العنوان أمريكا.. هل هي مؤهلة لدور إمبراطوري؟
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 2
نشر في العدد 1556
نشر في الصفحة 39
السبت 14-يونيو-2003
أمريكا.. هل هي مؤهلة لدور إمبراطوري؟
عبد الرحمن فرحانة
a_alyafee@hotmail.com
سؤال طرح بكثافة عالية في الدوائر الإعلامية في
الآونة الأخيرة، وتناول موضوعه بصيغ مختلفة الكثير من الأبحاث الاستراتيجية، وخلصت
معظم الأقلام التي تناولته إلى نتيجة يد النفي.
ولكن لماذا؟
لا شك أن الحجم المتروبولي لأمريكا يعطيها هالة من
القوة غير مسبوقة وبلغة لجيوبولتيك تحتل الولايات المتحدة مرتبة الدولة الأقوى super
power وفق المعايير العسكرية والاقتصادية والديموجرافية والجغرافية والمعرفية والتكنولوجية.
فهي تنتج أكثر من ربع الإنتاج الاقتصادي العالمي، أي ما يعادل حوالي ۱۱ تريليون دولار سنويًا، وتفوق قاتها العسكرية مجموع نفقات الدول العشر التي تليها
إذ تتجاوز ميزانيتها الدفاعية للعام قبل ٤٠٠ مليار دولار، وتتمدد قواعدها العسكرية
التي تزيد على الستين قاعدة على خريطة العالم مما أكسبها نفوذًا سياسيًا طاغيًا
لدرجة أن الأمم المتحدة تحولت وهي أكبر جهاز إلى وحدة من وحدات عمل وزارة الخارجية
الأمريكية، وهو ما أغراها لتحاول حاليًا تنتقل من الدور
الإمبريالي غير المباشر للطور الإمبراطوري المتسلط ولكن أيضًا هل أمريكا مؤهلة
لهذا الدور الإمبراطوري؟ معظم المؤشرات التي تصدر عن الباحثين المستقلين وغيرهم
تشير إلى عدم مقدرة أمريكا على تحمل عبء هذا الدور لأسباب موضوعية
وذاتية.
تأتي في مقدمة الأسباب الموضوعية تعقد البيئة المسؤولية المعاصرة وتعاظم
مسؤوليات الدور الإمبراطوري المنوط بها، إذ إن آليات السيطرة لصناعة السيادة
الدولية المعاصرة تختلف عنها في البيئة الدولية القديمة إذ تقتضي توفير مفردات قوة
متنوعة غير القوة العسكرية تشمل القوة الاقتصادية والمعلوماتية والدبلوماسية، بحيث
تنسج منظومة قوة متناغمة تقوم على قاعدة من القيم نابلة للتسويق التي من الممكن أن يقوم الدور إمبراطوري
بالترويج لها عالميًا وحالة الولايات المتحدة برغم قوتها العسكرية الطاغية لا
يمكنها توفير هذه المستلزمات الإمبراطورية بشكل كاف.
نقطة الضعف
الأساسية التي تواجهها الولايات المتحدة أن الزعامة الدولية انتقلت إليها عند سقوط
الاتحاد السوفييتي ولم تأت في فترة باب القوة، إنما اكتسبتها بعد سباق دولي حموم في إطار نظام القطبية
السابق وهذا ما ترف به بعض استراتيجيتيها.
وكذلك تعجز
أمريكا في تركيبتها الحالية من توفير مستلزم أساسي للدور الإمبراطوري ضي توفير مشروع ثقافي -قيمي
مقبول عالميًا- ذلك فهي تنزع حاليًا -بذهنية متسلطة وعبر أفة الكاوبوي- لاستخدام
استراتيجية القوة فرض أجندتها الثقافية والسياسية على كافة القوى الدولية.
الإشكالية الكبرى
التي تعترض أمريكا في ممارسة دورها الإمبراطوري هي أنها أمام خيارين في مواجهة
شبكة علاقة القوة السائدة في البيئة الدولية الراهنة فبسبب توافر رؤوس وة من الدرجة الثانية على
المسرح الدولي تراكها في المنافسة تجد أمريكا نفسها مضطرة خیارین:
الأول: ممارسة سياسة الاحتواء مع هذه الأقطاب سعيًا
لتحييدها، وهو أسلوب أظهر فشله حتى مع الدول الصغيرة.
