; أنور إبراهيم في السجن: أنور إبراهيم في السجن! تجربة «إسلامي» حاول الإصلاح من داخل النظام | مجلة المجتمع

العنوان أنور إبراهيم في السجن: أنور إبراهيم في السجن! تجربة «إسلامي» حاول الإصلاح من داخل النظام

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

موضوع الغلاف: 

يمثل ما حدث مع أنور إبراهيم في ماليزيا انهيارًا لأفضل تجربة للتعاون مع إسلامي معتدل قادم من خلفية تربوية إسلامية، مارس العمل التربوي من خلال مؤسسة شبابية كانت تعني بتأسيس سلسلة من المدارس التي تجمع بين القدرات الحضارية المعاصرة، والعقلية المسلمة التي يكونها التعليم الإسلامي، وهي مؤسسة «أبيم»، أو حركة الشباب المسلم في ماليزيا. هذه المؤسسة كان لها دور في بلورة الوعي الإسلامي في ماليزيا، وإخراجه من دوائر الخرافة والجهل والجمود، إلى دوائر العمل الإسلامي الحضاري القادر على مواجهة مشكلات العصر بوعي إسلامي جيد.

كانت «أبيم» محضنًا لطاقات شبابية، وحين كانت ترغب في العمل السياسي، كانت تنصرف للحزب الإسلامي «باس»، وهو حزب أسسه علماء ماليزيا الذين شاركوا في معارك الاستقلال، أنور شذ عن القاعدة، فقد اختار طريق الانضمام إلى حزب «أمنو» ومنظمة الملايو الوطنية المتحدة، وقرر أن يحقق التغيير والإصلاح من خلال التحالف مع هذا الحزب الأوسع والحاكم في كل ولايات ماليزيا ما عدا ولاية كلنتن، وتولى في «أمنو» رئاسة العمل الشبابي، وعين وكيلًا للشباب، ثم تدرج في وظائف مختلفة، فتولى وزارة الزراعة المسؤولة عن أبناء الملايو الذين يقومون بأعمال الزراعة والصيد، والمعروف أن الوظائف في ماليزيا موزعة بين الطوائف ، فالملايو لهم الزراعة والصيد والصينيون لهم التجارة والأموال، والهنود لهم الوظائف الوسيطة، وقد جعلت الوزارة في عهد أنور إبراهيم من الملايو قطاعات مكتفية متجاوزة حد الفقر.

ثم انتقل أنور إبراهيم إلى التربية والتعليم حيث حقق إنجازات في إعطاء أبناء الملايو حقوقهم في المنح الدراسية والتعليم، وتخريج كفاءات من أبناء المسلمين- كان الصينيون يرسلون أبناءهم لأمريكا، والهنود لم يكونوا يعدمون الفرصة، ولأول مرة وجد أبناء الملايو فرصة للتعليم- وسد الفجوات الكبيرة، بين قطاعات الشعب ولقد نجح في ذلك نجاحًا كبيرًا.

ثم عين إبراهيم وزيرًا للمالية، وعرف بأنه مصحح مسار الوزارات، فقد كان يتولى إدارة تنظيم الوزارات، بما يسمح لها بالسير على طريق الإنجاز.

على المستوى الحزبي، تحول أنور إلى نموذج للشباب الحزبي، واستطاع أن يدخل للحزب دراسة التربية الإسلامية، فبدأ الشباب يعنون بقراءة القرآن، والأوراد، وقيام الليل، إذ نقل إليهم خبرته في إطار العمل التربوي السابق.

لم يكن أحد يشك أن أنور الأكثر تأهيلًا لقيادة ماليزيا، وبخاصة أنه نجح في وزارة المالية نجاحًا لم يقل عن نجاحه في مهامه السابقة، وبدأ حاسدوه يكثرون، وبدأت الجهات العلمانية تجمع خطاها وتقف لأنور بالمرصاد، حافظ الرجل على نظافته وطهارته، فلم يسمح ذلك بوجود أي ثغرة في سلوكه أو تصرفاته، ففي الوقت الذي كان ينتشر فيه الفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ لم يكن أنور من بين هؤلاء، وحتى حين حاول والده وأخوه أن يستغلا نفوذه هددهما بالسجن، ولأول مرة ينجح تحالف بقصد الإصلاح بين إسلامي، وبين جهة لم تكن قبل دخوله إليها تعنى بالعمل الإسلامي، وقد عزَّ نجاح هذا النموذج على من يتصدون للنماذج الناجحة. 

