; أندونيسيا ومذابح المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان أندونيسيا ومذابح المسلمين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1985

مشاهدات 72

نشر في العدد 705

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 19-فبراير-1985

عزيزي القارئ:

ألقينا في العدد السابق نظرة شمولية على مذبحة المسلمين في عام ١٩٨٤ من قِبَل نظام سوهارتو الذي كان يتستر دائمًا وراء الديمقراطية، فهذا المصطلح ما هو إلا شعار ليس له أي محتوى ومعنى، وما هو إلا وسيلة تبرير لنظام الجيش المتعدد الأدوار، واليوم نتابع معك -أخي القارئ- في بحث العامل الأيديولوجي والسياسي في نظام الحكم في إندونيسيا.

العامل الأيديولوجي والسياسي

كان سوهارتو نفسه أول من أعرب أن البانتشاسيلا غير مستمد من المصادر الدينية «الإسلام أو غيره» وإنما مستمد من تعاليم الآباء والأجداد القدامى والتي سماها تصور «هونوتشوروكو».

أصل البانتشاسيلا

وهو تصور فلسفي لدى قبيلة جاوا يستمد أساسها من الأحرف الأبجدية الجاوية التي تعبر عن أساطير بهلوانية صوفية. وفي خطاب توجيهي ألقاه سوهارتو أمام كبار المسئولين من المدنيين والعسكريين في قصر «بيناغراها» عام ١٩٨٤م أكد مرة أخرى أن البانتشاسيلا مستمد من تصور «هونوتشوروكو» أو بالأحرى المذهب الباطني الجاوي ومن «تاوزيا» وهو مذهب فكري فلسفي أسسه «يان» و «يينغ».

واعتقاد سوهارتو عن مصدر البانتشاسيلا هذا كان بمثابة بلاء للنظام السياسي بإندونيسيا. إذ قدر سوهارتو البانتشاسيلا حسب مزاجه الشخصي والذي لا يتوافق وفكرة مستحدثي البانتشاسيلا المكونين من 9 زعماء من بين المسلمين والوطنيين العلمانيين والبروتستانتي - إطارًا ومحتوى. فمن هذا المنطلق فقد عقد مجلس نواب الشعب / مجلس شورى الشعب، جلسة عامة في مارس عام ۱۹۷۸م وقرر فيها انضمام المذهب الباطني إلى الخطوط العريضة لسياسة الدولة (G.B.H.N) وحينذاك كانت جبهة القوى المسلحة الإندونيسية وجبهة «قولكار» وجبهة ديموقراطيًا إندونيسيًا على الموافقة الكاملة لانضمام هذا المذهب الباطني بصورة جماعية، بينما رفضت جبهة الوحدة الإنمائية وهي إدماج الأحزاب السياسية الإسلامية السابقة ذلك الانضمام.

فلجأت الجلسة العامة إلى التصويت بالأغلبية للأخذ بقرار رسمي في هذا الصدد مع خروج جبهة الوحدة الإنمائية احتجاجا لما قررته الجلسة وتعبيرًا لعدم اشتراكها لتحمل المسئولية المترتبة من هذا القرار. 

في نفس السنة، وفي نفس الجلسة صدر القرار بشأن سريان ما يسمى بـ «تفسير البانتشاسيلا» ويطلق عليه مصطلح «نظام التعايش والعمل بالبانتشاسيلا». فحدث ما كانت عليه الجلسة وهو قبول الجبهات الثلاث الأولية هذا النظام ورفض جبهة الوحدة الإنمائية عليه، وخروجها من الجلسة مرة ثانية. ونظام التعايش والعمل بالبانتشاسيلا هذا يتعارض علميًا بالبانتشاسيلا نفسه، وبالدستور الأساسي عام ١٩٤٥، إذ دلت إيضاحات الدستور الأساسي ١٩٤٥ على استغنائه من أية تفاسير خارج ما هو مكتوب في ذلك الدستور الأساسي نفسه.

موقف المسلمين

وقد رفض المسلمون ذلك واستنكروه عبر خطب الجمعة والمحاضرات العامة والمناقشات والندوات، كما قام الطلبة الجامعيون بالمظاهرات تحت تنظيم وتنسيق رابطات الطلبة احتجاجا لذلك. 

وفي ١٦ أغسطس ۱۹۸۲ ألقى سوهارتو خطابًا رسميًا أعرب فيه فكرته الشخصية المزاجية وهي أن البانتشاسيلا لا بد وأن يصبح أساسًا وحيدًا للأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية والاجتماعية العامة بإندونيسيا. وكان العسكر بحكم هرمهم البيروكراتي صامتين كل الصمت من هذا التطور الغريب في الساحة السياسية، إلا أن المدنيين والسياسيين الواعين والمجتمع العام يسودهم الانقسام الثنائي القبول والرفض.

استنكر المسلمون ذلك وقدموا الرفض إلى مجلس نواب الشعب إلا أنه حال دون جدوى رفض هبوط مستوى أعضاء المجلس ووعيهم بالمسئولية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين ونظرًا إلى ما حققته استراتيجية نظام سوهارتو العسكري من نجاح ملموس تقدم سوهارتو خطوة أخرى نحو الأمام وهي جعل البانتشاسيلا نظام الحياة للشعب الإندونيسي اجتماعيا أو فرديًا، إذ أصر بجعل البانتشاسيلا أساسًا وحيدًا لجميع المنظمات السياسية والجماهيرية العامة والاجتماعية وجعله نظام الحياة الذي لا بد على الشعب انتهاجه. 

وقد رفضت منظمة الطلبة الجامعيين المسلمين في مؤتمرها الأخير في مايو ۱۹۸۳ المنعقد في مدينة میدان بسومطرا الشمالية على اتخاذ البانتشاسيلا أساسًا وحيدًا لها، كما رفضت منظمة الطلبة المسلمين الإندونيسيين أيضا على جعل البانتشاسيلا أساسًا وحيدًا لها وذلك خلال مشاورتها الوطنية المنعقدة في يونيو ۱۹۸۳ ولا تزال تجعل هاتين المنظمتين الإسلاميتين الإسلام أساسًا لهما، فأبدى نظام سوهارتو قوته وكبراءه، فوضع شتى العقبات أمام هاتين المنظمتين في جميع نشاطاتهما، وكثير من مسئوليهما تعرضوا للتحقيق من قبل القوى الأمنية.

تدخل الحكومة في فرض البانتشاسيلا

وفي عام ١٩٨٣م عقد مجلس شورى الشعب جلسته العامة، وتمكنت الحكومة بالتهديد من إجبار النواب في هذه الجلسة العامة على إصدار قرار بشأن وجوب اتخاذ البانتشاميلا أساسًا وحيدًا لجميع المنظمات السياسية والاجتماعية مع أن هذا بطبيعة الحال مخالف لتعاليم الإسلام الصحيحة، وهي أن الإسلام دين شامل كامل يعلم الناس بأن لا خضوع إلا لله، ولا حاكم إلا الله، ولا نظام من نظم الحياة إلا ما جاء من عند الله سبحانه، وما هو مستمد من كتاب الله وسُنة نبيه، لكن سوهارتو قام بحظر كل النشرات والمقالات والمجلات التي ترفض البانتشاسيلا أساسًا وحيدًا للحياة الفردية والاجتماعية. 

ومثال ذلك جريدة «الرسالة» أو «الإخوان» الصادرة في مدينة يوكجاكرتا.

وفي عام ١٩٨٤ أجرى سوهارتو ما يسمى بـ «التصويب» لجميع موظفي الحكومة لينضموا إلى «فولكار» أي طائفة الحرفيين بطريقة داهية جدًا. وهي أن هؤلاء الموظفين لا بد من توقيع استمارة معدة لهم وبموجبه أصبحوا أعضاء فولكار راضين عن هذه العضوية أو لم يرضوا عنها.

والمسلمون لكونهم من موظفي الحكومة لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا غير ذلك سوى القليل منهم الذين رفضوا توقيع الاستمارة مما يترتب على ذلك إبعادهم عن مناصبهم الرسمية.

كما أن أنشطة المحاضرات الدينية في الدوائر الحكومية تواجه نوعًا من العقبات البيروقراطية فيوجد في كل مكتب حكومي جهاز للمخابرات لمراقبة أنشطة الدعوة الإسلامية فيه. 

وهكذا، فقد تم إبطال الناحية الأيديولوجية والسياسية وتخريبها، واليوم جمع المؤسسات البرلمانية الأربع، بما فيها جبهة الوحدة الإنمائية قد قبلت البانتشاسيلا أساسًا وحيدًا لحياة المجتمع والمواطنة والدولة. 

