; أنوار في طريق الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان أنوار في طريق الدعوة

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 535

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 07-يوليو-1981

  • الاستعلاء

    قال تعالى:

    ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(محمد: 35).

    يعيش الأخ في صراعات مختلفة بينه وبين أهل الباطل، حتى يصل أحيانًا إلى البطش والطغيان فتبدأ خطوات البذل والعطاء والتفاني فيقدم بين الآونة والأخرى مزيدًا من التضحيات.. وتمضي الأيام..

    حتى إذا ما بلغت القلوب الحناجر وقاربت ساعة الانهيار إلى حسم الموقف بالاستسلام والتسليم، وأصبح الأخ لا يرى مردودًا لكثير من التضحيات -وقد أنساه حجم التضحيات بأنه غير مطالب بالثمرة بقدر ما هو مطالب بالعمل والإخلاص فيه- هنا، وقبل أن يتخلَّى عن آخر أمل في طريق الدعوة.. يضيء له من بين هواتف النفس وجواذب الأرض نداء الرحمن حبيبه الواحد الأحد الذي لم يتخلَّ عنه أبدًا، فكيف وهو يخوض هذه المعركة مع أهل الباطل، هنا وبقدر إيمان وثقة هذا الأخ بالله يشرح صدره لتدبر قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(محمد: 35).

    خاصة وأن ما يسبق هذه الآية دعوة ونداء للمؤمنين إلى طاعة الله ورسوله، فهي تهيئ نفس المسلم لأن يبقى على صلة وطاعة دائمة لله ولرسوله، وأن من طاعة الله ورسوله الثبات على هذا الحق وعدم الاستسلام وألَّا يبطل عمله بالتهاون والتخاذل.

    أقول: إن هذا النداء الرباني وهذا «التحذير يشي بوجود أفراد من المسلمين كانوا يستغلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة وتهن عزائمهم دونه».

    كذلك هو تحذير لكل مسلم وخاصة الدعاة منهم لمن يرغب في السلم والمهادنة ليستريح من مشقة الدعوة وتكاليفها بعد أن ذاق مرارة العمل وطول الطريق، ففضل الجلوس دون إخوانه، وفضل أن يكون حمامة مسجد دون أن يعطي لهذا الدين قيمته الحقيقية.. وكم عاب ابن المبارك أخاه الفضيل عندما فضل ملازمة الحرمين دون الجهاد والدعوة.. ولكن لن نعيب أحدًا في ذلك ولننظر كيف كان القرآن يأخذ النفوس بهذه الآية؟ فنحن في حاجة إلى تحرِّي خطوات القرآن في التربية والنفوس في النفوس ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 35)، أنتم الأعلون فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم، أنتم الأعلون اعتقادًا وتصورًا للحياة، وأنتم الأعلون ارتباطًا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجًا وهدفًا وغاية، وأنتم الأعلون شعورًا وخُلقًا وسلوكًا.. ثم أنتم الأعلون قوة ومكانًا ونصرة فمعكم القوة الكبرى.. «والله معكم فلستم وحدكم، إنكم في صحبة العلي الجبار القادر القهار، وهو لكم نصير حاضر معكم، يدافع عنكم فمن يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم؟ وكل ما تبذلون، وكل ما تفعلون، وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب لكم، لا يضيع منه شيء عليكم:

    «ولن يتركم أعمالكم».. ولن يقطع منها شيئًا لا يصل إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه.

    فعلام يهن ويضعف ويدعو إلى السَّلم من يقرر الله -سبحانه- له أنه الأعلى، وأنه معه وأنه لن يفقد شيئًا من عمله فهو مکرم منصور مأجور(1).

    ثم يبين الله تبارك وتعالى علاقة هذا التهاون والتخاذل بالدنيا وأن هناك ارتباطًا بين هذا وذاك فقال﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: 20).. فلا ينبغي لك أن تلتفت إليها فتكون هي السبب في تهاونك عن حمل الدعوة، ومعنى اللعب هو ما تشتغل به ولا يكون فيه ضرورة في الحال ولا منفعة في المال، ثم إن استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب، وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو لهو، ولهذا يقال ملاهي لآلات الملاهي لأنها مشغلة عن الغير»(2)

    أقول بعد ذلك إن الحبيب صلى الله عليه وسلم بيَّن أثر الركون للدنيا.. وأنها هي أساس هذا الوهن الذي يصيب المسلم، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن» فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»(3).

    فهذا نور لكم أيها الإخوان الأحياء والله معكم ولن يَتِرَكُمْ أعمالكم، والحمد لله رب العالمين.

    وأقم الصلاة

    ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)﴾ (هود: 112-115).

    أخي الحبيب.. قلنا إن الاستقامة هي الاعتدال والمعنى على النهج دون انحراف، وهذا الأمر يحتاج إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم والتحري الدائم لحدود الطريق.. والاستقامة هذه تحتاج إلى زاد يعين الأخ على مواصلة الطريق بهذا الاعتدال، لذلك نجد الله -سبحانه وتعالى- يرشد رسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه من القلة المؤمنة إلى زاد الطريق:

    ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ(سورة هود: 114).

    ولقد علم الله أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد، والذي يقيم البنية الروحية، ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف، ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود القريب المجيب، وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود!

    والآية هنا تذكر طرفي النهار -وهما أوله وآخره- وزلفا من الليل أي قريبًا من الليل، وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك.. وقد أخرج مسلم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت على نفسك؟ قال: ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم. فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي رجلًا، فدعاه وتلا عليه هذه الآية﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: 114)، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ قال: «بل للناس كافة») (صححه الألباني 8035)، فبهذا الزاد تستقيم الأمور وبالحرص على هذه العبادة العظيمة يمضي الأخ بالاعتدال الذي أمرنا به، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن صلى في الجماعة بعد الذنب: «فإن الله قد غفر لك ذنبك» وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا وقوله صلى الله عليه وسلم : «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».

    أقول: الصلاة جامعة للتنظيف والإخبات، مقدسة للنفس إلى عالم الملكوت.

    ومن خاصية النفس أنها إذا اتصفت بصفة رفضت ضدها وتباعدت عنه، وصار ذلك منها كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، فمن أدَّى الصلوات على وجهها وأحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن وأذكارهن وهيئتهن، وقصد بالأشباح أرواحها وبالصور معانيها، لابد أنه يخوض في لُجَّة عظيمة من الرحمة ويمحو الله عنه الخطايا.

    هذا هو الزاد الأول وهو عظة لمن اتعظ ذلك ذكرى للذاكر، ثم بعد ذلك يبين الله تبارك وتعالى الزاد الثاني لهذا الطريق، فالاستقامة في حاجة إلى الصبر، كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة الله في المكذبين يحتاج إلى الصبر.. ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: 115).

    والصبر هنا على الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (طه: 132)، وعلى الأذى وعلى الحق، والصبر في انتظار النصر، والصبر في تحرِّي الطريق، ثم الإحسان في كل ذلك.. فالاستقامة إحسان، وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان، والصبر على كيد التكذيب إحسان، والله لا يضيع أجر المحسنين.

    والحمد لله رب العالمين.

    1. الظلال 6/ 3302.

    2. التفسير الكبير للرازي 28/ 73 - 74.

    3. الإمام أحمد 2/ 359، أبو داود الملاحم 6.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

99

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

155

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

125

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله