; أم معاذ.. نجمة غابت عن سماء دعوتنا | مجلة المجتمع

العنوان أم معاذ.. نجمة غابت عن سماء دعوتنا

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 07-أغسطس-2010

مشاهدات 71

نشر في العدد 1914

نشر في الصفحة 54

السبت 07-أغسطس-2010

بطلة هذا المقال نجمة من نجوم حاضرنا الدعوي الذي عشنا ونعيشه، نجمة أضاءت دروب الحائرات، وخدمت القرآن الكريم حتى الممات، أن لها أن تغيب وترحل، فغابت وأفلت عن سماء دعوتنا.. اللهم لا اعتراض على قضائك ولكننا نسألك لها الرحمة والجنة ولنا الصبر والأجر، فأنت الذي أعطيت، وأنت الذي أخذت وإنا لك، وإنا إليك راجعون.

الزمان الواحدة والنصف بعد ظهر الأربعاء، الموافق السادس عشر من شعبان عام ١٤٣١هـ، الثامن والعشرين من يوليو ۲۰۱۰م، والمكان مدينة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية.. أما الحدث فيحتاج إلى أن ندعو ربنا عز وجل «ربنا أفرغ علينا صبرًا»... اللهم آمين. 

إنها نجوى سلطان «أم معاذ» يرحمها الله فقد سافرت من الكويت إلى القاهرة يوم الثلاثاء الموافق الخامس عشر من شعبان ١٤٣١هـ، السابع والعشرين من يوليو ۲۰۱۰م، وذلك لحضور عزاء والدتها يرحمها الله، برغم أنه لم تمض على إجرائها عملية جراحية سوى أسبوع واحد وهي لا تدري - ونحن أيضًا - أنها ستودع الدنيا راحلة إلى دار الحق، بعد ساعات من رحيل أمها وشاء الله سبحانه أن تكون وفاتها في بلدها فسبحان من قال في محكم التنزيل: ﴿إِنّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34).

وقع الخبر على جميع من يعرفونها كالصاعقة؛ فالمهم وأحزنهم، فلسنا فقط من يبكيك يا أم معاذ، بل تبكيك بناتك وطالباتك وصاحباتك ودور القرآن التي ملأتيها ذكرًا وعطرتيها بكلام الله وتعليمه، والأرض التي سرت عليها تدعو لك، ولكن ليس في مقدورنا جميعًا إلا أن نقول كما علمنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم: «إن لله ما أعطى، وله ما أخذ وإنا لله وإنا إليه راجعون».

لماذا الحزن على أم معاذ؟

ما أكثر الدعاة الرجال، لكن الداعيات من النساء قليلات، لذا فقد كان حزننا - ولا يزال - على رحيل أم معاذ شديدًا، وخاصة من يعرف هذه الأخت الفاضلة، التي صاحبها الخير أينما يممت وجهها، تشهد لها طرق الكويت وأهلها ومؤسساتها الخيرية العظيمة، فقد جابت أرض هذا البلد الطيب لتنشر الخير وتعلم بنات المسلمين وتربيهن.

مولدها ونشأتها

ولدت أم معاذ - يرحمها الله - بمدينة الإسماعيلية بمصر، في يوم ١٩٥٦/٧/١٩م، وتنقلت مع أسرتها إلى بعض مدن مصر، حسبما كان ينتقل والدها لطبيعة عمله، فقد كان ضابطًا في خفر السواحل بجمهورية مصر العربية، إلى أن استقرت الحال بالأسرة في مدينة الإسكندرية بمصر، وقد تكونت الأسرة من الوالد والوالدة - يرحمهما الله – وثلاثة أبناء وخمس بنات.

ثقافتها

الدكتورة نجوى سلطان أم معاذ يرحمها الله حاصلة على بكالوريوس طب الأسنان من جامعة الإسكندرية عام ۱۹۸۰م، ولكنها كانت ذات ثقافة شرعية عالية، وكانت هذه الثقافة في صدارة ميولها وأولوياتها، حتى تتمكن من الدعوة على بصيرة وعلم، وقد نجحت في ذلك نجاحًا كبيرًا، تشهد به جميع من تتلمذ على يديها، أو تعامل معها، أو شاركها عملًا. 

أسرتها الحالية

عاشت أم معاذ زوجة للمهندس محمود حسين «أبو معاذ»، وأمًا لثلاثة أبناء وبنتين الأبناء هم: معاذ، ومصعب، وعبد الله، والبنتان هما: آلاء وهي متزوجة، ومريم طالبة بكلية العلوم جامعة الكويت، أسأل الله أن يرزقهم جميعا الصبر والأجر.

أبرز مناقبها

يشهد لها من اقترب منها بأنها كانت امرأة صالحة ربانية قرآنية، يُلمس فيها الإخلاص واضحًا شعلة من النشاط في عملها ودعوتها، غيورة على دينها. 

وإذا ذكرت أم معاذ ذكرت الإيجابية، والعطاء، والكرم والتضحية، والتفاني والإبداع والتفكير والتخطيط، والبصيرة النافذة، والوعي، والتركيز العالي، وحب الإسلام والمسلمين، وحب أخواتها، وزميلاتها وصديقاتها وحنانها عليهن، وصبرها على إيذائهن وتحملهن، واحترامها لغيرها، والتقدير وتربية البنات والإسهام في علاج المرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح، وغير ذلك كثير، يرحمها الله.

أم معاذ كما رأيتها

جمعني بأم معاذ تعليم القرآن الكريم بحكم تخصصي، وهو المجال الذي حصلت فيه على الماجستير وكانت أم معاذ واحدة من الرائدات المشرفات الناجحات في هذا المجال بدور القرآن الكريم وحلقات التحفيظ بدولة الكويت الشقيقة.

لم تكن أختنا أم معاذ نمطية في عملها، ولم تقف عند حدود وظيفتها، فلم تهتم فقط بتحفيظ بناتنا القرآن الكريم، وإنما تجاوزت ذلك إلى الاهتمام بتربية الفتيات على قيم القرآن الكريم، وهو منهج سلفنا الصالح.

تأثير أم معاذ يرحمها الله في المجتمع 

كثيرًا ما كانت طالباتي بالكلية يسألنني: هل تعرف أم معاذ؟ ولم يقتصر تأثير أم معاذ في تلميذاتها على الطالبات فحسب، بل امتد ليشمل صديقاتها ورفيقاتها من جميع الجنسيات المقيمة بدولة الكويت الطيبة وكذلك أخواتي وبناتي المواطنات بدولة الكويت، فقد كانت بعض عضوات هيئة التدريس من زميلاتي يسألنني عن أم معاذ ويتحدثن بانبهار عن شخصيتها وتأثيرها الإيجابي فيهن.

وقد امتد هذا التأثير حتى نالني منه خير كثير، فقد أحبتها زوجتي كثيرًا، لدرجة أنني عندما كنت أهاتف زوجتي - منذ أيام وأخبرتها بوفاة أختنا أم معاذ.. لم تستطع أن تكمل معي المكالمة من شدة البكاء والحزن وقبلها ظلت تراجعني هل أنت متأكد؟ ثم كررت على سمعي ثلاث مرات ربما يكون والدة أم معاذ؟ فلما أكدت لها النبأ بكت ولم تستطع أن تكمل المكالمة.

