; أمريكا تعيد تقييم نظرتها لحركة «حماس» | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا تعيد تقييم نظرتها لحركة «حماس»

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003

مشاهدات 69

نشر في العدد 1565

نشر في الصفحة 16

السبت 23-أغسطس-2003

  • أصوات في الإدارة الأمريكية تدعو لفتح قنوات اتصال مع «حماس» لمحاولة استيعابها


في الشهور الثلاثة الأخيرة تكرر اسم حركة حماس كثيرًا على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزير خارجيته كولن باول، ومع أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين خلال تلك الفترة حفلت بإطلاق عبارات الوعيد والتهديد وتوجيه التحذيرات للحركة، فإن معلومات رشحت عن مسؤولين عرب مؤخرا، أفادت بأن أوساطًا سياسية في الإدارة الأمريكية تجري في الآونة الأخيرة عملية مراجعة وإعادة تقييم لحركة حماس، لفهم طبيعتها بصورة أدق تتجاوز مجرد النظر إليها كحركة مسلحة تتبنى أساليب عنف غير مقبولة من وجهة النظر الأمريكية.
وبدأت ترتفع في الآونة الأخيرة أصوات في الإدارة الأمريكية تدعو إلى فتح قنوات اتصال غير معلنة مع حركة حماس، بهدف التأثير على توجهاتها ومحاولة استيعابها في المعادلة السياسية للمنطقة. 
وبررت هذه الأصوات موقفها الجديد بالقناعة التي تشكلت مؤخرًا في وزارة الخارجية الأمريكية بأن حركة حماس لاعب أساسي مؤثر في معادلة الصراع بالمنطقة، ولا يمكن تجاوزها في أي مشروع حل سياسي يهدف إلى نزع فتيل الاشتعال وتحقيق حالة استقرار سياسي وأمني، بعد أن أثبتت الحركة أنها من أهم عوامل الهدوء والتوتر في ساحة الصراع العربي الصهيوني. 
ويعزى التطور في موقف بعض الأطراف السياسية الأمريكية تجاه حماس، واعتراف هذه الأطراف بالحركة كعنصر أساس في المعادلة السياسية، إلى جملة تطورات من أهمها:
- القوة العسكرية التي أظهرتها الحركة خلال انتفاضة الأقصى، لا سيما في الشهور الأخيرة التي أعقبت حملة إسرائيلية شرسة ضد فصائل المقاومة لحق حركة حماس القسط الأكبر منها، حيث استطاعت الحركة تجاوز تلك الحملة والاحتفاظ بقدراتها العسكرية، بل ورد الصاع صاعين على الهجمات الإسرائيلية، كما حصل في محاولة الاغتيال الفاشلة للدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وهو ما أقنع الأمريكيين بعدم جدوى الحل الأمني في التعاطي مع الحركة، وصعوبة القضاء عليها عسكريًا، حتى لو بذلت «إسرائيل» أقصى جهد ممكن وتعاونت معها أجهزة الأمن الفلسطينية بصورة جادة.
- قرار الهدنة أو تعليق العمليات العسكرية الذي أعلنته الحركة مع عدد من فصائل المقاومة الفلسطينية لمدة ثلاثة أشهر وكانت الطرف الأهم في المبادرة، ويرى مسؤولون في الإدارة الأمريكية أن قرار الحركة هذا يظهر تمتعها بمرونة سياسية موازية لقوتها العسكرية، لكن ما لفت انتباه المسؤولين الأمريكيين بشكل خاص في موضوع الهدنة - وكان من الدوافع المهمة وراء عملية المراجعة وإعادة التقييم - التزام الحركة الكامل والدقيق بالهدنة، وإظهارها تماسكًا قويًا ووحدة تنظيمية، حيث لم تحدث حالة إخلال واحدة بالقرار من قبل أي من أجنحة الحركة. 
وحتى العملية الاستشهادية التي نفذتها الحركة قبل أسبوعين، فإنها جاءت ردًا على عملية الاغتيال التي نفذتها القوات الإسرائيلية بحق اثنين من الكوادر العسكرية للحركة، وجاء الرد ليؤكد قدرة الحركة على الفعل، وليؤكد أن توقفها خلال الأسابيع الماضية عن تنفيذ العمليات العسكرية لم يكن ناجمًا عن حالة ضعف أو عجز.
- إدارة الحركة الناجحة لمعركة الحوار في مصر قبل أشهر مع المؤسسة الأمنية المصرية ومع السلطة الفلسطينية، وقدرتها على التعاطي مع تناقضات وظروف معقدة للغاية، وهو ما يمثل سببًا آخر لإقناع الأمريكيين بضرورة إعادة نظرتها للحركة.
- الأداء المتميز للحركة سياسيًا وعسكريًا الذي رافق أداءها الناجح في مجال النشاط الاجتماعي والتربوي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما جعلها تتمتع بتأييد شعبي واسع في الشارع الفلسطيني، مقابل تراجع شعبية السلطة وضعف محمود عباس ومحمد دحلان ورفض الشارع الفلسطيني المتزايد لهما.
