; إحياء فقه الدعوة (48) التربية الحركية للقاعدة الصلبة | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة (48) التربية الحركية للقاعدة الصلبة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973

مشاهدات 13

نشر في العدد 154

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 12-يونيو-1973

أنغام الشهادة تقود الصراع

إن من ينظر حركة التاريخ الإنساني، يجد بوضوح أن أبعد ما يؤثر فيها ويحدد اتجاهاتها هي: المساهمة القيادية للمجاميع الرائدة من أفراد كل مجتمع، والتي تنطلق تدعو وتقيم علاقات لها بالغير وفق أفكار أو عقائد معينة.

ولا ينكر أن هذه المساهمة القيادية تأخذ شكلًا جماعيًا واسعًا في بعض الأحيان، فيغدو معظم أفراد المجتمع متأثرين بواحد من الاتجاهات الفكرية، ومقلدين للمجموعة التي تدعو إليه، وأصحاب دور في التوجيه بنوع جهد، مادي أو معنوي، فكري أو تربوي، يقدمه كل قادر سوي لخدمة مفهوم معين لقضية حياتية، حتى ليبدو ذلك المفهوم وكأنه من البدهيات في ذلك المجتمع، إلا أن هذه الدرجة من قابلية التأثير على تفكير الأفراد لم تتحقق إلا بعمل مجموعة أفراد قليلة نسبيًا، انقدح عندها ذلك المفهوم أو ورثته، وظلت دائبة في دعوة غيرها إلى حمله واعتقاده، وقيادة من يقتنع قناعتها نحو تسخير القوى الحياتية لتمكينه من العمل وصياغته في صورة واقع وعلاقات.

ولكن كل مفهوم يشيع وينتشر ويعتنقه المعتنقون، إذا لم يكن بدهية مطلقة وحقيقة فعلية فإن عيوبه ستظهر بعد تحصيله ذاك الإجماع على خدمته وترويجه وتمكينه، من بعد أن يفتقد زيادة الحماسة التي دفعت ذاك الجيل القيادي الأول وصرفت بصره عن رؤية تلك العيوب، ويعود انفتاح المجال مجددًا لقيادة أخرى، تدعو وتقتنع وتربي وتقود بما يؤدي إلى زوال تلك العيوب في اجتهادها، وربما يحصل شبه إجماع آخر، فافتضاح، فعودة إلى اجتهاد جديد في الإصلاح، في تكرار مستمر يحرك التاريخ، ويتجسم فيه التناقض القيادي بمقدار دقة الاجتهاد وبعده أو قربه من الانسجام مع الفطرة الإنسانية وتعرفه على الحقيقة الأزلية للحياة، المتمثلة بوجود إله خالق له صفات الحكم والتحليل والتحريم، وما يتفرع عن ذلك من الإيمان بالنبوءات والوحي.

إلا أن قصور العقل يفسح مجالًا لتأثير قيادي في المؤله المصيب لفطرته أيضًا، بدعوة إلى ما هو ضد الفطرة وحقيقة الألوهية، ولكن هذا التأثير المضاد للحقيقة والفطرة يتميز في كل مجتمع اهتدى لهما من قبل مرة بأنه تأثير عرضي سريع الانفضاح، ويظهر الحنين إلى الفطرة والتأليه بقوة، بينما يطول صدور المجتمع غير المهتدي لهما في تيه من الأوهام، وتتكرر صور متعددة لهذه الأوهام ذات طبيعة واحدة بفعل تناقضات قيادية تربوية كثيرة متعاقبة قبل أن يهتدي ذلك المجتمع لفطرته وإلهه ليعيش في ظلال الهداية وطمأنينتها.

صوت موت الداعية

ولأن الموت ينهي حياة الإنسان، فإن ثبات كل داعية ذي فكرة أو عقيدة معينة على فكرته وعقيدته إزاء معارضة المخالفين له، المهددين له بالموت، وقبوله وترحيبه بالموت، وموته فعلًا غير متنازل عما اعتقد: صار دليلًا كافيًا لدى الناس يثبت صدق ذاك الداعية في اعتقاده لما يقول، فينصتون لما قال بشغف، ويميل بعضهم إلى تقليد مذهبه وخلافته في دعوته، إنصاتًا وتقليدًا تحركهما غريزة إنسانية خفية لا ينفك عنها كل إنسان، هي من أسرار فطرته التي أودعت فيه.

وفي تصوير هذه الغريزة الدافعة لأخبار موت الداعية يقول الأستاذ علال الفاسي في تحدثه عن استشهاد الداعية المسلم:

جعل الله للشهادة سرًّا                                      يسمع الناس منه وحيًا وصوتًا (1)

وقد أصاب هنا كل الإصابة في تصوير طبيعة إنسانية ملموسة ولم يلجأ إلى رمز ومجاز كما يظن البعض.

فوائد خط المتوالية البياني

من أجل ذلك كانت جولاتنا لإحصاء شهداء الإسلام في مختلف عصوره وعلى امتداد بقاعه، أو من في عدادهم ممن ثبتوا وعرضوا أنفسهم للقتل ورضوا به وترقبوه وشاء الله أن يموتوا على فراشهم.

جولات تبين فيها الارتباط بين إنصات الناس لهم كدعاة مسلمين وتأثرهم بهم، وبين وضعهم أنفسهم في ميدان القتل.

وجولات خرج منها المتأمل مدركًا لتوقف النجاح في مستقبل الدعوة الإسلامية الحاضرة على سريان الروح الجهادية بين دعاتها وتسابقهم إلى مواقف البذل.

كيف والداعية المسلم له من بعد قرة عينه في الحياة الدنيا برؤية الإسلام شائعًا مطاعًا قرة عين أخرى في جنة الخلد؟

حقيقة وطريق

فهذه هي الحقيقة، وهذا هو الطريق إلى النجاح.

الحقيقة: إن التاريخ تحركه القيادات، وإن القيادة الإسلامية مؤهلة لثبات أطول لانطلاقها من حقائق الكون والفطرة، وإن أكثر الدعاة تمكنًا من القيادة: أسرعهم إلى موت بسبب فكرته وعقيدته، والشواهد على ذلك في أجيال المسلمين التي سلفتنا وفيرة.

والطريق: أن نرتبط بهذا السلف الذي أسرع الاندفاع نحو الموت، ارتباط معرفة به، وامتلاكًا لتركته، وتقليدًا لسمته، واستمرارًا لمسيرته، وتعجيلًا لسرعته.

لقد سلف في المسير على دربنا ذاك العدد الضخم من المجاهدين والمتسابقين، «وما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان»(2).

لقد كان الواحد من السلف يتقدم ويقول:

قربا مني حسامي وجوادي                                   وانظرا صدق ضرابي وطرادي

ودعاني من أحاديث الهوى                                 فالعُلى بين عناني ونجادي(3)

فلم يعرف أحدهم الهوى، ولكن يعرف القرب من حسامه وجواده، وعاشت الأمة في عز ضرابهم وطرادهم قرونًا مرفوعة الرأس عزيزة.

وإن دعوة تريد أن تختط لها الجهاد منهاجًا لأجدر في ادعائها ملكية تراث جهاد كل أولئك الأجداد، بحكم نسب الإخلاص الذي يجمعنا وإياهم. وللداعية قدوة وأسوة حسنة في مجموعة الخير تلك، وعليه واجب الإكبار لكل من أخذ دوره في القافلة المباركة العاملة.

إن نصف سيادة الدنيا تمنحها لنا ملكية هذا التراث الضخم لأولئك الميامين، كما يعبر الشاعر العراقي الفاضل خضر الطائي رحمه الله حين يقول:

أنسيت أنك ذلك التيار                                       في وادي الخلود؟

أنسيت أنك سيد الدنيا                                      بدينك والجدود؟(4)

فسيادة الدنيا تقوم على ركنين وتتحقق بقوتين: قوة ديننا الرباني، وصوابه المطلق، وحججه الدامغة لكل فكر باطل، وقوة الرباط الروحي المتين الذي يشدنا إلى تطبيقات الجدود العملية لهذا الدين، وتجسيدهم لمعانيه في واقع أسعد قلوبًا تعبت بغيره، وأراح عقولًا تاهت قبل الظفر به، وصان أبدانًا وأعراضًا وأموالًا عن ظلم كان يرهقها، وهوى يستبيحها.

● اقتداء.. لا تسلية

ولكن، كما أن قصص الماضي إلهام وتحفيز للحاضر، فإنها عند الداعية الكسول العاجز تتحول إلى محض مغريات بالتسويف، وأغطية ساترات للعيوب، وتغدو قصص بطولة الأمس مخرجًا ومخلصًا ومتملصًا لذوي الوهن، بما تلوك ألسنتهم من أفعال الماضين، ليزيفوا على أنفسهم ويخدعوها عن مصيبتها في الوهن، ويعزوها عزاء جميلًا يسليها عما تفتقد من شجاعة التقدم نحو الحياة الحرة الشريفة، كالعجائز المخادعات اللواتي أبصرهن الشاعر ووصفهن...

عجائزًا يذكرن شيئًا ذاهبًا

يخضبن بالحناء شيبًا شائبًا

يقلن: كنا مرة شبائبًا(5)

فيكونون كمن سكن دار العجائز، يذكرون قصص الآباء وأيام العز، ويكتمون حب الدنيا وعيبًا عائبًا، وليس لهم إلى عز مستقبلهم مسير.

إنه جد الشباب يعصف بالباطل لا سلوان ذكريات العجائز وفكاهتهن، وقد وصف الشاعر سبب نجاحه فقال:

بلغتها فاجتمعت أشدي                                       وشذب الباطل عني جدي (6)

فالباطل من شأنه أن يكلكل ويسدر، لا يحب الجلاء، حتى يجليه جدك وسعيك إذا بلغت أشدك واجتمعت قواك، سواء باطل الغير وظلمه، أو باطل النفس واعوجاجها.

● صفة المسلم في عالم الصراع

وطريقك أيها الداعية المسلم يبدأ بإعصار في القلب، فإذا هو من بعد إعصار على الباطل.

هو إعصارك أنت.. أو تعصف بك الأعاصير، كما يقول شيخ دعاة اليمن محمد الزبيري رحمه الله:

فارفع الرأس حيثما كنت واظهر                        وامش فوق الخطوب والأخطار

لا تخشَ من خطب وكن أنت خطبًا                 وحريقًا وشعلة من نار

أنت في عالم الصراع فهيئ                                    لك زند المصارع الجبار

أنت إن لم تكن بنفسك إعصارًا                        تمت تحت وطأة الإعصار (7)

بنود متكاملة: اجتماع قوة، واستعلاء، ومفاصلة.

أولها: أن تكون خَطبًا مجتمعًا غير خاشٍ للخطوب، فإنه ما من عدو إلا ويحاول إخافتك، كما حاول اليهود من بني قينقاع إخافة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد انتصاره ببدر فقالوا: «يا محمد: لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال. إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا».

فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ...﴾ (آل عمران: 12). ولكنه حاصرهم، فنزلوا على حكمه، وعفا عنهم بشفاعة ابن سلول.

فما من عدو إلا ويهدد، ولكن نصر الله أكيد لمن توكل عليه وجاهد.

إنهم مغلوبون، وعد وعده الله، بما كفروا وبدّلوا نعمة الله.

ثانيها: أن تكون إعصارًا مستعليًا، ماشيًا فوق الخطوب، وإلا فتنتك أعاصير من مغريات الباطل، ومضللات الجاهلية، وصدت الناس عنك، وإنما شرع القتال في الإسلام لدفع هذه الفتن.

«غاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، ولا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها، كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام، وتسلط عليهم فيه المغريات أكيد لمن توكل عليه وجاهد».

والمضللات والمفسدات، وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه، ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة، ولا يخشى أحد يريد الإيمان أن تصده عنه قوة أو أن تُلحق به الأذى والفتنة... والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة، وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 193).

وإذا كان النص -عند نزوله- يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة، وهي التي كانت تفتن الناس، وتمنع أن يكون الدين لله، فإن النص عام الدلالة، مستمر التوجيه، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.

ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين، وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله، والاستجابة لها عند الاقتناع، والاحتفاظ بها في أمان.

ثالثها: أن تكون مصارعًا مفاصلًا، ما دمت وليًّا لله.

فلا تصلح الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: 75-77).

فلم تصلح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإن ولاية الله لا تصح إلا بالبراءة من كل معبود سواه.

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: 4).

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 26-28).

أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض (9).

ولا تصلح الموالاة إلا بالمعاداة من وجه آخر، فإن الموالاة المجردة حب وصفاء وثبات في سكون والتذاذ هادئ، ومتى كانت ملازمة النفس للسكون أصاب قواها استرخاء، ولا بد من تحديات محركة عند القاعدين.

هذا المعنى يعرفه العاملون، وأجاد إقبال حين عبر عنه فقال:

يبدو لك في الحق: صديق                                   أتت بالأعداء ذو غصن وورق

أيقظ الخصم قواك الهاجدة                            مثل ما تحيي الموات الراعدة (10)

إن حركة الحياة مبدؤها التحديات، وعلى كلٍّ فإن من وجدته جامدًا هاجدًا راقدًا رغم تحديات الجاهلية اليوم كان رقوده دليلًا على افتقاده الحياة، ولذلك تحدث الآن عن استبدال من لا يجاهد بقوم يجاهدون، فإن من عَدِمَ الجهاد كان كالميت، والميت لا تبقى جثته بين الأحياء، فتَفسُد فتُفسِد الأجواء.

الهوامش:

(1) من مرثيته لسيد قطب في الكتاب الجامع لما قيل من المراثي فيه المعنون بـ«الشهيد سيد قطب»: ص 76.

(2) في ظلال القرآن 2 / 30.

(3) خريدة القصر، القسم العراقي 1 / 226.

(4) ونجاد السيف: حمائله.

(5) من قصيدة له في مجلة التربية الإسلامية، السنة الثانية، العدد الخامس.

(6) النوادر في اللغة لأبي مسحل / 240 / 288.

(7) المسلمون 1 / 617، وذكر أنه أخذ أصل المعنى عن إقبال.

(8) في ظلال القرآن 2 / 109.

(9) الجواب الكافي لابن القيم / 173.

(10) ديوان الأسرار والرموز/ 47.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 114

167

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

إلام ندعو وكيف؟ "2"

نشر في العدد 107

141

الثلاثاء 04-يوليو-1972

العبد الحر!!

نشر في العدد 108

162

الثلاثاء 11-يوليو-1972

الأبرار الساكتون الهالكون