاريع الاستثمارية تخطيطًا، واستفادة من الغير، وتنفيذًا عمليًا.
قد يقول قائل: إن بعض الجمعيات مهمتها أن تكون واسطة بين الأغنياء في أماكنهم، وبين الفقراء الذين يستحقون الزكاة، وذلك لا يتم إلا عبر هذه الجمعية أو المركز، فهي لابد أن تستمر بلفت نظر الأغنياء لإخراج زكاتهم لصالح الفقراء ومن في حكمهم، وفي الحقيقة أن مثل هذا صحيح، ولا بد من استمراره مادامت الزكاة مفروضة إلى قيام الساعة، لكن مع ذلك لا بد أن تفكر هذه المؤسسات الخيرية بالأعمال الاستثمارية التي يعود ريعها على المؤسسة، وعلى الفقراء والطلاب وجميع المشاريع الخيرية المتعددة، ويبقى مورد الزكاة له مدخله، وله مخرجه، ومن فوائد عمل المؤسسات الخيرية في المشاريع الاستثمارية ما يأتي:
١– تحقيق الاكتفاء الذاتي، لأنه لا يضمن أن ذلك المصدر الذي يجري الاعتماد عليه سيستمر.. وأقرب مثال ما حصل للمؤسسات الخيرية في العالم العربي والإسلامي من ضمور بعد فتنة الخليج.
٢- أن المؤسسات الخيرية في كل مكان ينبغي أن تكون قدوة سليمة في كل ناحية، في الدين أولًا، وفي الأساليب والطرق الاستثمارية الحلال ثانيًا، بحيث تصبح هذه المؤسسة مصدرًا يستفيد منه عموم المسلمين.
٣- تحريك أكبر عدد من العاطلين من المسلمين؛ بحيث تتولى المؤسسات الخيرية تشغيلهم، وتفجير مواهبهم.
٤- اكتساب الخبرات والتجارب مما يجعل المؤسسة الخيرية توسع نشاطها الإسلامي في أكبر عدد من المدن والقرى والأرياف، ومعلوم فائدة ذلك على المدى البعيد لصالح الإسلام ولصالح المسلمين.
5- إن في ذلك ضمان استمرار المؤسسات الخيرية على المدى البعيد، حتى لو حجبت عنها المساعدات الخارجية، ومنها أن هذه المؤسسة قد تكون سببًا مباركًا في دعم المؤسسات الجديدة حديثة النشأة، والتي لم يسبق لها أن مارست الاستثمار، أو العمل في مجالات النشاط الاقتصادي.
مشروعات مقترحة: ومن المشاريع الاستثمارية التي يمكن للمؤسسات الخيرية أن تدخل فيها ما يأتي:
١- الاهتمام بالقطاع الزراعي، وشراء أنواع البذور الجيدة، والقيام بالتجارب المستمرة لعلها تثمر ولو بعد حين.
٢- تسمين المواشي بأنواعها، والاهتمام بمشروعات إنتاج الثروة الداجنة.
٣- إنشاء المصانع التي تلائم متطلبات البلد الذي تعمل فيه المؤسسة الخيرية.
٤- مشاركة المؤسسة الخيرية بعض التجار الثقات في بعض الصفقات التجارية التي يغلب عليها الربح والنفع للمجتمع.
٥- ومنه: مثلاً - شراء جهاز الكمبيوتر وتدريب الشباب بأجرة رمزية.
٦- شراء آلات الخياطة وما في حكمها من آلات التطريز ونحوها، واستخدامها في التدريب والتأهيل للعاطلين عن العمل.
٧- شراء عمائر ودكاكين تؤجر لصالح المؤسسة الخيرية وتوقف عليها.
8- شراء مكائن زراعية لتأجيرها بأسعار معقولة خاصة للمسلمين.
وهناك مجالات استثمارية كثيرة لا مجال لحصرها، ويحسن أن تقوم اللجنة الاقتصادية في كل مؤسسة خيرية بمناقشة تجار المسلمين ليبدوا رأيهم في أحسن الطرق الاستثمارية، والاستفادة بخبراتهم في التعرف على المشاريع قليلة التكاليف كثيرة الربح، وحبذا لو عملت المؤسسات الخيرية في كل مكان، مثلما عملت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، حيث فتحت مجال الصدقة الجارية عن طريق سنابل الخير، وذلك لاستثمار الأموال بعد وقفها، ومن ثم صرف الناتج على المشاريع الخيرية في العالم.
وكذلك فعلت منظمة الدعوة الإسلامية بالسودان وبعض الهيئات الأخرى بالكويت.
ولما كانت المراكز والجمعيات والهيئات الخيرية والجامعات العلمية الخيرية تعمل في خدمة الإسلام، وتدعو إليه، وتحيب الناس فيه، فمما لا شك فيه أنها ستصبح قدوة ينظر لها الناس، فلهذا لا بد من التنبيه إلى أمر لا يقل أهمية عن الاستثمار الحلال، ألا وهو بعد المؤسسات الإسلامية عن الإسراف في المأكل والمشرب والملبس والمركب والمبنى، ونحو ذلك من المناسبات والاحتفالات، واستئجار الفنادق الفخمة، ونحوها مما تحتاجه هذه المؤسسة، فلا بد من مراعاة الاقتصاد في كل شيء؛ حيث تعود الفائدة على المشروعات الخيرية النافعة، وتزداد ثقة المجتمع بالهيئات الخيرية ومؤسساتها.