بدأ نجم أنور يعلو دوليًا، باعتباره خبيرًا في الاقتصاد، إذ من عادة أنور أن يتفرغ لدراسة مكثفة في المجال الذي يعمل به، وقد تفرغ في جامعة هارفارد، ولمدة ثلاثة أسابيع، في دراسات اقتصادية مكثفة، ولذلك حقق تميزًا واضحًا في إدارته حتى أن تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، قالت مرة في حفل كبير: لو أن بريطانيا رزقت بوزير مالية في مستوى أنور، لما وقعت في تلك المشكلات التي تعاني منها. سمعته جعلت منه نموذجًا، وحطمت الأفكار السوداوية التي كانت تلصق بالإسلاميين، حيث كانوا يصورونهم على أنهم لا يمكن أن يتعايشوا مع العلم، بل إن أنور ترأس منظمة اليونسكو لمدة سنتين، كما ترأس عدة لجان تابعة لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، واستطاع أن يديرها بنجاح يغبط عليه، وأصبح نموذجًا للإنسان النظيف الملتزم دينيًا، البعيد عن الفساد، وكتب كتابه «إحياء جنوب شرق آسيا»، وتولت مجلة تايم نشر الكتاب، حيث شرح الفرق بين عمليات التحديث في جنوب شرق آسيا، وتلك التي جرت في الغرب، وكتب لأول مرة أن تجاهل دين الغالبية العظمى في هذه البلدان والقيم الدينية منها، أدى إلى فشل التنمية، وليس كما يقول الآخرون إن التمسك بالدين سبب فشل التنمية، وقد قدم لذلك بأدلة وافية، نالت إعجاب الجميع، وفي الوقت نفسه، كان لمهاتير محمد كتاب «معضلة الملايو»، الذي هاجم فيه الملايو، واتهمهم بالكسل، وقد منع الكتاب من التوزيع، حتى أثناء وجود مهاتير في السلطة، لما فيه من إساءة لشعب الملايو، ولعل الفارق بين توجه الكتابين، يكشف عن الفارق بين فكر الرجلين.

قبل سنتين أثيرت مشكلة شائعة أن أنور متورط بقضية جنسية، هذه الفتنة تبين أن قوى سياسية كانت وراءها، حاولت الإساءة لأنور، حسب المنهج الشيوعي: إذا كان خصمك السياسي منطلقًا من خلفية دينية، واهتمام بالقيم، يكون تحطيمه من خلال قضية خُلقية، تدمر سمعته أمام الجمهور، وإذا كان منطلقًا من خلفية وطنية، يكون تحطيمه من خلال قضية وطنية، وللأسف ووجه أنور بالأمرين معًا، حاول معرفة مصدر الشائعات، ولم يكن يدري أن قوى سياسية تسعى لتدميره، وإخراجه من الساحة السياسية، وبخاصة أن مهاتير بلغ ٧٣ سنة، وليس له من خليفة إلا أنور «٥١ سنة»، وإذا حكم مثله، فإن مستقبل الإسلام على مستوى المنطقة كلها يمكن أن يتغير، وأن يصبح الإسلام جزءًا أساسيًا من عملية الإحياء في جنوب شرق آسيا، بدأت سلسلة الاتهامات تتكاثر، وتنمو من انحراف جنسي، إلى عمالة للغرب، وتحولت كل الجوانب الإيجابية في شخصيته إلى عناصر اتهام ضده، فيقال مثلًا: إن الغربيين يمتدحونه لأنه عميل لهم. 

أوائل الصيف الماضي صدر كتاب «لخمسين سببًا لا يمكن أن يكون أنور رئيسًا للوزراء»، أقام أنور الدعوى ضد المؤلفين والناشر، وتبين أن وراء المؤلفين أفراد في مكتب رئيس الوزراء، وحين اشتكى أنور لمهاتير، أعطى الأخير إجازة للموظفين المتهمين لمدة شهرين، ثم أعيدا لمكتب رئيس الوزراء. طبع الكتاب بكميات هائلة، ووزع في المدارس والمساجد، وطلب أنور من الشرطة التحقيق، وتدخل رئيس الوزراء، وطلب من أنور أن ينسى الموضوع.

بعد الانهيار الاقتصادي، عين دايم زين الدين وهو المشرف على استثمارات الحزب الحاكم والاستثمارات الشخصية لمهاتير وأولاده عين رئيسًا للجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء لتحجيم أنور، وتقليل قدرته على التصرف في السياسات المالية، ولوحظ أن هناك تناقضًا واضحًا بين السياستين، وحين يتكلم مهاتير تنزل الأسهم وحين يتكلم أنور ترتفع قيمة الأسهم، وأثبتت الاستفتاءات أن شعبية أنور تزداد إلى ٦٠٪ في حين كانت شعبية مهاتير تراجعت إلى ٤٠٪، اقتنع مهاتير أن أنور سينازله في الانتخابات القادمة في حين كان أنور ينظر إليه باعتباره الوالد، ولم يكن يدور بخلد أنور أن مهاتير وراء الشائعات. 

في الشهر الأخير تم فصل مؤيدي أنور من الصحف والتلفزيون، ومع ذلك لم ير أنور في ذلك محاولة للإطاحة به، إذ لم يتصور أن لمهاتير دورًا في الحملة ضده.

