; من الحياة.. أمي الحبيبة | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. أمي الحبيبة

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 07-مارس-2009

مشاهدات 89

نشر في العدد 1842

نشر في الصفحة 58

السبت 07-مارس-2009

وداعاً يا زينة الحياة.. وداعاً حبيبتي وسر وجودي.. وداعاً يا من يستحيل تعويضك.. وداعا يا سرّ خيري وسعادتي.. وداعا يا حبي المتغلغل في دمي وروحي المتمكن من فؤادي!! بهذه الكلمات المؤثرة، ختم أحد القراء رسالته إلي ناعيا أمه رحمها الله، محتسباً راضيا بقضاء ربه، بعد أن فقد أمه الرؤوم، وصدره الحنون، وأغلى من أحب من البشر جميعا. يقول صاحب الرسالة: لقد ماتت أمي وهي بجواري بل كنت أقبلها لحظة الاحتضار وبرغم هذه اللحظات الحرجة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، فقد أبت إلا أن تغدق عليَّ من نبع حنانها، وفيض رفقها وعطفها.. لقد كانت حريصة . برغم معاناة سكرات الموت . أن تضع يدها على خدي، لتمسح دموعي المنهمرة حزنا عليها وألماً، ولتسجل بذلك قصة حب حقيقية وكأن لسان حالها يقول: يا ليتني مت قبل هذا يا بني، حتى لا تراني في هذا الموقف وتحزن وتتألم.. لقد رفعت كفها لتقول: أنت أهم عندي من نفسي، ونظرت في عينيها فكأني بها تقول: أنت الأهم يا حبيبي، ثم تساءلت ابني من سيرعاك من بعدي؟ من سَيُقبلك؟ من سيهتم بك؟ من سيطبخ لك ويطعمك؟ من سيغسل لك ملابسك من سيمسح دموعك؟ من سيسأل عنك إذا غبت؟

ويواصل صاحب الرسالة فيقول لي: اسمح لي أن أوجه رسالة إلى كل من تعيش أمه ولم يفقدها مثلي لأقول له: مازلت تمتلك أثمن نعمة في حياتك، فمن الممتع أن تكون لديك سيارة فارهة، وبيت جميل مريح، وزوجة حسناء صالحة، وأموال كثيرة، ولكن الأجمل من ذلك كله، والأمتع أن تكون لديك أم تقبلها وتقبل يدها كل صباح ومساء، فتدعو لك دعوة خالصة من سويداء القلب يخجل كثير من الأبناء عندما يسيرون مع أمهاتهم أو يأخذونهن إلى مكان ما، وعلى العكس تماماً، تفتخر الأم عندما تسير في صحبة ولدها.. فما أحن الأمهات!! وما أقسى الأبناء!! كثيرون منا يفكرون في تقديم الهدية فيقدمونها للزوجة والأولاد والأقارب والأصحاب والزملاء، لكن القليلين منا هم من يفكرون في انتقاء الهدية وتقديمها للأم!! أعترف بأنني لم أقدر أمي حق قدرها إلا بعد أن أنجبتُ، فَعَلِمْتُ علم اليقين، ورأيتُ بعين اليقين، كم يعاني الآباء في تربية الأولاد ورعايتهم، لقد أدركت هنالك كم يحب الآباء أبناءهم لأنني ذقت بنفسي طعم حبي لأبنائي وبناتي !! ومَن لم يشعر بحب أبيه وأمه له بعد أن ينجب أولادا ويحبهم.. فذلك إنسان ذو قلب قاس بينه وبين الحب خصومة

سرمدية، وقسوة لا حدودية!!

كل مفقود يعوض في هذه الدنيا إلا الأم، فالمال قد تخسره ولكنه يعود، والزوجة قد تخسرها ويعوضك ربك خيرا منها، وأولادك قد تبتلى فيهم وربما يُفقدون أو يموتون دفعة واحدة، ويرزقك الله بأولاد غيرهم.. صحيح أن هذه كلها فاجعات مؤلمة، لكنها يمكن أن تعوض وتُستبدل، إلا الأم، فإذا فقدت أمك هل لك أم ثانية؟ إنها إذا ذهبت فلا أمل في اللقيا إلا في الجنة بإذن الله إن كنتما من أهلها بعض الأولاد يعتقدون أن الأم مجرد خادمة تطبخ، وتغسل، وترتب البيت وتوقظ في الصباح والمساء.. فهل الأم خادمة؟ وهل تليق هذه النظرة من الأولاد تجاه أمهم؟! إن كثيراً من الأبناء - وإن لم يقولوا ذلك بلسان المقال - يقولونه بلسان الحال، وهؤلاء يحقرون أمهاتهم، ويضعون أمهاتهم في مقام أقل بكثير من الخادمات؛ لأن الخادمات يتقاضين رواتب.. فهل يليق بنا أن نجعل أمهاتنا خادمات بلا رواتب؟!

كثير من الأولاد لا يدركون قيمة الأم إلا بعد وفاتها، وخاصة إذا جاءت زوجة الأب القاسية، التي نزعت الرحمة من قلبها، فيبكي هؤلاء المساكين على كل لحظة عاشوها في حنان أمهاتهم.فيا مَنْ مازلت تتمتع بنعمة وجود الأم هل قَبَّلْتَ يد أمك صباحاً ومساءً؟ هل قبلت رأسها؟ هل عاملتها بحب وتقدير واحترام؟ هل حرصت على أن تتجنب عقوقها، وأن تنال رضاها؟ تشهد الحياة أن كل عاق لأمه لم يرَ خيرا ولا سعادة في حياته، ناهيك عن شقائه في آخرته، وكما تدين تدان، فمن ساء إلى أمه تجرع الكأس ذاته من أولاده بالمثل وزيادة. ثم يختتم القارئ رسالته بكلمات تقطع القلب حزناً وألما، كلمات يناجي فيها أمه التي رحلت عن عالمه وتوفاها الله سبحانه، فيقول: كم هي صعبة تلك الليالي التي أعيشها في البيت بعد رحيلك.. كم هي شاقة تلك الأيام التي أدخل فيها البيت فلم أجدك أبحث عن يدك لأقبلها فلم أجدها.. أمي الحبيبة الشوق إليك يقتلني دائما أنت فكري في ليلي ونهاري فيك صمتي، وفيك نطقي، وفيك همسي.. محفورة بين جفوني فأنت نور عيوني.. أتضرع إلى الله أن أراك في أحلامي، فتمر الليلة دون أن أراك، فأبتهل إلى ربي أن يجمعني بك في الجنة.

إن قصة هذا الشاب وحزنه لفقدان أمه ومنبع حنانه ليست قصة فريدة، إنما هي قصة كائنة في حياة كثير من المحرومين من فيض هذا الحنان الرباني..

 ما أكثر الناس الذين يضيقون بأمهاتهم، ولم يدركوا قيمة هؤلاء الأمهات إلا بعد الفقدان، ولقد صوّر شاعر الصحوة «محمد إقبال» قصة صبي قتل أمه جهلاً، فلما نفذ الجريمة عاد إلى رشده، وندم على جرمه، ورأى أن يطعن نفسه بالخنجر ذاته، ومع ذلك كله أبى حنان الأم المقتولة بيد ابنها إلا أن يعيش ابنها فنادته لا تطعن فؤادي مرتين !! يقول إقبال:

أغرى امرؤ يوماً صبياً جاهلاً       بنقوده حتى ينال به وطر

قال ائتني بفؤاد أمك يا فتى    ولك الجواهر والدراهم والدرر

فمضى فأغمد خنجراً في صدرها   والقلب أخرجه وعاد على الأثر

لكنه من فرط سرعته هوى    فتعثر القلب المعثر إذ عثر

ناداه قلب الأم وهو مُعفّر   ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر؟

قدرى فظيع خيانة لم يأتها     ولد سواه منذ تاريخ البشر

وارتد نحو القلب يغسله بما      فاضت به عيناه من سيل العبر

ويقول يا قلب انتقم مني ولا     تغفر فإن جريمتي لا تغتفر

واستل خنجره ليطعن نفسه     طعناً ويبقى عبرة لمن اعتبر

ناداه قلب الأم قف يداً ولا    تطعن فؤادي مرتين على الأثر

ويروى أن طفلا وحيداً توفي أبوه، فقامت أمه على تربيته، فكان لب فؤادها، وموضع اهتمامها أحسنت تربيته، ربته على الإسلام والقيم والأخلاق، كما اهتمت بتعليمه مهارات الحياة، فأتقن الرماية والفروسية حتى صار فتى ثم شابا، وهنالك تزامن حدثان الأول مرض أمه، والثاني انشغال الفتي بفتاة من قريباته، حيث مال كل منهما للآخر، ورغبا في الزواج !!

كانت الفتاة مسلمة ملتزمة، كما كانت بارة بوالديها، وأرادت الفتاة أن تختبر الشاب من حيث بره بوالدته فأرسلت الفتاة إليه امرأة عجوزاً لتخبره بأنها موافقة على الزواج منه ولكنها تشترط أن تعيش معه وحده في بداية حياتهما، ومن ثم فعليه أن يرسل أمه لتقضي شهراً مع خاله «شقيق الوالدة»؛ فهز الشاب رأسه للمرأة العجوز قائلاً إذا دعيني أفكر في الأمر، وسأرد عليك غداً، فلما عادت العجوز غدا رد قائلاً:

علمت أن دافي الحش مرسل لي    رسالة تدعيني أضحى بفرقاه

إن كان ما صيد الحبيب تغلي      قم يا نديبي انقلع أنت وياه

أمي ولا له عن ظلالي مظلى     وإلا الغضى وإن شاف زولي تحلاه

أربع سنين وديدها سقمه لي         والعب على المتين وأقول ياياه 

أخذت العجوز ما قاله الشاب وتوجهت إلى الفتاة وهي عابسة لأنها اعتقدت أن هذا الخبر سيحزن الفتاة، وبعد أن ألقت الأبيات التي قالها الفتى على الفتاة.. فوجئت العجوز بأن الفتاة تكاد أن تطير من الفرح، ثم قالت الفتاة هذا ما أريد، وتزوجها الشاب، وقامت على رعاية أمه، وأحسنت معاملتها.

إن كـل مـولـود مـديـن لأمه بمعروف لن يستطيع رده أبداً، ذلك أن الأم تعطي بحب دون انتظار، أما الابن فيعطي متضررا منتظرا العائد.. إنها تعطي متمنية بقاء الابن.. أما الابن فيعطي متمنياً أن تنتهي رحلة العطاء وخاصة إن كانت مريضة تحتاج إلى خدمة ورعاية ولذلك لما رأى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما رجلاً يحمل امرأة على ظهره ويطوف بها البيت الحرام، فسأله: مَنْ هذه؟ فقال الرجل إنها أمي أتراني قد وفيتها حقها يابن عمر؟ فقال له ابن عمر والله مهما فعلت بها فلن يعدل ذلك طلقة طلقتها فيك ساعة ولادتك. ولقد قدر الإسلام الأم حق قدرها، لذا أوصانا الله عز وجل بها خيرا في كتابه الكريم، قال تعالى ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[ لقمان: 14]فالمتدبر في هذه الآية يجد أنها بدأت بتوصية رب العزة سبحانه الإنسان بوالديه وانتهت كذلك بتوصيته سبحانه وتعالى بوالديه وبين البداية والنهاية خص الله سبحانه وتعالى الأم. مع أنها ذكرت في البداية والنهاية بتوصية خاصة، وتبيان لم كابدته من جهد وعناء﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾[ لقمان: 14]!!

وفي سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بوالديه إحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف:١٥). ولذلك لما جاء رجل إلى النبي وسأله يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال أمك.. قال ثم من؟ قال أبوك.. «متفق عليه». فهنيئاً لك يا من تجد أُمك صباح مساء،تُقبل يدها وتطلب منها الدعاء، أما من فقد أمه فرحمة الله واسعة، إنه يستطيع أن يصلها بدعائه لها، وبالصدقة الجارية، وبصلة الرحم التي لا توصل إلا بها فما أعظم ديننا!! وما أحكمه !! وما أعد له!!! ما أعظم هذا الدين الذي يكرم الأم في حياتها ومماتها في كل وقت وحين ويعظم ديننا في أعيننا أكثر إذا علمنا ما عند غيرنا إذ حددوا يوماً في العام أسموه «عيد الأم»، وغاية مراد الأم هناك أن تصل إليها بطاقة تهنئة، أو هدية في يوم واحد من أيام السنة فالحمد لله على نعمة الإسلام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

124

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

الموت: حقيقة وعظة..!

نشر في العدد 31

117

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

الموت معلم