; أمريكا من الداخل: الحلقة الأولى- كيف ولماذا زرت الولايات المتحدة؟! | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا من الداخل: الحلقة الأولى- كيف ولماذا زرت الولايات المتحدة؟!

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1979

مشاهدات 70

نشر في العدد 436

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 13-مارس-1979

اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا ميدان نشط للشباب المسلم وآفاق مشرقة لتطلعاتهم المستقبلية

الحضارة الأميركية.. إلى أين؟؟

 قدر لي في العام الماضي «1977» أن أزور الولايات المتحدة الأمريكية مرتين:

• الأولى في شهر حزيران ولمدة أربعة عشر يومًا، بدعوة من اتحاد الطلبة المسلمين هناك.

• والثانية في شهر كانون الأول ولمدة أربعة عشر يومًا أخرى، بدعوة من رابطة الشباب المسلم العربي في أمريكا!

 فما اتحاد الطلبة المسلمين هذا؟

وما رابطة الشباب المسلم العربي تلك؟

 سأحاول الإجابة على السؤالين إجابة موضوعية، في إطار من التقدير العقلي والطمأنينة النفسية والرضا الوجداني العميق.. وكل تنبيه أراه أو توجيه أسوقه إنما أبغي به مزيدًا من الدقة ومزيدًا من الالتزام الهادف، الذي تعمق جذوره وتركز فروعه وتطيب منه الثمرات!

 في مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين ألقيت محاضرة وقدمت أكثر من تعليق.. وفي مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي ألقيت أكثر من محاضرة، وذاك أن كلفني القائمون على أمر المؤتمرين، بزيارة عدد من الولايات الأمريكية وتجمعات الشباب المسلم، في عدد من جامعاتها شملت ولايات نيويورك، ونيوجرسي، وواشنطن، وميريلاند، والأنوي، وماس، وأوكلاهما، وأوهايو، وميشيغان، وأنديانا بوليس، وعدد آخر من المدن في هذه الولايات، حيث يستقر الشباب المسلم في عدد من جامعاتها ذات التخصصات المختلفة!

 كنت في كل يوم تحملني طائرة في حشد من الناس عجيب غريب، فيهم من الإيجابيات ما يفرض على المرء أن يحترمهم، وفيهم من السلبيات والمفاسد ما يملي عليك أن تزدري كل ما ترى في حياة الإنسان الهابط المنكود!

 وحين كانت الطائرة تهبط بي في مطار مدينة.. يلقاني عدد من الشباب المسلم أو واحد منهم، يكون في انتظار وصولي ليعرض علي ما يذهلني:

- أتحب أن تبيت في منزلي.. فلدي سعة في المكان؟ أم في فندق جيد كلفت بحجز حجرة لك فيه؟ أم في دار الأرقم أم دار أبي أيوب الأنصاري أم مسجد السلام؟

 وأقف في حيرة من أمري وأنا أقول:

- أما بيتك فعامر بإذن الله ولا أحب أن أثقل عليك، وأما الفندق فلقد عرفت العيش بين جنبات أمثاله، لكثرة ما يحملني الطائر المعدني المجنح في جوفه من كثرة الترحال.. وأما دار الأرقم ودار أبي أيوب فهما جديدتان علي في هذا العصر.. وهذه القارة البعيدة موقعًا، الشاسعة أرضًا، العجيبة فيما تحمل على وجهها من صور وملامح وتناقضات!

 وتمضي بنا السيارة.. تطوي الأرض وتجتاز الشوارع والأحياء حتى تستقر بنا أمام دارة جميلة ذات طابقين.. العلوي منها فيه أربع حجرات، وفي كل حجرة طالبان عربيان مسلمان، والأرضي فيه حجرة مكتبة وقاعة كبيرة حولت إلى مصلى، يلتقي بين جنباته كلما نودي للصلاة عند كل فريضة- عشرات من الشباب!

 وأرجئ الحديث عن هذه الدور المتناثرة العديدة، التي ترعاها نفوس المؤمنين من الشباب وتعمرها قلوبهم الحية، حتى أنتهي من الحديث عن اتحاد الطلبة المسلمين ورابطة الشباب المسلم العربي، في البلاد التي تحكمها بنوك الربا وأقلام التزوير وعلب الليل، عبر العقل اليهودي الملوث والتخطيط الصهيوني الخبيث..

 وأسأل صاحبي الذي سعدت بلقائه في هذه المدينة أو تلك، عن موعدي مع الشباب فيقول: بعد صلاة المغرب بإذن الله!

 وأقترح في رجاء أن يرافقني حيث أريد، لأنني ما جئت لهذه البلاد لآكل وأنام، وإنما لأعطي أو أشاهد أو أدون وأبحث، وألقي أضواء ما استطعت على الوجه البشع من الحضارة المادية المنهارة. 

 وتحملني سيارة خاصة يمتلكها شاب كويتي أو سعودي، أو فلسطيني أو سوري أو أردني، أو غير هؤلاء ممن يدينون بالإسلام عقيدةً، وبالعربية لغةً ولسانًا، وكلما لاحظت أمرًا أو رأيت ما يستحق السؤال، سألت وأمعنت النظر في الإجابة، ودققت وأمعنت النظر فيما يوضع بين يدي من صور واضحة، أو وثائق مدروسة، أو أرقام إحصائية دقيقة، حتى جاءت هذه الصور والملامح من المجتمع الأمريكي المعاصر والحياة الأمريكية المهترئة المتآكلة!

وبعد..

 فهذه ملامح وصور من المجتمع الأمريكي المعاصر، لم أجز لنفسي أن أسميها دراسات لقصر المدة التي قضيتها فيه، ولا أجيز لغيري أن يظنها ملاحظات عابرة أو مشاهدات سطحية، لأنها تقوم على تتبع لما لاحظت واستقصاء لما شاهدت، مدعومًا بالصورة والحقيقة والرقم تقدمه دراسة سابقة، وقد قادتني مثل هذه الملامح وهذه الصورة، إلى استنتاجات وآراء مستقبلية قد تكون صحيحة، تقع خلال عشرين عامًا كما أرى فلا تكون نبوءة، وقد لا تقع فيكون الأمر رأيًا يساق بين محوري الخطأ والصواب، والحقيقة والخيال، والواقع والتوقع! 

 وليس في نيتي وأنا أقدم هذه الملامح وهذه الصور أن أهدف إلى مدح الغرب وحضارته، ولا أن أذمه، ولكني أقدم الصور الصحيحة والحقائق المعيشة، لعل في ذكرها حصانة لجيلنا المسلم في ديار الإسلام، وهو يتطلع إلى حضارة الغرب في محاولة رهيبة هادفة لإذلاله وإخضاعه، حتى يفتن فيما نعيشه من مأساة الفوضى التي نحيا بعيدين عن الإسلام، وفيما اختط الغرب لنفسه من دقة ونظام، وتقنية ومادية عاش بهما في أعماق الضلال وعلى سطح القمر! 

 وأعود الآن إلى سؤالي عن اتحاد الطلبة المسلمين لأجيب عليه كما وعدت.. 

 حين تلقيت الدعوة لحضور المؤتمر السنوي الخامس عشر، لاتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا، والذي صار يرمز له في الأوساط الأمريكية بالأحرف M. S. A. وتفصيلها بالإنكليزية MOSLEM STUDENTS ASSOCIATION أو إحصائية دقيقة منشورة أو اطلاع جذري عميق لمن عاشوا في ذلك المجتمع ومارسوا الحياة بين جنباته.

 كان في تصوري عبر صلات مسبقة وعلاقات حميمة مع بعض أعضائه، أنه اتحاد ناجح وموفق في كثير من أروقة الجامعات المختلفة، ولكني لم أكن أتصور قط أنه بلغ من الدقة والروعة والتنظيم والقوة والانتشار، حدًا جعله من أقوى المؤسسات العاملة للإسلام في بلاد الغرب، وأعظمها عطاءً وأزكاها ثمرةً.

 ذلك أن اسم «اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا» لا يوحي لك أنه منظمة عالمية واعية، تنتظم نشاطات شتى هادفة، تشمل أكبر ثلاث جمعيات تخصصية عربية إسلامية في الولايات المتحدة وكندا:

1- جمعية الأطباء المسلمين: وفيها من الأطباء المتخصصين في أدق فروع التخصص ما يحق للمسلمين أن يفاخروا به، وقد تخطى عددهم التسعمائة طبيب، وهم يعملون الآن لإيصال آخر ما وصلت إليه أساليب المعرفة وأحدث منجزاتها: من الولايات المتحدة إلى ديار الإسلام. والرائع المشرف في عمل هؤلاء، الاشتراك المادي السنوي التطوعي الذي يقدمه كل عضو منهم للجمعية، بحيث يبلغ نسبة كبيرة من دخل كل واحد منهم في روح رائدة من التضحية والعطاء.

2- جمعية المهندسين المسلمين: وتضم أكثر من ثلاثمائة أستاذ جامعي في شتى مجالات المعرفة والعلوم الطبيعية، يمارسون عملهم في الجامعات والمؤسسات العلمية الأمريكية، مما سيجعلهم جسورًا رائدة بل عقولًا مدبرة لنقل حركة «التصنيع» و«التطوير» في المجتمع العربي النامي، حين تجد التنظيم الواعي والاحتضان الصحيح في بلاد المسلمين، لمثل هذا العطاء وهذه العقول المبدعة التي سيكون لها أعمق الأثر، في تبدل جذري حضاري صناعي هادف في مجتمعنا العربي الجديد.

3- رابطة علماء الاجتماع المسلمين: وتضم أكثر من ثلاثمائة أستاذ جامعي في شتى مجالات المعرفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وتقوم بوضع دراسات اجتماعية لكثير من أحوال المجتمع العربي بين سلبية وإيجابية، مع وضع التصورات الصحيحة للحلول المثمرة النافعة.

 وحين حطت بنا الطائرة في مطار مدينة «أنديانا بولس» على غير موعد محدد، أو اتفاق مسبق حول ساعة الوصول، قمت بالاتصال بأحد الهواتف المعطاة لي من قبل، فلبى نداء الهاتف شاب عرفته فيما بعد من حملة الدكتوراه في تخصص اجتماعي رفيع، وما إن حضر وسلم مرحبًا بحرارة، حتى أصر على حمل حقائبي بنفسه وقام بنقلي إلى مقر المؤتمر، فأيقنت ساعتئذ أن في الشباب المسلم هناك صفتين من صفات المسلم الحق: التنظيم والتواضع!

 ووصلنا مقر انعقاد المؤتمر في «جامعة أنديانا»، وهي جامعة كبيرة تقع على أرض شاسعة من الحدائق المنسقة، حول عدد كبير وضخم من الأبنية العالية والقاعات الفسيحة، وقد أكسب مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين السنوي هذه الجامعة شهرة في ديار الإسلام وبلاد العرب، فعرفها آلاف الزوار والطلاب من خلال الاتحاد أكثر من غيرها من الجامعات الأمريكية الشهيرة. وما إن استقر بنا المقام حتى لقينا عددًا من الأحبة من رجال الفكر والقلم، في العالم العربي الإسلامي والغربي من الدعاة إلى الله، جاءوا للمشاركة في تقديم الأبحاث والموضوعات في برنامج المؤتمر، وتدور حول النهضة الإسلامية المرتجاة للمجتمع في ديار الإسلام، على أسس من الإسلام الصحيح والعقيدة الخالصة.

الرابط المختصر :