يوم ٣١ أغسطس دخل دايم على أنور في مكتبه ونصحه بأن يستقيل، قال أنور: لن أستقيل ولا يمكن أن تقول ذلك، أجاب زين الدين: أنا رسول رئيس الوزراء إليك، تساءل أنور: لماذا لم يطلب مني ذلك؟

كان من المعتاد أن يذهب أنور كل يوم إلى مكتب رئيس الوزراء ويجلس معه لمدة نصف ساعة ولم يكن هناك شيء حتى يوم الإقالة، في الظهر استدعاه مهاتير وقال له: كثرت الشائعات، إن سمعة الدولة والحكومة لا تتحمل أن تبقى في موقعك، وطلب منه أن يترك العمل، قال أنور: كنت أظنك غير شريك في الحملة ضدي، واليوم اكتشفت أنني كنت ساذجًا وبسيطًا أكثر مما ينبغي، واتضح لي أنك ضالع مع الشيطان، أنا لن أستقيل. قال مهاتير: أفضل أن تكون استقالتك على مكتبي الساعة الخامسة بعد الظهر، وحين لم تصل الاستقالة أعلن في الخامسة والنصف عن إقالة أنور إبراهيم من منصبه الوزاري. 

في اليوم التالي دعا مهاتير الهيئة العامة للحزب ودعا أنور إبراهيم وواجهه بالتهم المذكورة في الكتاب المشبوه، قال أنور: أنا راغب في المحاكمة. 

تحول مهاتير إلى هيئة الحزب قائلًا: لا اعتقد أن لأنور الحق في البقاء في الحزب، فإما أن يستقيل وإما أن يقال، وبالفعل أقيل أنور من منصبه الحزبي عندها قال أنور لمهاتير: سأترك الجانب الشخصي في قضيتي للمحامين، ولكنني ملتزم أمام الله ثم أمام الناس أن أخوض معركة الإصلاح السياسي ضد الفساد الذي حولت نفسك رمزًا له.

في الأيام التالية تحول بيت أنور إبراهيم إلى مقر حزبي كان ما بين ٥ إلى ٢٠ ألف شخص يذهبون إلى بيته كل يوم، حيث كان يخطب فيهم وقد أعلن زعماء منظمة «أبيم» تأييدهم له، ولذلك اعتقل عدد منهم على رأسهم رئيس المنظمة أحمد عزام، كما أعلن فاضل نور رئيس الحزب الإسلامي «باس»، دعمه لأنور، وإن أبدت قيادات أخرى في الحزب مثل عبد الهادي أوان، ونك عزيز رئيس حكومة كلنتن عدم تشجيعها لمساندة أنور.

ازداد غيظ مناوئي أنور، إذ لم يستطيعوا تحطيم سمعته، أو إيجاد فجوة بينه وبين الإسلاميين، فلجأوا إلى الحيلة الأخيرة، وهي اتهامه بالأصولية والاتصال بالمتطرفين.

وحين بدأ أنور تحركه خارج بيته، لم تحتمل السلطات فاعتقلته، كانت التهمة في البداية الفساد، وبموجب هذه التهمة، ينبغي أن يقدم أنور للمحاكمة في اليوم التالي. في ذلك اليوم تجمع أنصاره بالآلاف خارج المحكمة، فتحولت التهمة إلى تهديد أمن الدولة، ما يعني أنه يمكن أن يبقى أنور في السجن ٦ شهور بدون محاكمة.

إن انهيار تجربة أنور إبراهيم في ماليزيا يمكن أن يمثل تهديدًا لوحدة الملايو، و«لبننة» ماليزيا أو «بلقنتها»، وربما تتعرض لفتنة أهلية طويلة المدى نظرًا لأن مهاتير لم يدرك الطريق الصحيح في الأزمة، وربما يدفع مهاتير نفسه الثمن، إذ إن أحد السيناريوهات المطروحة، أن يقضي مهاتير على أنور، ثم يضعف مهاتير، فيأتي دايم زين الدين رمز الفساد إلى السلطة.

  • إذا عرف السبب!

أبلغ أنور إبراهيم أن شركات دايم زين الدين وأبناء مهاتير بحاجة إلى ٤٥ مليار رينجت لإنقاذها من مشكلاتها، قال أنور إن من المهم أن نبدأ بإنقاذ الشركات الصغيرة أولاً، في حين أصر الطرف الآخر على البدء بالشركات الكبيرة. طلبوا منه السحب من الاحتياطي، فقال بالحرف: لن يكون ذلك إلا على جثتي، والمعروف أن لمهاتير ثمانية أبناء بالتبني، إذ إن زوجته لا تنجب وكلهم من أصحاب الشركات الكبيرة.

  • يتساءل البعض عن دور أنور إبراهيم- الإسلامي- في وزارة المالية، وقد بذل أنور مجهودات ملموسة في دولة لا يمثل المسلمون فيها الأغلبية، ولا يسيطرون على اقتصاد البلاد، فقد أسس البنك الإسلامي، وفرض نظام الزكاة، وأتى بخبرات إسلامية، وحاول دعمها وتطوير أدائها الإسلامي بالاستفادة من خبرات العلماء المسلمين.

الرابط المختصر :