وأذكر ذات يوم كانت أم معاذ يرحمها الله تزورنا في بيتنا وكنت قبلها في حوار مع زوجتي بخصوص حجاب ابنتي الصغيرة وكان عمر ابنتي آنذاك سبع سنوات، وكنت أرى ضرورة أن تتحجب - وإن لم يكن قد صار واجبًا عليها لصغر سنها - كي تتعوده، وكانت زوجتي ترى أن نؤجل ذلك قليلًا، وكانت ابنتي تميل إلى رأي أمها، فلما جاءت أم معاذ - يرحمها الله - لزيارتنا خرجت ابنتي تسلم عليها - وكانت تحبها - فسألتها أم معاذ سؤالًا واحدًا باللهجة المصرية: «امتى هتلبسي الحجاب يا سلمى عشان نعمل لك حفلة»؟، ففكرت في هذا السؤال بصيغته وإلقائه، وحللته التحليل التربوي، فأعجبني لأنه لم يأت بصيغة الأمر، بل بصيغة يمتزج فيها الاستفهام بالترغيب ويتخللها الحب والود، فأتت الكلمة الطيبة الحكيمة ثمرتها، وتحجبت ابنتي، ووفرت علي وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا في الحوار والإقناع، وأحسب أن إخلاص أختنا - يرحمها الله – كان له دور كبير في تحقيق الهدف.

أم معاذ في قلب، «مي» تلميذتها

مساء أن دفنت أم معاذ - يرحمها الله - دخلت أفتح بريدي الإلكتروني عقب منتصف ليلة الجمعة، فوجدت رسالة أرسلها إلى صديق «إعادة إرسال»، كتبتها إحدى التلميذات الوفيات لأم معاذ، دونتها بمدونة تسمى مدونة مي، ومي هو اسم التلميذة، وهي التي كتبت عن أم معاذ يرحمها الله.

وسأحاول فيما يلي أن أسوق بعض ما ذكرته.. وخاصة أن طلبت نشر مقالها بهدف جلب الدعاء لأم معاذ يرحمها الله، وقد كنت حائرًا ماذا أختار فيما كتبت «مي» عن أستاذتها فكلامها كله مؤثر وقد ذيل مقالها بتعليقات توقفنا على قدر أم معاذ، وكانت تختم كل فقرة بدعاء يؤكد وفاءها لأستاذتها، تقول «مي»:

 إنسانة لم أر مثلها في حياتي، العطاء - دون مقابل، ولوجه الله - اقترن باسمها، لا أدري للأمانة ماذا أحكي؟ وماذا أترك؟

صعقت بخبر وفاتها حقًا، والأعمار بيد الله.. منذ أن كنت في رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية وهي تعلمني القرآن الكريم بحلقات التحفيظ في المسجد، بكل همة وتفان وإخلاص والله لا يوصف، تكاد تقول: إن هذا الفعل مستحيل من بشر في هذا الزمان. كانت بعد الحلقة توصلنا إلى منازلنا نحن وبنات الجيران مع أن هذا ليس من واجباتها ومهامها، وكانت فرحة مسرورة وهي تقوم بذلك دون مقابل.. اللهم ارحمها. 

استعجلت نفسي أن أكتب التدوينة ودموعي تمنعني من الرؤية، لكني أريد أن يدعو لها أكبر عدد ممكن في أسرع وقت.. رب ارحمها.

وتواصل «مي» حديثها عن أم معاذ فتقول: بعد ذلك قامت بتأسيس ناد للبنات، وكان الأول من نوعه في المنطقة، كنا نصل في الصباح، لنتحلق ونقرأ أذكار الصباح التي مازالت ترن في أذني، ومازالت التراتيل محفورة في ذاكرتي.. كم من الأجر لأم معاذ؟ رب يتقبل منها.

ولقد أعطتنا أم معاذ ما هو أكبر من تعليم الأطفال، فغرست فينا حب ذكر الله والمداومة

عليه، ومراقبة الله عز وجل، والتقرب إليه ثم كانت هناك عديد من الأنشطة والرحلات والمسابقات الممتعة جدًا، والتي كنا ننتظرها يومًا بعد يوم، وقد كنت أنا وأخواتي مواظبات على هذه الأنشطة، وتعرفت على عائلتنا، وأصبحت واحدة منا هي وأبناؤها وبناتها وأبوهم أبو معاذ، عسى ربي أن يصبرهم يا رب أرجوكم ادعوا لهم أن يصبرهم الله، أرجوكم. 

استمررنا معهم في جميع تنقلاتهم بين ثلاثة أندية أو أربعة في نفس المنطقة وقد كانت تحضر لنا أكفأ المدربين والمعلمين ليدربونا، ويعلمونا أمور الحياة، والدراسة والأمور الدينية.. كانت تقدم لنا ما لم تقدمه أقوى مراكز التدريب ومجانًا دون مقابل.. وأذكر أنها أول من علمتنا تنظيم الوقت ونحن أطفال وهي أول من سمعنا منها كلمة هدف، ورؤية ووقت، ومهمة... إلخ، ونحن في عمر صغير جدًا.. رب ارحمها وآنس وحشتها يا رب، هي من علمنا أن نجلس نذكر الله بعد الصلاة، وأذكر أنا كنا إذا سلمنا ووقفنا كانت تجذبنا لكي نجلس ومازلت مستفيدة من تلك الجذبة، فكانت تقول لنا: إنها دقائق لكي نذكر الله فيها، ولن نخسر شيئًا. 

كانت متطورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى كل جديد تجلبه للنادي لا يهمها ثمنه ما دام له منفعة، وقد كانت مبدعة بشكل كبير جدًا، تبارك الله وعسى ربي أن يجعل كل ما فعلته في ميزان حسناتها.

هي أول من بدأ في حجز أماكن الترفيه للنساء فقط، وكانت الإدارات في البداية ترفض ذلك، ولكنهم لما وجدوا إقبال الناس على ذلك خصصوا مكانًا للنساء.

لم تكن تهتم بأي شيء سوى إفادة الناس، كانت تركز على إسعاد الناس، وعلى الأخلاق والدين، جعل الله ذلك في ميزان حسناتها.

 كانت ومازالت حتى بعد وفاتها معلمًا حقيقيًا لي ولمئات وألوف من الناس، رب لا تحرمها الأجر، بل عندما كبرت بدأنا نتعاون في كثير من الأمور والبرامج، وكنت أستشيرها وتستشيرني.. يرحمك الله يا حبيبة.

 أسست حضانة للأطفال بعد خروجها من النادي، وبهذه الروضة أفضل المناهج التربوية للأطفال، وبها يتعلم الأطفال القيم العظيمة.. كانت تحرص حقا على بناء جيل مسلم قوي. وكانت تقوم بتزيين خيمة صلاة العيد في منطقة الفنطاس لإدخال الفرحة على المسلمين بالعيد وكانت تشتري ذلك من حسابها.. من يفعل ذلك؟!

ربي يفرحك يا أم معاذ في قبرك ويرزقك الفردوس الأعلى.. وهي أيضًا طبيبة أسنان وكانت لها دورات ومحاضرات إبداعية في هذا المجال بالمدارس، واستطاعت أن تؤثر في الأطفال حتى تخلصوا من تناول الحلوى والمأكولات الضارة بشهادة أهلهم، بل منهم من أثر في أقرانه بشهادة الأمهات، فمن يفعل ذلك بهذا الإخلاص؟ رب اعف عنها. 

لا أدري ماذا أذكر، إحساس صعب الوصف أم معاذ كنز حقيقي وكبير... رب ارحمها. 

أرجوكم طلب من قلبي، أن تنشروا هذا المقال لكل من تعرفون فقد تخرج دعوة من قلب تصل إلى السماء ويقول لها ملك آمين ويحققها ملك الملوك عز وجل.. يجب أن يعلم العالم كله أن أمثال أم معاذ موجودات، ونحن بحاجة إليهن، وثمارهن تبقى بعد مماتهن. 

هكذا ختمت مقالها، ونحن نقول لك يا «مي»: جزاك الله خيرًا، وأكثر من مثيلاتك من التلميذات الوفيات، وإن كنت يا أم معاذ قد رحلت عن سماء دعوتنا بجسدك فإنك ما زلت موجودة بيننا بفكرك وخلقكك وما ورثتيه لطالباتك وأخواتك، والله أسأل أن يتغمدك برحمته وأن يسكنك فسيح جناته، وأن يجمعنا جميعا بالفردوس الأعلى.

الرابط المختصر :