وتشير المصادر التي نقلت عن رسميين عرب المعلومات الخاصة بإعادة تقييم الأوساط السياسية الأمريكية لنظرتها لحركة حماس، إلى أن وزير الخارجية كولن باول طلب من مصر في أعقاب محاولة الاغتيال الفاشلة للرنتيسي ورد الحركة الموجع في اليوم التالي، التدخل لدى حماس من أجل وقف التصعيد وعدم تفجير الوضع في المنطقة. وتضيف المصادر أن جولات الحوار التي شهدتها مصر مع حركة حماس كانت بضوء أخضر من أمريكا، وبصورة أدق بطلب أمريكي مباشر.
ولكن.. هل تنجح الأصوات الداعية في الإدارة الأمريكية إلى إعادة التقييم في التأثير على توجهات صانع القرار الأمريكي؟ وهل يمكن توقع حوار جدي بين حماس وأمريكا خلال الفترة القريبة القادمة؟
بالعودة إلى تاريخ العلاقة بين الطرفين، نجد أن الإدارة الأمريكية سعت لفتح خطوط اتصال مع الحركة في منتصف التسعينيات، وجرت عدة لقاءات في عدد من العواصم العربية، وإن كانت على مستوى غير رفيع، واقتصرت على سفراء ودبلوماسيين أمريكيين، كما فتحت قنوات الحوار بين حماس وعدد من العواصم الغربية بينها واشنطن ولندن وروما وعواصم أخرى. 
لكن تلك الاتصالات لم تلبث أن انقطعت سريعًا بعد احتجاجات إسرائيلية شديدة، ومنذ ذلك الوقت ظلت الاتصالات شبه منقطعة وشهدت العلاقة بين الطرفين توترًا واضحًا، وبدأت أمريكا حربًا لا هوادة فيها لتصفية الحركة وتجفيف مصادر دعمها، ومحاصرتها سياسيًا وماليًا، وضغطت قبل سنوات لطرد قيادة الحركة السياسية خارج الأراضي الأردنية، ومارست ضغوطًا على عدد من الدول العربية بهدف قطع العلاقات مع الحركة والتعامل معها كحركة خارجة على القانون.
وتصاعد التوتر بين الجانبين إلى درجة اعتبرت فيها إدارة الرئيس بوش الابن وقبلها إدارة الرئيس كلينتون، حركة حماس عدوًا مباشرًا يهدد الأمن الأمريكي، ولم تكتف بوضع الحركة على قائمة الحركات الإرهابية، بل قررت الدخول في حرب مباشرة ومعلنة معها، حيث قامت المخابرات الأمريكية بإرسال عناصرها إلى الأراضي الفلسطينية حيث فتحت عدة مكاتب بهدف مكافحة حماس وبقية حركات المقاومة الفلسطينية! 
مقابل ذلك أكدت الحركة أن معركتها محصورة مع العدو الصهيوني وداخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولم يسجل عليها تنفيذ عملية واحدة ضد المصالح الأمريكية رغم أن واشنطن ناصبتها العداء. كما أكدت الحركة طوال السنوات الماضية أن «الفيتو» الوحيد لديها هو على الحوار مع «إسرائيل»، وباستثناء ذلك رحبت بالحوار مع أمريكا وجميع الأطراف الإقليمية والدولية، بل سعت إلى فتح وتنشيط تلك الحوارات، ولم تتعامل بخوف أو توجس مع مسألة الاتصال مع مختلف الأوساط الدولية، ورأت في ذلك فرصة لتوضيح وجهة نظرها والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. 
لكن رغم هذا الاستعداد الإيجابي من قبل الحركة للتعاطي مع مسألة الحوار، ورغم ارتفاع بعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية، الداعية إلى العقلانية والبحث عن المصلحة في التعامل مع حركة حماس، فإنه يصعب توقع حدوث انفراج في العلاقة بين الجانبين، ومن المستبعد حصول تغيير جوهري على هذه العلاقة حتى لو تغير التقييم السابق للحركة في أروقة وزارة الخارجية الأمريكية. 
فـ «إسرائيل» ما زالت مصرة على موقفها الرافض بشدة فتح أي قنوات اتصال بين حماس والإدارة الأمريكية، وسيكون هذا الرفض مؤثرًا على توجهات صانع القرار الأمريكي في ظل النفوذ الذي تتمتع به إسرائيل في الكونجرس وفي أوساط العناصر الفاعلة في إدارة الرئيس جورج بوش من اليمين المسيحي المتصهين أمثال كونداليزا رايس ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وجون أشكروفت وغيرهم من صقور الإدارة الأمريكية.
يضاف إلى ذلك التناقض الحاد بين التوجهات السياسية للطرفين، ورفض الإدارة الأمريكية المطلق لأيديولوجيا وتوجهات وبرنامج حركة حماس السياسي إزاء التعامل مع إسرائيل والحل السياسي للصراع في المنطقة، وقناعة أصحاب القرار في الإدارة بصعوبة إحداث تغيير جوهري على التوجهات المبدئية للحركة التي أظهرت تمسكًا بثوابتها الأساسية رغم مرونتها السياسية إزاء القضايا التفصيلية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق