العنوان أمريكا تنشرالفوضى في المنطقة العربية
عنوان تمهيدي نظم في حال ارتباك.. وشعوب تحتاج إلى قيادة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 17-مايو-2003
مشاهدات 33
نشر في العدد 1551
نشر في الصفحة 36
السبت 17-مايو-2003
- تتناسى
الأجهزة الأمنية وهي تزين محاسن الاستبداد أن قمة القمع في الحالة العراقية
لم تغنِ عن النظام شيئًا، بل ساعدت على اختراقه حتى قمته.
ظهرت في أفق السياسة في العقدين الأخيرين نظرية
«الفوضى»، مثلما كانت هناك في السابق نظريات مثل «ملء الفراغ»، والغالب في صناعة
تلك النظريات أنها تنبع في كواليس ومطابخ الدول الكبرى من أجل تحقيق مصالحها، ثم
يقوم الأكاديميون بتبريرها والتنظير لها فيما بعد، كما أنه يمكن قراءة التوجهات الإستراتيجية
للقوى العظمى ثم يقوم بعض المفكرين بعمل دراسات تمهيدية لإثارة الحوار والنقاش
حولها، وكمثال لذلك مقال «صراع الحضارات» لصمويل هنتنجتون الشهير، الذي يتحول الآن
تدريجيًا وبإصرار إلى سياسة ثابتة للإدارة الأمريكية. ويروج أصحاب نظرية إحداث
فوضى في بلد ما أو منطقة بمبرر قوي من وجهة نظرهم، وهو أنه تستحيل إعادة ترتيب
الأوضاع إلا بعد حالة من الفوضى، وأن الهدم دائمًا يسبق البناء، ويربطون بين
الفوضى ونظرية أخرى هي «إعادة بناء الأمة»؛ أي بين حالة (Chaos) وحالة (Reconstruction of Nation).
في ربع القرن الأخير، شهدنا حالات من الفوضى تعم
بلدانًا قريبة منا جدًا: لبنان في حالة الحرب الأهلية من 1975 - 1990م، والصومال
الذي مازال يشهد حال الفوضى حتى الآن منذ انهيار نظام سياد بري الدكتاتوري،
والجزائر التي سمعت من الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل أن إحداث الفوضى فيها كان
مجرد «كسب الوقت» وتعطيل نمو الحالة الإسلامية التي كان من الطبيعي أن تؤثر في
المحيط الكبير حول الجزائر (المغرب الكبير، وحتى بقية دول غرب إفريقيا امتدادًا
إلى وسط إفريقيا، وهذا هو الفناء الجنوبي لأوروبا خاصة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا،
وبها جاليات إسلامية كبيرة)، ومازالت الفوضى تضرب بأطنابها في الجزائر حتى الآن
وإن كانت بدرجة أقل مما سبق.
وبعيدًا عن البلاد العربية هناك حالات شهدت فوضى
بدرجات مختلفة؛ مثل إفريقيا (أوغندا، بوروندي، ورواندا، والكونغو، وإثيوبيا)، ولا
ننسى أفغانستان. ومن الواضح أن الفوضى تؤدي إلى خسائر ضخمة لهذه الدول؛ لأن
الاستقرار شرط للتنمية والنمو والتقدم والازدهار، وأن وظيفة الحكومة الرئيسة في أي
بلد هي الأمن والدفاع بهدف تحقيق السلم الأهلي وإقامة العدل وحماية البلاد، فلا
سياسة ولا اقتصاد ولا ثقافة في ظل الفوضى وعدم الاستقرار، وقطعًا لا يمكن في حال
الفوضى أن تقاوم الشعوب غزاتها، إلا أن الاستقرار له أسس وقواعد، ولا يمكن مقارنة
استقرار زائف باستقرار حقيقي.
لقد شهد العراق، كما تشهد سورية، حال استقرار
بالمعنى الزائف؛ بمعنى عدم وجود تهديد جدي للنظام من داخل البلاد بسبب قوة القبضة
الأمنية وتحويل القوات المسلحة إلى أداة لحماية النظام لا حماية البلاد.
الاستقرار الزائف يعتمد القهر والتخويف والتعذيب،
بينما الاستقرار الحقيقي يقوم على العدل والأمن والحريات.
الزيف لا يغير الحقائق، وعندما تواجه الأمم أو
الشعوب المشكلات ينكشف الزيف بسهولة وتسقط كل أوراق التوت التي تستر العورات.
وبسبب هذه السياسات الأمريكية المتوالية فإننا نشهد
حالة ارتباك هائلة تسود سياسات النظم الحاكمة في أغلب البلاد العربية، لكي تنتقل
بحال الفوضى من بلد إلى بلد، حتى تثمر نتائجها التي من أهمها تقسيم البلاد العربية
وتفتيتها عبر سلسلة من المجازر والحروب الأهلية، وفقدان الثقة في الحكومات
المركزية وهدم الجيوش، حتى نصل إلى النموذج العراقي الآن الذي يمهد الأمريكيون
لتقسيمه فعليًا بعد أن تم ذلك إداريًا (3 مناطق يشرف عليها أمريكيون - بريطانيون -
بولنديون) في صورة اتحاد فيدرالي، ستكون نتيجته - في ظل الشكوك المتبادلة وفقدان
الثقة - التقسيم الكامل وصولًا إلى نزاعات مستمرة تبقي حال الفوضى تحت السيطرة
(راجع كتاب «الانفلات» أو Out of Control «خارج نطاق السيطرة» لمستشار الأمن القومي السابق في أمريكا مهندس
الحالة الأفغانية زيغنيو بريجينسكي).
يروج الأمريكيون لسياساتهم بالطبع بوعود وردية حتى
يبتلع الطعم المغفلون ولا يقدموا على المواجهة في الوقت المناسب، ولتأخذ الحال
العراقية كمثال، فإن أمريكا اليوم في العراق تروج لما يلي:
تحت شعار «بناء نموذج ديمقراطي تغييري» أو «تحرير
العراق»، فإن العراق سيشهد نموًا اقتصاديًا بتخصيص موارد لإعادة إعمار وتحسين حال
الري في البلاد لتحويله إلى سلة غذاء لدول الخليج ومصدر للمنتجات الزراعية التي
ستساهم بجانب النفط في تحقيق الرفاهية لأبناء العراق الذين سيتمتعون بالحكم
الديمقراطي في اتحاد فيدرالي يتيح للأكراد حكمًا ذاتيًا واسعًا، وللشيعة التمتع
بحرياتهم الدينية مع «رفض نموذج الدولة الإسلامية الإيرانية»، وتحييد العراق في
الصراع مع الكيان الصهيوني، وتطبيع مع العدو لحصار سورية التي ستستجيب للضغوط
الهائلة من أمريكا وأوروبا وبعض الدول العربية التي انساقت مع المخطط الأمريكي
الوردي.
حينئذ سيكون من السهل على بقية دول العالم العربي
والإسلامي الاستجابة للتطبيع مع الصهاينة وإنهاء حال الصراع الصهيوني الفلسطيني
الذي يضغط على أعصاب كثير من النظم الحاكمة، وحينئذ ستسود حالة من الاستقرار تسمح
بالتنمية والرخاء والأمن والسلام.
هذا الوهم الذي تبيعه أمريكا لبعض قادة العرب
وللنخب المتأمركة تقويه حالة نفسية مهزومة ومتأزمة تبحث عن مصالح ذاتية ضيقة، وتم
شراء ولاءاتهم من زمن طويل؛ حيث جندت الإدارة الأمريكية عبر أجهزتها المئات في
مختلف القطاعات في أكبر عملية اختراق شهدتها المنطقة، مما أوجد حالة من الاغتراب
عن المجتمع لدى هؤلاء، وجعل بينهم وبين الناس العاديين عزلة وغربة، وجعل بينهم
وبين التيار الإسلامي قطيعة بل عداوة متأصلة في نفوسهم ضد أي حركة مقاومة، بل ضد
ما تروج له أمريكا من ديمقراطية لأنهم يعلمون أن الجماهير تلفظهم وترفضهم، ولو جرت
انتخابات حرة سيفوز الإسلاميون فوزًا كبيرًا، ويكفي للتدليل على ذلك أن نسترجع
مقال يوسف إبراهيم في الواشنطن بوست في 27/2/2003م الذي قص فيه لقاءه مع الرئيس
المصري، وبين فيه أن استطلاعًا للرأي أظهر نتيجتين مهمتين:
أولًا: الأغلبية
العظمى تريد أن يلعب رجال الدين الإسلامي دورًا أكبر.
ثانيًا: أقل من
6% يعتقدون أن أمريكا شنت حملتها على العراق من أجل الديمقراطية، بينما يعتقد 95%
أن وراء الحملة البترول وحماية إسرائيل.
وروى الكاتب كيف حاولت السلطات المصرية بشتى الطرق
منع الحشود من المشاركة في جنازة المرشد الراحل للإخوان المسلمين مصطفى مشهور-
رحمه الله.
وعلق الرئيس مبارك قائلًا: «عندما يتكلم الأمريكيون
(بتوعكم) عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، من في نظرهم سيتولى الأمر والسلطة؟
الديمقراطيون؟!! سيكون أعضاء الإخوان في القاهرة وعمان وفلسطين..».
حالة ارتباك تسود المنطقة
لذلك تسود حالة من الارتباك الشديد المنطقة العربية
بينما تتهددها أخطار شديدة، فكثير من الزعماء العرب يواجهون المجهول، وأمريكا لا
تشاورهم أو تناقشهم أو حتى تشرح لهم سياساتها.
بل كل ما يقال لهم أوامر وتعليمات، كما أن مساحة
الحرية عند التنفيذ باتت ضيقة جدًا (انظر زيارة باول الأخيرة لدمشق ولبنان وراجع
حوار كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي لصحيفة يديعوت أحرونوت؛ حيث أوضحت أن
باول يحمل طلبًا بإجراءات محددة لا تحتمل المناقشة، وعلى الرئيسين السوري
واللبناني الاستجابة والرضوخ).
وتتهرب بعض النظم العربية من مواجهة الحقائق، وتهرب
إلى الأوهام الأمريكية، ولذلك تتصرف بارتباك شديد؛ فهي تعلم أن مواجهة المخطط
الأمريكي تحتاج إلى إطلاق الحريات، ولكنها تمارس أبشع أنواع الاستبداد.
وعندما تزين لها الأجهزة الأمنية محاسن الاستبداد
وأنها لحماية النظام، تنسى أو تتناسى أن قمة القمع والاستبداد في الحالة العراقية
لم تغنِ عن النظام شيئًا، بل ساعدت على الاختراق والوصول إلى عصب النظام.
وهي أحوج ما تكون إلى استقلالية القرار في مواجهة
الإملاءات الأمريكية، ولكنها سرعان ما تستجيب للضغوط وتنهار أمام التهديدات، وهي
تعلم أن الشعوب يمكنها حماية الأوطان وأن السبيل إلى ذلك هو مصالحة حقيقية ومصارحة
قوية، وإعادة الشرعية إلى الجماهير.
ومع ذلك تسارع في إرضاء أمريكا على حساب مصالحتها
مع شعوبها، ومع القوى الحية فيها.
وهي تدرك أن المخطط الصهيوني للهيمنة على المنطقة
يعني إنهاء دورها والتلاعب بها إلى حين التخلص منها، وتنسى الحكمة الشهيرة «علمني
رأس الذئب الطائر في بغداد»، ومع ذلك تتعامى عن تقوية الرغبة، ثم امتلاك القدرة
والقوة على دحر الاحتلال الصهيوني والسعي لتفكيك هذا المشروع الاستيطاني العنصري
عبر دعم المقاومة والانتفاضة، بل تسارع في لجم المقاومة ومنع كل الدعم عنها حتى
الشعبي، وحصارها حتى لا تنتشر كحالة شعبية عربية عامة.
وترتبك بعض النظم العربية في مواجهة المشكلة
الاقتصادية الرهيبة التي تعتبرها واشنطن والنخبة من المحللين السبب الرئيس في
التدهور العام والشعور السائد بالإحباط، مما يؤدي إلى اتساع رقعة العنف المجتمعي
والعنف السياسي وتزايد موجات الإرهاب.
وبدلًا من تنمية حقيقية وإعلاء قيم العمل والإنتاج
والطهارة، يكون الاتجاه نحو النهب المنظم وتشجيع الفساد والمفسدين والسرقة
والسارقين بالخيارات من المال العام، وحصار المستثمرين الشرفاء.
ووصل الارتباك إلى تحويل الجمهوريات في الدول
الثورية إلى ملكيات متوارثة، ويعلم الجميع أن الحل في إصلاح دستوري شامل يرسي أسس
دولة دستورية تكون المؤسسات فيها هي الحاكمة وليس الأشخاص.
إنهم يتجملون ويكذبون
ووسط هذا الارتباك لا تنسى تلك النظم أن تتجمل وأن
تحاول إيهام الشعوب والقوى الدولية بأنها تسير في طريق الإصلاح.
ففي مصر مثلًا، إذا بإعلان عن خطوات ثلاث:
- إنشاء
مجلس قومي لحقوق الإنسان.
- إلغاء
محاكم أمن الدولة العليا.
- إلغاء
عقوبة الأشغال الشاقة في السجون.
ذلك في الوقت الذي يحدث فيه:
- استمرار
عشرات الآلاف رهن الاعتقال الإداري (12 - 15 ألفًا) دون بادرة أمل في الإفراج
عنهم رغم مبادرة وقف العنف.
- استمرار
حالة الطوارئ وتجديدها بانتظام لمدة 3 سنوات، مما يتيح إنشاء محاكم أمن دولة
عليا طوارئ «أسوأ من العادية»، وكذلك محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.
- استمرار
نهج التعذيب في أماكن الحجز والسجون وفي التحقيقات في القضايا السياسية
(وآخرها ما حدث للمتظاهرين ضد الحرب على العراق، ومنهم عضوا مجلس الشعب حمدين
صباحي ومحمد فريد حسنين) وحتى في القضايا الجنائية العادية.
وفي الوقت الذي صرحت فيه السلطات لتحالف القوى
الوطنية الذي يمثل الإخوان المسلمون العمود الفقري له بالمسيرات لامتصاص الغضب
الشعبي، إذا بها تقوم- عقب سقوط بغداد مباشرة واستمرارًا لسياستها الثابتة- بالقبض
على مجموعتين من إخوان البحيرة والإسكندرية وتضمين مذكرة المباحث اتهامات خطيرة
توحي بتوجيه رسالة تحذير شديدة.
وكذلك يجري الهمس عاليًا بأن هناك قانون انتخابات
جديدًا بالقائمة النسبية، وذلك لحرمان الإخوان من الحقوق الدستورية، وتحجيم نجاحهم
الأخير الذي كان صفعة للإجراءات الشاذة ضدهم طوال عشر سنوات.
مع التلويح للأمريكان بأن أي جرعة زائدة من الحرية
تعني وصول الإخوان إلى السلطة، وبدلًا من امتلاك إرادة سياسية صريحة وجازمة لإحداث
إصلاحات شاملة تنقذ البلاد والعباد من حالة الإحباط التي شملت الجميع وتفتح أبواب
أمل أمام جيوش الشباب العاطلين عن العمل، إذا بالحكومة الفاشلة تستمر رغم كل
الصعوبات التي تسببت فيها على المستوى الاقتصادي بتحرير سعر الصرف مرة واحدة
وفجأة، مما تسبب في رفع الأسعار بنسبة 20 - 30% رغم الخسائر المصرية على المستوى
الاقتصادي بسبب الاحتلال الأمريكي للعراق، مما يعني خسارة ملياري دولار سنويًا
تمثل حصة الصادرات المصرية من برنامج النفط مقابل الغذاء. وعلى المستوى السياسي
تقلص الدور المصري في المنطقة لمجرد نقل رسائل إلى الرؤساء بضرورة الاستجابة
للضغوط حتى تمر العاصفة «فلسطين- سورية».
وعلى المستوى الحضاري انهارت المكانة المصرية عربيًا
وإفريقيًا وإسلاميًا ولم يعد الناس يتطلعون إلى دور لمصر في قيادة الأمة العربية
والإسلامية، ومع ذلك كله لا نشهد في الأفق أي نقاش جاد لحصار الخسائر المتتالية،
ويبدو أن الهاجس الأكبر في الحفاظ على النظام وتوريث السلطة ومصادرة السياسة
وإعلاء الأمن هو سيد الموقف، ولا جديد يبشر بتغيير ما.
الشعوب في حاجة إلى قيادة
وسط ذلك كله يبقى دور الشعوب هو الأساس للخروج من
حالة الارتباك ومواجهة الأزمة ومقاومة المشروع الصهيوني الأمريكي.
ولقد واجهت الأمة في تاريخها الممتد حالات أشد
صعوبة من ذلك وتغلبت عليها، وقد يعتبر البعض أن هذه الأزمة غير مسبوقة في ظل
التفتت والتشرذم وعدم وجود لواء جامع للمسلمين، أو ما تعرضت له الأمة منذ قرن لمسخ
هويتها وفقدان ولائها لله ودينه أو حال التخلف الرهيب في الناحيتين العلمية
والتكنولوجية ووجود فجوة هائلة بينها وبين أعدائها، إلا أن الأمة أو على الأقل
الفريق الذي يريد إخراجها من أزمتها ما زال يمتلك الإرادة القوية ولديه الاستعداد
للتضحية وله رصيد من الوفاء النادر، كما أنه يتسلح بالمعرفة بالمبدأ أو صحة
الطريق، وهذه هي القيادة التي تحتاجها الأمة اليوم.
وعلينا أن ندرك أن الجهد المطلوب ضخم وعلى كل
الأصعدة، وأن الأمة جميعها يجب أن تجاهد لمقاومة الغزو والاحتلال، ولإقامة صرح
بناء حضاري يليق بمكانة أمة الإسلام بين الأمم.
علينا أن ندرك أهمية التواصل مع كل القوى الحية في
الأمة، وأن نمد جسور التفاهم والحوار مع بقية أمم العالم، وأن نستنفر كل الطاقات
للخروج من حال الارتباك وتحديد البوصلة بدقة كي ندفع المسيرة إلى الأمام، وهذا هو
دور القيادة الرشيدة التي تقوم بدورها وتسمح للجميع بالقيام بأدوارهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل