العنوان أنا !
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012
مشاهدات 126
نشر في العدد 2005
نشر في الصفحة 40
السبت 02-يونيو-2012
كنت أتأمل في سورة العلق : التي هي أول ما نزل من القرآن الكريم. فرأيت أن من مقاصدها : محارية الاستكبار وتضخم الأنا الذي هو أعظم سبب للتكذيب، ورفض دعوة الحق تأملت الأمر بالقراءة فوجدته كشفا المجاهل النفس ودوافعها، ووعيا يحد من تسلطها وطغيائها. ولكن المشكلة أن الطغيان ربما كان اغتراراً بالعلم، ولذا ربط القراءة ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العلق : ١) لتكون علما نافعا يلامس شفاف القلب، ويهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. كثيرون ينطلقون بدوافع يظنونها حسنة، وبها يظلمون ويفسدون ويستغلون سلطتهم ومواقعهم، ويصمون أذانهم.. والمعرفة الصحيحة تسلط الأضواء على مكامن الأنا ومساريها داخل النفس الإنسانية ليعرف المرء دوافعه ، ويتعامل معها بوضوح الحديث عن العلق الذي خلق منه الإنسان هو هجوم على منطقة الداء، وتطهير لها من تضخم غير حميد قد يضربها ويمتد منها إلى مناطق أخرى.
يكفي الحديث عن الأصل الذي يعود إليه الإنسان ليجد أن لا شيء يدعو للتعاظم والأبهة ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾َ (٢) (المعارج)، ﴿مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ (المرسلات).
فإلى أين تذهب وتشمخ بأنفك، وتتطاول وتنظر في عطفيك، وتزدري عباد الله ؟ الستمن الطين ؟!
نسي الطين ساعة أنه طين
حقير فصال تيها وعريد
وكسا الخز جسمه فتباهي
وحوى المال كيسه فتمرد
يا أخي لا تمل بوجهك عني
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أنت مثلي من الثرى واليه
فلماذا يا صاحبي التيه والصد ؟!
وكل فضل أو عطاء أو كمال فهو من ربك الأكرم، وهو خليق أن يقابل بالشكر والتواضع ومعرفة النفس ووضعها في موضعها الذي تستحقه بعيداً عن الكبرياء والاستعلاء بغير حق.
ما الذي يمنع الإنسان من كشف عيوبه ومعرفة حقيقته؟ ما الذي يجعله يطغى؟ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ (العلق).
ليس الغنى هو ما يطغيه، ورب غني بعلم أو مال أو جاه أو سلطان وهو محافظ على نفسه لا يسمح لهبة ريح من الغرور والعجب والتكبر أن تغيرها.
الذي يطغيه رؤيته لغناه أن يرى نفسه مستغنيا ، هنا تكمن الأنا المؤذية المزهوة بنفسها، ذات الادعاء العريض، والانتفاخ الموهوم، والتعاظم الأجوف﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىعِلْمٍ عِندِي ﴾ (القصص: ۷۸)، ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ (الزخرف: ٥١)، ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف :۱۲).
العجيب أن فرعون هو صاحب المقولة المنقولة في كتاب الله تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات)، وسورة العلق كانت تعالج عدوانا وطغيانا واجه النبي الكريم صلي الله عليه وسلم بمكة وحاول تعويق مسيرة الدعوة، كان حامل رايته ومتولي كبره أبو جهل، وهو الذي نزلت فيه هذه الآيات، وهو فرعون هذه الأمة.
وكما وعظ موسى فرعون الأول، فقد وعظ القرآن فرعون العرب، وأبلغ في موعظته، وكان أبو جهل يمعن في جريمته، ويعلنها حربا بلا هوادة على المؤمنين المستضعفين. حين جهر ابن مسعود بالقرآن وتلا سورة الرحمن: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) ﴾ (الرحمن)، وهو نص يكشف حالة المستكبرين يوم القيامة حين يحشرون أمثال الذر يطؤهم الناس حتى يدخلوا النار.. فقام إليه أبو جهل فوطأه وآذاه وضربه.
ولذا جاء التهديد هنا مباشراً وصريحاً. وموجها بصفة شخصية لذاته المعطوبة المليئة بالتورم: ﴿إِنَّ إِلَىرَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق): أي معنى يكف النفس عن غلوائها ويعيدها إلى صوابها، ويحفظ توازنها كهذا المعنى ؟! أن يتذكر الخلق من علق، ثم الرجعي إلى الموت والقبر والتراب، ثم البعث والحساب. يا ابن التراب ومأكول التراب غدا أقصر فإنك مأكول ومشروب ولأن الخطاب هنا لمتكبر جاء السياق له بفرضية ماذا لو ؟ افترض أن ؛ لأن الكبر عادة ما يغلق منافذ التفكير، ويعمى صاحبه عن الحقيقة﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى(11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) ﴾ (العلق)، إذا كان الأمر كذلك، وأنت تحاربه وتمنع أتباعه من حريتهم في العبادة والصلاة، أتظن أن الله عنك غافل؟ ألا تدري بأن الدهر دول، وأن الأيام حبلى بالمفاجآت؟
إذا فلتعلم بأن هذا المؤمن الذي ضربته وآذيته، سيصعد على صدرك وأنت صريع وقد عاينت الرجعي، وزال عنك فخرك فتقول له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم هذا وأنت في رمقك الأخير.. تداري عن كبريائك الجاهلية، وتسأل لمن الدائرة اليوم؟
بينما كان أخوك فرعون مصر يقول في مثل حالك ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴿ (يونس). أي صلف وعناد هذا الذي تغلغل في نفسك وحجبك عن الحق حتى هذه اللحظة ؟! لقد هدد السياق هذا المستكبر إن لم ينته أن يسمع بناصيته - أي مقدم رأسه - وهكذا كان، فلقد سحب أبو جهل الطاغية إلى قلب بدر؛ ليكون لمن خلفه من الطغاة آية وعاد التوجيه الإلهي يربي النبي والمؤمنين على الخضوع والخشوع والتواضع لعظمة الله تعالى والتذلل بين يديه، وألا يطغوا إن مكنوا فتحق عليهم السنة، وتجري عليهم الآية: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿ (هود).
ولا شيء يصنع الكبر والطغيان مثل أن يوكل الإنسان إلى نفسه وضعفه، ولا شيء يدفعه ويحمي النفس من غوائله مثل الإخبات لله تعالى، والقرب منه، والركون إليه.. و أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فاسجد واقترب.