العنوان أمريكا وفرنسا وصراع النفوذ في الجزائر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 91
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 21-يونيو-1994
أخذ الصراع السياسي بين باريس وواشنطن حول
الجزائر أبعادًا متطورة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وصلت ذروتها مع تصريحات
الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أثناء توقفه في باريس مؤخرًا للمشاركة في احتفالات
انتصار الحلفاء على ألمانيا؛ حيث طالب الحكومة الجزائرية بضرورة إجراء حوار مع
الحركة الإسلامية في الجزائر للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد بعد إلغاء نتائج
الانتخابات التي كانت تقضي بوصول الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر في يناير 1992م.
وقد جاءت تصريحات كلينتون في أعقاب تصريحات
لمسؤولين أمريكيين عديدين تناولت الوضع في الجزائر خلال الأسابيع القليلة الماضية،
وقد أدان بعضها بطرف خفي الموقف الأمريكي المخزي في يناير 1992م حينما رفضت أمريكا
إدانة موقف الحكومة الجزائرية في ذلك الوقت، وألغت نتائج الانتخابات وسقطت إدارة
بوش وقتها في سقطة ديبلوماسية كبيرة، وأعلنت أن استيلاء الجيش على السلطة في
الجزائر في 13 يناير 1992م ينسجم مع الدستور الجزائري، فوقفت بذلك أمام إرادة
الشعب الجزائري واختياره، وأثبتت أن مناداتها بالديمقراطية وإرادة الشعوب ليست سوى
شعارات جوفاء وشاركت بطريق مباشر أو غير مباشر في تفاقم أعمال العنف في البلاد
ووصولها إلى الوضع البائس الذي وصلت إليه الآن.
إلا أن الموقف الأمريكي بدأ يتغير فجأة قبل
مدة وتطور من إبداء مشاعر القلق إلى مطالبة الحكومة الجزائرية بالحوار، بل
ومتابعتها بإلحاح بأن تسعى لاستيعاب الوضع.
ولم يدفعْ الولايات المتحدة إلى مطالبة
الحكومة الجزائرية بهذه المطالب حرصها على الشعب الجزائري وإرادته التي تحدتها
إدارة بوش من قبل، ولكن دفعها تحذير خبراء أمريكيين وعلى رأسهم مارك باريس المسؤول
في وزارة الخارجية والذي رفع تقريرًا للكونجرس يقول فيه: "إن الولايات
المتحدة ربما تجد نفسها فجأة أصبحت مضطرة للحوار وجهًا لوجه مع الإسلاميين في
الجزائر الذين يمكن أن يقوموا بإزاحة النظام الجزائري في أي لحظة".
لذلك وقف مساعد وزير الخارجية الأمريكي روبرت
بيليترو أمام الحضور في مجلس سياسة الشرق الأوسط في 26 مايو الماضي ليقول:
"إن حركة الانبعاث الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط تبين أن شعوب المنطقة غير
راضية عن أوضاعها وعن قياداتها الراهنة، وهي تبحث عن وسائل لإرشاد وتحسين حياتها
وتشكيل حكومات تعكس رغباتها؛ ولذلك فإننا نوافق مع الأحزاب الجزائرية السياسية
التي تطالب بتوسيع حركة المشاركة السياسية في البلاد لتشمل القياديين الإسلاميين
الذين يرفضون الإرهاب".
وأكد بيليترو على أن واشنطن قلقة من
"الوضع الجزائري المعقد والمتغير بسرعة؛ حيث أصبح من الصعب التكهن بالنتيجة
النهائية للأزمة الجزائرية".
أما الموقف الفرنسي فإنه على النقيض تمامًا من
الموقف الأمريكي، بل إن فرنسا تعتبر الجزائر منطقة من مناطق نفوذها التي ينبغي
للولايات المتحدة أن تبتعد عنها، وتعتبر الحركة الإسلامية في الجزائر بشقيها
المعتدل والمتطرف جديرة بالإبادة، وينظر المسؤولون الفرنسيون للعالم الإسلامي من
منطلق الحملات والحروب الصليبية القديمة.
وحينما شعرت فرنسا بخطورة التوجه الأمريكي
سارع وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه بزيارة واشنطن في العاشر من مايو الماضي
وعقد مباحثات مكثفة مع المسؤولين الأمريكيين تركزت حول موضوع الجزائر ومستقبلها،
ونبه الإدارة الأمريكية إلى خطورة دعمها للحوار في الجزائر وإمكانية وصول
الإسلاميين إلى السلطة، وأعلن صراحة أن فرنسا تعارض ذلك.
وعقد مؤتمرًا صحفيًا في الثاني عشر من مايو في
واشنطن بعدما أنهى مباحثاته أعلن فيه "أن جبهة الإنقاذ الجزائرية حركة متطرفة
ومعادية لأوروبا والغرب"، وأنها إذا وصلت إلى السلطة في الجزائر فإنه لا يمكن
تصور النتائج التي تترتب على ذلك، وقال: "إن فرنسا تنفق سنويًا على الجزائر
مليار دولار؛ بحيث تعود الجزائر بلدًا ديمقراطيًا يحكمه القانون ويكون منسجمًا مع
مبادئنا".. انتهى كلام جوبيه الذي يعكس الدوافع الحقيقية لرفض باريس تلبية
إرادة الشعب الجزائري واختياره خاصة في عباراته الأخيرة.
وإذا نظرنا إلى التناقض في الموقفين الأمريكي
والفرنسي بخصوص الجزائر نستطيع أن ندرك الفوارق بينهما؛ حيث يتلخص الموقف الأمريكي
في ضرورة استيعاب الموقف في ظل الوضع القائم بدلاً من مواجهة محتملة مع رغبة الشعب
الجزائري تضع الإدارة الأمريكية في وضع حرج مستقبلًا، ربما يكون أكبر من الموقف
المحرج الذي وقعت فيه في يناير 1992م.
أما باريس فإنها تنطلق من منطلقات الحروب
الصليبية الحاقدة والحفاظ على مكتسباتها القديمة من جراء احتلالها للجزائر وإيجاد
شعب "منسجم مع مبادئها"، حسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي.
وأيا ما كان الوضع فإن إرادة الشعوب -بإذن
الله- دائمًا هي التي تنتصر في النهاية، لكننا نتألم للوضع المأساوي الذي وصلت
إليه الأمة في هذا العصر؛ حيث أصبحت سياسات الأمة الإسلامية كلها تصاغ في واشنطن
وباريس وعواصم أوروبية أخرى، وليس في دار الخلافة التي غابت وغاب معها عز الأمة
ومجدها، بعدما تحولت إلى دول ودويلات تتصارع على لُعاعاتِ الدنيا، وتركت مصائرها
لأعدائها.
لكن هذا الليل لن يطول وبشائر الصبح أصبحت
تلوح هناك في الأفق، ومن يأخذ بأسباب النصر ضمِن نُصْرة الله له، وكلما زاد الضيق
اقترب الفرج وهلت بشائر النصر ﴿أمْ حسِبْتُمْ أن تدْخُلُوا الْجنة ولما يأْتِكُم مثلُ
الذِين خلوْا مِن قبْلِكُمۖ مستْهُمُ الْبأْساءُ والضراءُ وزُلْزِلُوا حتىٰ يقُول
الرسُولُ والذِين آمنُوا معهُ متىٰ نصْرُ اللهِۗ ألا إِن نصْر اللهِ قرِيبٌ﴾
(البقرة: 214).