; أمريكا بعد الانتصار.. حالة من الإيمان بالحرب | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا بعد الانتصار.. حالة من الإيمان بالحرب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1562

نشر في الصفحة 28

السبت 02-أغسطس-2003

محمد بابكر العوض

فيما كانت الولايات المتحدة تدخل الحرب العالمية الثانية قبل ستين عامًا تنبأ ايه. جيه. موست «A.J.Must» بمظاهر العالم الذي سيبرز بعد انتصار الولايات المتحدة، وقدم هذه الملاحظة: «المشكلة بعد الحرب تكمن في المنتصر الذي سيعتقد أنه قد أثبت عمليًا أن الحرب والعنف وسيلة ناجحة لتحقيق المكاسب.. من سيستطيع أن يملي عليه درسًا بعد ذلك؟». كنت وأنا أراقب نزول الأمريكيين على أرض بغداد أقلب كل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة وأتابع تداعيات الحرب التي استعرت بين جزء من العالم الذي أنتمي إليه والدولة الأولى في هرم النظام العالمي، وكانت ثمة تساؤلات من قبيل: لماذا لا تكون الدولة الأولى صادقة فيما تدعيه من رغبة في نشر الديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان والقضاء على الإرهاب؟ لماذا نحن غاضبون؟ لم لا تعتبر صعود الغرب الأمريكي مسلمة تاريخية وقدرًا كانت الكرة فيه لهم مثلما كانت لنا عليهم كرات وكرات؟ دهمتني هذه الاستفهامات بينما كنت أتمعن ظاهرة أو حالة الإيمان بالحرب التي تتملك وتسود التفكير الأمريكي منذ فترة طويلة، يخطئ من يربطها بالحادي عشر من سبتمبر. 

إن خيار الحرب لم يكن مجرد قرار عسكري عادي يصدره الجنرالات ويواطئهم عليه رجال السياسة ولكنه كان شيئًا غير ذلك؛ فقد كان تجليًا الحالة من الإيمان العميق والقديم بالحرب. وتتم تغذية هذا الإيمان دينيًا وفكريًا بدعوات ومواعظ وأطروحات نظرية، ومع أن أولئك الفلاسفة والدعاة الدينيين لم يكونوا في مواقع اتخاذ قرارات الحرب والسلام ولكن واقع الحال يؤكد أن لهم دورًا مهمًا ومؤثرًا في تلك المواقع.

 منذ البدء وقبل الحرب قرأ الناس عن تبني الدوائر الأمريكية لأطروحة مثل «صدام الحضارات» لصمويل هنتنجتون، إشارة إلى الطريق الذي سوف تسلكه السياسة الخارجية الأمريكية، ويومها قيل إن أسهل الطرق للحصول على نسخة من كتاب هنتنجتون هو الدخول إلى الموقع الإلكتروني لوكالة الاستعلامات الأمريكية الذي تشرف عليه وزارة الخارجية، في إشارة إلى رسمية التوجهات التي تبناها. 

إلى جانب هنتنجتون كان برنارد لويس أحد فلاسفة الحرب ويذكرنا مصطفى الطحان بأن جذر أطروحة هنتنجتون حول صراع الحضارات مأخوذ من مقالة للويس بعنوان جذور السخط الإسلامي نشرها في مجلة أتلانتيك مونثلي سبتمبر ۱۹۹۰، وكانت بمثابة الملهم الأساسي لهنتنجتون لكي يكتب مقالته الشهيرة في مجلة فورين أفيرز التي حولها فيما بعد إلى كتاب سماه «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي». ويمكن القول إن مقالة لويس المذكورة ترجع العنف الإسلامي إلى الإسلام نفسه، إذ إن الإسلام، بتعبير لويس نفخ روح الكراهية والعنف بين أتباعه، ومن سوء حظنا فإن جزءًا من العالم الإسلامي لا يزال يرزح تحت وطأة هذا الميراث. ومن سوء حظنا كذلك أن غالبية هذه الكراهية والعنف موجهة ضدنا في الغرب وضد ميراثنا اليهودي – المسيحي، وضد حاضرنا الراهن، وضد امتدادهما العالمي.

وتكمن أهمية المؤرخ لويس في أن له نفوذًا فكريًا هائلًا وبالأخص على صانعي القرار في الولايات المتحدة من المؤسسات البحثية حتى متخذي القرار ومنفذيه يقول بول وولفويتز مساعد وزير الدفاع الأمريكي لقد تمكن برنارد لويس –بشكل باهر– من وضع علاقات وقضايا الشرق الأوسط في سياقها الأوسع ويفكر موضوعي وأصيل ومستقل دومًا لقد علمنا برنارد كيف تفهم التاريخ المعقد والمهم للشرق الأوسط وتستعمله لتحديد خطوتنا التالية لبناء عالم أفضل الأجيال عدة. 

وقد شكل من يسمون صقور الإدارة الأمريكية محرك القوة الدافعة للحرب على العراق ولجأوا في سبيل ترجيح رأيهم إلى بناء منظومة متكاملة من الأفكار، ولعب لويس دورًا كبيرًا في ذلك والغاية من هذه المنظومة تسويق الحرب والسجال ضد من يعارضها أو يدعو إلى التمهل في خوضها وهؤلاء الصقور هم نائب الرئيس ديك تشيني وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ريتشارد بيرل، لويس ليبي، الرجل الأول في مكتب تشيني بول وولفويتز وبيتر رودمان، اليوت إبرامز المسؤول عن ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، والصديق الصدوق الأربيل شارون، جون بولتون الرجل الثالث في الخارجية الأمريكية، ويتميز باستسهال الدعوة إلى استخدام السلاح النووي.

 يبلغ عدد الذين وقعوا على مشروع العقد الأمريكي الجديد ٣٢ شخصًا والبيان التأسيسي إنجيل المحافظين الجدد يدعو إلى حروب على العراق وسوريا ولبنان وإيران وفلسطين بين هؤلاء ثلاثة فقط أدوا الخدمة العسكرية أما الباقون فقد تهربوا من أدائها وكان ريتشارد بيرل بين المتهربين، أما فرانك جافني فقد اختفى عن الأنظار زمن الحرب.

 ينتمي هؤلاء جميعًا إلى البنية الضاغطة باتجاه العدوان وفي حين يطلق البعض عليهم صفة الصقور يرى البعض الآخر أن هذه الصفة لا تناسبهم، وينسب لهم «ميزتين» التهرب من الخدمة العسكرية، وفي الوقت نفسه الدعوة إلى حل المشكلات السياسية بوسائل عسكرية قرأنا للويس عن نموذجية التطبيق التركي للديمقراطية، وسمعنا كولن باول يتحدث عن رغبة بلاده في أن ينتشر النموذج التركي في التحديث بين دول العالم الإسلامي ويمكن أن نضيف أيضًا مما يدل على ذلك النفوذ البرنارد لويس – أن أهم اللقاءات الجانبية السابقة للحرب على العراق ضمت إلى جانب طاقم الحرب في الإدارة الأمريكية برنارد لويس ذاته وبصحبته أحمد جلبي المعارض العراقي الذي بشر قوات الغزو الأمريكية بأن الشعب العراقي سيستقبلها بالزهور والرياحين يذكر أن لويس قد تم استدعاؤه إلى البيت الأبيض قبل هذا اللقاء، لكي يجيب عن سؤال بوش لماذا يكرهنا العرب والمسلمون؟.

 ولا يتوقف الأمر على كبار الأكاديميين والفلاسفة ففي الخريف الماضي «حسب نيوزويك قرأ نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني كتاب An Autumn of War خريف الحرب» المؤلفة فيكتور ديفيس هانسون وهو عبارة عن مجموعة من المقالات الصحفية نشرت في مجلة ناشيونال ريفيو على موقعها على الإنترنت عقب أحداث سبتمبر حيث كتب هانسون أن الحرب في الحالة الطبيعية للإنسان وتبعًا لهانسون فإن القادة العظام يفهمون هذا وهم لا ينخدعون بالرؤية الطوباوية عن السلام العالمي إنهم يواجهون الشر ويتعاملون معه وقال تشيني إن کتاب هانسون يعكس فلسفته الشخصية، وقبل حلول نهاية ذلك العام دعي هانسون لتناول الغداء مع نائب الرئيس والتحدث إلى مساعديه الذين قرأوا الكتاب أيضًا إنه امتداد للسياسة بوسائل أخرى، كما قالها من قبل كلوفنتز، وذلك يعني بمنطق الفاعلية أحد أهم خصائص العقل الغربي ضرورة حسم المشكلات الإنسانية بوسائل السياسة أو بوسائل الحرب أي حسمها على أي حال. ولكن هل يمكن لهذا المنهج أن ينجح يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي إن نار هذه الحقيقة التي أشار اليها كلوفنتز - قد حمدت فإن جيلنا يواجه مشکلات استعصى حلها على حربين عالميتين وكان الإخفاق في كلا الطريقين مدويًا.. ولكن وبعد سقوط بغداد وانتصار الولايات المتحدة التي تعتقد أنها قد أثبتت عمليًا أن الحرب والعنف وسيلة ناجحة لتحقيق المكاسب هل هناك من يستطيع أن يصلي عليها درسًا بعد ذلك؟

الرابط المختصر :