; أم الأساطير «الإسرائيلية».. جينات كوهين | مجلة المجتمع

العنوان أم الأساطير «الإسرائيلية».. جينات كوهين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003

مشاهدات 1

نشر في العدد 1559

نشر في الصفحة 20

السبت 12-يوليو-2003

عندما يتستر التلفيق والكذب بالدراسات العلمية

أم الأساطير «الإسرائيلية».. جينات كوهين

باحثون صهاينة يزعمون أنهم أجروا بحوثا جينية على ٣٠٠ يهودي من دول مختلفة يحملون اسم «كوهين» فتبين أنهم من عرق وأحد!

قام الكيان الصهيوني على مجموعة من الأساطير، أبرزها أسطورة الوعد الإلهي لليهود ب أرض الميعاد ومقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»؛ حيث روجت الحركة الصهيونية قبل الاستيلاء على فلسطين وتهجير أهلها، أن فلسطين أرض خالية من البشر ويحق لليهود إقامة دولتهم الخاصة عليها. كما يزعم دعاة الصهيونية أن ألمانيا النازية أحرقت ٦ ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية، وهي الأسطورة المعروفة بالـ «هولوكوست كوهين الحرفة أي المحرقة»، على الرغم من أن الأبحاث العلمية والتاريخية الرصينة تنفي ذلك.

وقد تكون مجموعة الأساطير تلك قابلة اليهود الذين يحملون اليوم اسم وقد تكون مجموعة الأساطير تلك قابلة. للتجاوز وغض الأنظار العلمية والتاريخية عنها بالنسبة للرأي العام الغربي، ولكن أم الأساطير التي تحاول «إسرائيل» الآن ترويجها تتعلق بـ «الجينات»؛ إذ نشر باحثون إسرائيليون» دراسة يقولون فيها إنهم أجروا. بحوثًا جينية على حوالي ٣٠٠ يهودي من جنسيات مختلفة، ويحملون اسم كوهين فتبين لهم أنهم عرق وأحد.

ترى ما حقيقة هذه الدراسة وما أهدافها الحقيقية؟

 جينات كوهين... آخر الأكاذيب

 لا تكتفي «إسرائيل» بنجاحها في احتلال وكل أراضي فلسطين، كما لا تكتفي بانتصارها الدعائي الكبير المتمثل بقبول الغرب أسطورتها المؤسسية، ولكن يواصلون الجهد لتوطيد شرعية وجودهم في تلك البلاد. وهذا ما يفسر أعمال التنقيب المستمرة الواسعة والتطوير المستمر للتاريخ اليهودي البديل المختلق.

 أغرب ما في الأمر أن أخر محاولة في هذا المضمار لم تأت من مؤرخين أو باحثين في تاريخ التوراة، بل من علماء الجينات فقد نشرت مجلة «نيتشر» العلمية المرموقة تقريرًا عن الجينات اليهودية لباحثين من جامعات لندن وأكسفورد وحيفا وكلهم تقريبًا يهود أو «إسرائيليون»، من بينهم أيضًا الباحث تيودر بارفيت وهو ليس يهوديًا أو «إسرائيليًا»، لكنه معروف بتأييده المتحمس للصهيونية.

وينطلق البحث من العهد القديم بالتحديد من روايته عن حصر سلك الكهنوت كوهانيم. من هنا الاسم الشائع كوهين جيلًا بعد جيل بالذكور من ذرية هارون شقيق النبي موسى u، وكان البحث يقوم على فرضية أن اليهود الذين يحملون اليوم اسم كوهين يحتفظون من حيث التكوين الجيني بهذا الإرث، ويختلفون بسببه عن بقية اليهود. والتحقيق في الأمر أجرى الفريق فحوصًا جينية لـ ٣٠٦ من اليهود الذكور من «إسرائيل» وكندا وبريطانيا من الأشكيناز «اليهود الغربيين والسفارديم «الشرقيين». وكانت النتائج أن نوع جينات كوهين متشابهة سواء كانوا من الأشكيناز أو السفارديم، فيما كان نوع جينات اليهود الآخرين مختلفًا وقد استنتج الباحثون من ذلك أن الذين يحملون اسم كوهين كانوا مجموعة جينية منفصلة تنحدر من شخص وأحد هو أصلها الجيني.

 وحاول الباحثون أيضًا تقدير زمن وجود ذلك الشخص عن طريق معادلة معقدة تقيس الزمن الذي يستغرقه التغير الجيني وتوصلوا عن طريق ضرب عدد التغيرات التي وجدوها في جينات الأشخاص المعنيين بالفترة الزمنية للجيل التي يستغرقها التغير إلى أن أصل هذه المجموعة يعود إلى ١٠٦ أجيال، وإذا كانت الفترة الزمنية للجيل الواحد تتراوح ما بين ٢٥ إلى ٣٠ سنة فإن الزمن الذي استغرقته تغيرات جينات مجموعة «كوهين» لتصل إلى وضعها الحالي يتراوح ما بين ٢۰۰۰ إلى ٣٠٠٠ سنة. ولدى العودة إلى العهد القديم وجد الباحثون أن هذا التاريخ يتطابق مع المرحلة الزمنية بين الخروج وتدمير المعبد الأول في سنة ٥٨٦ قبل الميلاد.

لم يكن هذا التقرير الأول الذي يتناول موضوع الجينات اليهودية. فقد نشرت صحيفة جويش كرونيكل اليهودية البريطانية تقريرًا من بحوث قام بها قسم من الفريق البحثي ••• ووقع البحث في شقين: دراسة جينات ••• يهودية من اليمن وإثيوبيا وأوغندا دراسة جينات يهود من تشيكوسلوفاكيا. كان الهدف من التقرير الجواب عن السؤال: ••• تعود الجاليات اليهودية المختلفة إلى أصل•••، أم هل تتشابه من حيث الجينات مع السكان المحليين؟ مشيرة بذلك إلى تحول نحو اليهودية أو الزواج المختلطة. لم يستطع الباحثون تحديد جواب حتى الآن إلا فيما يخص يهود تشيكوسلوفاكيا، الذين كان بينهم •••جيني أكثر مما بينهم وبين بقية السكان. الادعاء الجيني.. باطل بالرغم من أن تقرير الجينات اليهودية، يستعمل الكثير من التعبيرات العلمية الرنانة والمعادلات الإحصائية والجداول المعقدة فإن كل ذلك لا يخفي العديد من المغالطات في أساليبهم البحثية واعتمادهم على الأسلوب الانتقائي غير المقبول علميًا، في تفسير النتائج. ويعتبر هذا التقرير محاولة إضافية– أكثر ابتكارًا ورقيًا من المعهود– لتلفيق صلة تاريخية بين اليهود الحاليين، حتى لو كانوا يعيشون في كندا، وقدامي «الإسرائيليين» الذين يتحدث عنهم العهد القديم كما أنه من الغريب أننفهم كيف أن علماء من اليهود الذين تعرضت جالياتهم في أوروبا لأهوال النازية ونظرياتها عن النقاء العرقي والتجارب الجينية يبحثون في قضايا جينات العرق.

المعروف أن الادعاء الصهيوني المعروف أن الادعاء الصهيوني بفلسطين قام على أساطير تبرر الاستحواذ على تلك الأرض وتفترض أن هناك سلسلة مترابطة من الأحداث التاريخية التي تجعل رغبة اليهود في إقامة دولتهم في فلسطين أمرًا منطقيًا. وهذه الأحداث حسب تسلسلها تتلخص في أن فلسطين كانت بلدًا يهوديًا من زمن النبي داود حتى نحو قبل ۲۰۰۰ سنة، عندما طرد الشعب اليهودي بأسره من تلك الأرض وتشتت في أنحاء العالم، لكنه بقي شعبًا وأحدًا رغم ذلك وها هو الآن في القرن العشرين يعود إلى وطنه الأصلي.

إلا أن نظرة متفحصة للأدلة التاريخية والأثرية في المنطقة تبين تفاهة هذه

الافتراضات وهي كالآتي:

أولًا: ليس هناك أدلة تاريخية أو أثرية على وجود «إسرائيلي،» مسيطر في فلسطين في زمن داود، رغم كل جهود التنقيب التي بذلها باحثون «إسرائيليون» في أنحاء البلاد من أجل البرهنة على ذلك.

ثانيًا: تشير الأدلة التاريخية إلى أن طرد اليهود من القدس عام ٧٦ للميلاد، ثم من مناطق أخرى من فلسطين إثر الثورة اليهودية على الرومان عام ١٣٥ للميلاد، لم يشمل في المرتين سوى أقلية صغيرة، فيما بقيت الغالبية مكانها، وتحولت إلى المسيحية، خلال القرون الأولى بعد السيد المسيح وبعد الفتح الإسلامي لفلسطين في القرن السابع للميلاد تحول أكثر هؤلاء إلى الإسلام، فيما بقيت اقلية من المسيحيين واليهود على دينها بتعبير آخر فإن ما نسميه الفلسطينيين، ينحدرون مباشرة من تلك الأقوام القديمة التي اعتنقت اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام، وأن الاختلاط الذي كان لا بد له أن يحصل عبر القرون مع شعوب وقبائل أخرى لا يغير من جوهر هذا التسلسل بهذا المعنى فإن «يهود»، قبل الفي سنة بقوا مكانهم وغيروا انتماءهم الديني بالتتابع تمامًا كما حصل في المناطق الأخرى في الشرق الأوسط.

هذه الاستمرارية التاريخية تتماشى مع الأنماط المألوفة للسلوك الإنساني أكثر بكثير مما يزعم المنظور الصهيوني الذي يرى تبادلًا سكانيا، حيث يخرج سكان من هذا البلد ليوضعوا في ذاك لكن حتى لو وافقنا على المنظور الصهيوني الذي يدعي أن تهجيرًا كبيرًا من فلسطين حصل في عام ١٣٥ للميلاد فإن ذلك لا يفسر الظهور اللاحق لذلك العدد الكبير من اليهود الأوروبيين الشرقيين إذ من المستحيل تفسير تلك القفزة في عدد اليهود عن طريق التكاثر وحده، بل إنها تشير إلى احتمال اعتناق اليهودية من قبل أقوام آخرين كما في حال قبائل الخزر في وسط آسيا التي تحولت إلى اليهودية في القرن العاشر للميلاد. لكن الاعتراف بهذا الاحتمال ينسف من الأساس المقولة الصهيونية عن أمة يهودية وطنها الأصلي فلسطين، وبالتالي الحجة المقدمة لإقامة الدولة اليهودية.

إزاء هذا الاحتمال شن الصهاينة حملة متواصلة من الدعاية والتزوير لتعزيز كل حلقة في السلسلة الأسطورية التي اختلقوها لربط اليهود بفلسطين، وأحرزت الحملة في الغرب نجاحًا كبيرًا: إذ ليس هناك في الغرب، عدا أقلية ضئيلة، من يشك في أن فلسطين كانت يومًا ما وطنًا لليهود وأن لهم بالتالي حقًا طبيعيًا في السكن هناك الآن كما لا يشك أحد في أن التفاوت الكبير في الهيئة واللغة والملبس والعادات بين يهود روسيا والمغرب وإثيوبيا مثلًا، أو حتى اليهود الذين جاءوا من أمريكا ليباشروا عمليات الاستيطان ويبدون أمريكيين أقحاحًا، ينتمون إلى العرق نفسه ولا ترى غالبية الغربيين التناقضات المتأصلة في دولة مصطنعة مثل «إسرائيل» بين أسطورتها الرسمية عن شعب موحد يسكن موطنه الأصلي التاريخي من جهة، وحقيقتها كخليط من السكان لا يجمع بينه سوى الدين. هذا الوضع يبدو كأنه يعني أن المنطق والعقل نفسيهما يصبحان موضع شك عندما يأتي الأمر إلى «إسرائيل» التي تعامل على أنها كيان فريد من نوعه يتعالى على المقاييس التي تطبق على كل القضايا الأخرى.

 

 

الرابط المختصر :