فضاع من المسلمين كثير من المجالات لإلقاء أفکارهم وطموحاتهم، من الوسائل الإعلامية ومجلس نواب الشعب واللقاءات الجماهيرية مثل المحاضرات والمناقشات التي اشتدت رقابتها، فازداد الوضع توترًا يومًا بعد آخر.

التغيير في التربية والتعليم

والنظم التربوية والقضائية والاجتماعية اليوم وبعد إبعادها عن الآثار الإسلامية اتسمت بسِمة علمانية خالصة. فعلمنة النظام التربوي تتم بصورة مكثفة، فلم تحظ حصة التربية الدينية سوى ساعتين فقط في الأسبوع، بينما تحظى حصة تربية أخلاقيات البانتشاسيلا -وهي أخلاقيات مبهمة لا أساس لها- ثماني ساعات في الأسبوع. ونظام القضاء يسوده النظام القضائي الجاهلي الهمجي، فالقوى هو الفائز في جميع القضايا القضائية وأصبح الضعيف فريسة الأقوياء فإذا سرق أحد من الشعب العادي الضعيف دجاجة واحدة يعاقب بالسجن فورًا خلال ثلاثة شهور على الأقل. بينما إذا ارتكب نظام سوهارتو رشوة أو بالأحرى سرقة بمليارات الدولارات فلا عقوبة عليهم قَط، بل نال بعض منهم وسام «ماهابوترا» أي المواطن المثالي. ثمة جالية صينية لم تدفع الخراج المكلف عليها. ويكفي عليها تقديم رشوة سخية لموظفي مكتب الخراج، الأمر الذي أدى إلى قلق المواطنين وخاصة المسلمين باعتباره ظلمًا همجيًا عليهم. والبرامج التلفزيونية بعيدة عن المواد الدينية والثقافية البناءة، فهي محصورة على حملة الأساس الوحيد «أي البانتشاسيلا» بالإضافة إلى عرض الأفلام القبيحة اللا تربوية.

تحديد النسل

وتنظيم الأسرة قد تحول إلى تحديد النسل، فكثير من الأمهات والفتيات يفرض عليهن استخدام أداة مانعة لالتقاء البويضة أو ما سمي بـ «أي. يو دي» وكانت حوادث بمدينة مالنغ الجنوبية وبليتار وكديري كلها في محافظة جاوا الشرقية خير دليل وأبلغه لهذه التجربة السيئة في قضية تحديد النسل، إذ قطعت هؤلاء الأمهات أثناء الطريق ويجبرن على الدخول إلى مستوصف طارئ، ومن ثم لا بد أن يضطجعن على سرير معد لهن تحت رقابة رجال الدفاع المدني أو باللغة الإندونيسية «هانسيب» فرع الطبيب ووضع في الأرحام «أي. يو. دي» وهن في حالة هيستيرية. فقد أبلغ هذا الحادث إلى البوباتية «رئيس المديرية لمنطقة معينة» وضابط قيادة جيوش المنطقة بـ «كديري» وذلك عام ۱۹۷۸ و ۱۹۷۹ ولكن دون جدوى، بل هم مبتسمون قائلين: إن تحديد النسل هذا مشروع الحكومة المركزية وليس على الحكومة المحلية سوى تطبيقه بأي طريقة من الطرق بغرض الوصول إلى أعلى وأكثر المشتركين عددًا. 

لذا حصلت محافظة جاوا الشرقية على جائزة أعلى المشتركين في تحديد النسل، خلال السنتين المتتاليتين. والطريقة الإجبارية التي تنتهجها محافظة جاوا الشرقية هذه قد انتشرت الآن في جميع الأقطار الإندونيسية على مختلف أساليبها وتقنيتها. ومع ذلك تساهلت الحكومة في هذا الصدد تجاه الجالية الصينية وعليها حرية تامة في الاشتراك في تحديد النسل أو الرفض له، وكذلك الحال بالنسبة لرعايا الأجانب الأخرى كأمريكا واليابان وأوروبا، خلاف ما تكون عليه الجالية العربية إذ يفرض عليها أيضا تحديد النسل فشأنها شأن المواطن الإندونيسي العام.

● دبابات عسكرية تراقب المسلمين وهم يؤدون الصلاة.. كيف يحدث هذا؟؟

يتبع في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 46

134

الثلاثاء 02-فبراير-1971

الأسرة (46)

نشر في العدد 45

102

الثلاثاء 26-يناير-1971

الأسرة  الحياة البسيطة

نشر في العدد 65

145

الثلاثاء 22-يونيو-1971

خاطرة  الأسرة  أولاد بالجملة!