الثاني: الضغط عبر
استراتيجية القوة لمنع ظهور قطب منافس، وهو ما تمارسه في الوقت الراهن، وهو أسلوب
سيستنزف قوتها على المدى المتوسط وربما القريب لأن الدول المنافسة مجتمعة ومنفردة
تحتاج لطاقة قوة بوتائر عالية لفترة زمنية طويلة وهي ما ستعجز واشنطن عن توفيرها
مستقبلًا.
وفي الإطار التاريخي تقرر سنن
التاريخ أنه لا يمكن لأي قوة دولية أن تنفرد بالعالم لمدة حتى ولو قصيرة نظرًا
للتكاليف الباهظة التي تترتب على ذلك. وبلغة فلسفة التاريخ وفقًا لما يقوله المؤرخ
الشهير أرنولد توينبي فإن طغيان الروح الحربية الانتحارية وضغطها المتواصل على
الموارد ينتج انفراجًا بين مستلزمات الآلة واتساع الرقعة وهي نفس النتيجة التي
تحدث عنها المؤرخ الأمريكي المعاصر بول كنيدي في كتابه صعود وسقوط القوى العظمى إذ
يقرر أن قانون فرط التوسع هو الذي أدى إلى هلاك الإمبراطوريات السابقة، وذلك لأن
الورم الإمبراطوري يخلق فراقًا بين القوة العسكرية المتضخمة الضرورية للحفاظ على
النفوذ.. والموارد الاقتصادية التي تضعف جراء تورم هذه القوة.
وفي حالة الولايات المتحدة يبرز معوقان أساسان
لقدرتها على تحمل عبء الدور الإمبراطوري وهما: عامل اجتماعي وأخر
اقتصادي.
على الصعيد
الاجتماعي يشير الكثير من الدراسات الاجتماعية إلى أن الولايات المتحدة
تعاني من
أمراض تآكل اجتماعي خطيرة على كافة الأصعدة، وفي هذا السياق يشير البروفيسور
كاليفانو من جامعة كولومبيا إلى أن أمريكا تعاني اليوم الكثير من الأمراض
الاجتماعية حيث الجريمة والعنف والفقر وحمل القاصرات والعنف الأسري وإهمال الأطفال
وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وانتشار الإيدز والأمراض الجنسية الأخرى. وتشير
الإحصاءات إلى وجود حوالي ٦٧ مليون مدمن على الكحول و ١٠ ملايين يدخنون المارجوانا
و ۱۰۰ ألف يموتون سنويًا بسبب الإدمان على الكحول وتقدر خسائر الاقتصاد
الأمريكي عام ١٩٩٥م بسبب الكحول بـ ١٥٠ مليار دولار وتكلف الأمراض النفسية
والعقلية الخزينة الأمريكية سنويًا أكثر من ١٥٠ مليار دولار. أما ظاهرة الانتحار
فتشير المصادر إلى أن هناك محاولة انتحار كل ١٧ دقيقة تنتج أكثر من ٣٠ ألف عملية
وأد للذات في العام. ومن مؤشرات الجريمة يقتل يوميًا ٦٥ شخصًا لأسباب جنائية ويجرح
للسبب ذاته ٦٠٠٠ أي ما يعادل ۳۷۲٥ قتيلًا و ۱,۱۹۰,۰۰۰ جريحًا.
وعلى الصعيد الاقتصادي تظهر كافة المؤشرات
أن الاقتصاد الأمريكي يعاني من أزمة حادة. وفي هذا السياق يقول باتريك سيل الصحفي
البريطاني الشهير إن أمريكا تواجه أزمة مالية خانقة تأخذ أبعادًا كارثية وقد تكون
مقبلة على انهيار اقتصادي كبير مشابه للذي حدث عام ١٩٢٩م. وفي صحيفة دير شبيجل
الألمانية يرى المحللان الألمانيان فولات وشبورل أن العجز الاقتصادي في أمريكا
سيرتفع في العشر سنوات المقبلة من ٥٠٠ مليار إلى ۱٫۸ تريليون دولار سنويًا وإذا ظل على هذه الوتيرة فهو
مرشح لأن يصل لاحقًا إلى ۱۳ تريليون وهو عجز لا
يمكن لأي دولة مهما كانت عظمى أن تحتمله وربما تموت أمريكا في درعها، أي في أوج
قوتها العسكرية كما ماتت أشور وستبدو صورة الجثة في سلاحها مرة أخرى، كما وصف
الفيلسوف والمؤرخ توينبي حالة مملكة أشور التي أفلت في أوج قوتها العسكرية .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل