العنوان القمة «الأولى» تفتح الطريق.. أمريكا اللاتينية.. و حلم التعاون مع العالم العربي
الكاتب الصادق العثماني
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 57
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 36
السبت 11-يونيو-2005
العلاقات العربية اللاتينية تميزت عبر التاريخ بالتفاهم والحوار البناء.. والهجرات العربية شكلت قاعدة خصبة لتعزيزها.
صادرات البرازيل للدول العربية سجلت في بداية عام 2004م ارتفاعًا بنسبة 41%.
توجهات الرئيس «لولا» التي يدعو فيها إلى المساواة والحرية والعدالة صارت مصدر قلق لواشنطن.
شافيز اعتبر واشنطن أكبر منتهك لحقوق الإنسان في الوقت الذي تتحدث فيه عن الديمقراطية.
عندما زار الرئيس البرازيلي مصر عام ٢٠٠٤ أطلق دعوته لعقد قمة عربية - لاتينية بغية تأسيس تجمع اقتصادي أطلق عليه اسم «تجمع الجنوب - الجنوب»، تتكون نواته الأساسية من الدول العربية ودول أمريكا، وتحققت هذه القمة على يديه يومي ١٠ و١١ مايو الماضي. هذا الرجل يمكن اعتباره ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ السياسي للبرازيل، وأمريكا اللاتينية والعالم, بدأ حياته كبائع خضار ومن ثم ماسح أحذية، وبعده حاجب في مكتب, ومن ثم عامل متخصص في التعدين. من مواليد سنة ١٩٤٥ في قرية «كواروليوس» من منطقة الشمال الشرقي في البرازيل, بدأ عمله النقابي في سن مبكرة مع أخيه، وساهم في توزيع المنشورات ضد الحكم العسكري، وقد أدخل السجن عدة مرات.
في سنة ١٩٧٣م أصبح السكرتير الأول للتنظيم النقابي, ثم بعد ذلك أمينًا عامًا لاتحاد نقابات العمال، ترشح عدة مرات لرئاسة جمهورية البرازيل لكنه لم يوفق.. لكن بفضل ثقته بالله ثم صموده على متابعة السير أصبح الآن رئيسًا لهذه الجمهورية في انتخابات ديمقراطية جرت سنة ٢٠٠٢م, وقد وضع من بين أولوياته السياسية العمل على تمتين أواصر العلاقة مع البلدان العربية، ولا يتعلق الأمر بأسباب ثقافية وودية فحسب إنما أيضًا بأهداف اقتصادية وتجارية, فكانت الزيارة التي قام بها رئيس البرازيل «لولا» إلى بعض الدول العربية بتاريخ 12/4/2004م التقى خلالها مع بعض رؤساء الدول العربية ومن بينهم الرؤساء مبارك، والقذافي وبشار الأسد... فالبرازيل قد لا تكون دولة عظمى، وقد لا يكون لها دور مؤثر وحاسم في العلاقات الدولية, لكن كل ما فيها يوحي في المستقبل القريب أن تكون دولة لها في المحافل الدولية, قوة اقتصادية كبرى لا يستهان بها في التوازنات السياسية والاقتصادية.
أسف على الماضي!
لقد أعطت الزيارة التي قام بها رئيس جمهورية البرازيل «لويس أناسيو لولا داسيلفا» إلى بعض الدول العربية ثمارًا طيبة، منها عقد القمة العربية – اللاتينية, وهي أول قمة تجمع الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية وعددها 22 دولة، ودول أمريكا اللاتينية وعددها 12 دولة، للبحث في توثيق أواصر العلاقات بينها، وخاصة السياسية والاقتصادية.. ويأتي عقد هذه القمة في فترة يعيش فيها العالم وسط اضطرابات أمنية وسياسية واقتصادية، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط والدول العربية.
وضمن فعاليات المؤتمر، أكد وزير خارجية البرازيل أموريتم في تصريح قدمه للقناة 11 البرازيلية: أنه متفائل بنجاح هذه القمة، وستنعكس إيجابيًّا على جميع الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية، وتأسف على الماضي، حيث إن الروابط الاقتصادية والسياسية بين البرازيل والعالم العربي لم تكن على مستوى المطلوب، داعيًّا إلى ضرورة معالجة هذا الخلل, وأضاف أن بلاده لا تزال تأمل في جلب مزيد من الاستثمارات العربية، وأنها مستعدة لتقديم مساعدات تقنية مهمة للعرب في مجالات مهمة مثل صناعة الطائرات المدنية والعلوم والتكنولوجيا. وأشار إلى أهمية القمة التي بإمكانها أن تساهم في الإصلاح الاجتماعي وحفظ السلام..
وقد صرح لنا بعض رجال الأعمال العرب في حفل عشاء أقامته غرفة التجارة والصناعة العربية - البرازيلية لبعثات الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية الذين شاركوا في قمة برازيليا، أن صادرات البرازيل إلى الدول العربية تحسنت كثيرًا خلال العشرة أشهر الأولى من سنة ٢٠٠٤, وقد بلغت 3.35 مليار دولار، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 41% مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية, ومن بين أكبر المستهلكين للمنتجات البرازيلية هناك المملكة العربية السعودية بـ 669 مليون دولار، ودولة الإمارات 609 ملايين، ومصر 522 مليون، والجزائر 287 مليون، والمغرب 279 مليون، وسورية 141 مليون, على رأس هذه الصادرات.. الصناعات الغذائية كاللحوم والدواجن والسكر.. وهذا التحسن كما فسره بعض خبراء الاقتصاد في البرازيل، يعود إلى الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس «لولا» لكن مع الأسف، لم تُستغل هذه القمة من طرف القادة العرب.. الذين كان حضورهم فيها ضعيفًا جدًا.
القمة وغياب العرب!
تميزت العلاقات بين دول أمريكا اللاتينية والعالم العربي بالتفاهم والحوار المخلص والبناء وبعلاقات صداقة، وذلك من خلال الهجرات التي شكلت قاعدة خصبة لتعزيز هذه العلاقات على مر السنين, فقد بدأت الهجرة العربية إلى الجنوب منذ زمن بعيد، ويعود بها بعض المؤرخين إلى بدء العلاقات بين البرتغاليين «والبرابرة» - كما كان يطلق عليهم من طرف الغرب - وهم سكان المغرب وموريتانيا، الذين وصلوا أسبانيا في القرون الوسطى ثم أبحروا مع البرتغاليين إلى هذه القارة..
وهناك بعض المؤرخين الذين يتحدثون عن وصول الفينيقيين إلى أمريكا قبل هذا بكثير، وتتحدث فئة أخرى من المؤرخين عن زيارة قام بها حنا الموصلي إلى البرازيل عام 1616، وهو من بلاد ما بين النهرين «العراق حاليًّا» هذا التفاعل العربي عبر التاريخ الطويل مع دول أمريكا اللاتينية، وخاصة البرازيل، انتعش بعد الزيارة التي قام بها الإمبراطور حاكم البرازيل سنة 1880 إلى سورية، فاندفعت أعداد كبيرة من المهاجرين اللبنانيين والسوريين إلى بلاد أمريكا اللاتينية.
ونتيجة لهذه الهجرة العربية إلى البرازيل، أقامت الحكومة البرازيلية علاقات دبلوماسية مع بعض هذه الدول، وفتحت قنصلية شرف للبرازيل في بيروت سنة 1921، وفي عام 1924م أقيمت علاقات دبلوماسية مع مصر، وفي سنة 1961 مع المغرب والجزائر وتونس، وفي عام 1968 مع السعودية.. هذه العلاقات الطيبة التي تربط العرب بأمريكا اللاتينية منذ سنين، أتت هذه القمة لتزيدها قوة ومتانة، لكن لم تستغل من طرف قادة العرب، حيث لم يحضر من 22 قائدًا ورئيسًا.. سوى رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس الحالي للقمة العربية، ورئيس جزر القمر عثمان غزالي، ورئيس جيبوتي إسماعيل عمر، ورئيس العراق الجديد جلال طالباني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. أما بقية الدول العربية الأخرى فقد مثلت القمة على مستوى وزراء الخارجية, وحضر القمة في المقابل رؤساء تسع من دول أمريكا اللاتينية الـ 12.
وقد فسر لنا بعض الدبلوماسيين العرب الذين التقيناهم أن غياب زعماء العرب كان نتيجة ضغوط مارستها الولايات المتحدة عليهم، الأمر الذي دفع المسؤولين البرازيليين في أخر أعمال القمة إلى طمأنة الولايات المتحدة.. التي لا تنظر بعين الرضا إلى صعود اليسار إلى السلطة في أغلب دول أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتهم حزب العمال الكوبي بقيادة فيدل كاسترو.. وحزب العمال البرازيلي بزعامة «لولا» الذي أصبح يقلق الولايات المتحدة من توجهاته التي يدعو فيها إلى المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، ليس فقط على مستوى البرازيل، وإنما يسعى إلى تطوير الجهود الهادفة إلى التعاون في محاربة الجوع والفقر في أماكن أخرى. وقد اقترح إنشاء صندوق خاص تديره منظمة الأمم المتحدة بهذا الخصوص، سماه «الصندوق العالمي لمحاربة الجوع»، وهذا سيساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية ومحاربة الأمية والفقر والتهميش، وهو ما لا تريده أمريكا المتزعمة لدول الشمال الغنية وذات التوجه المعادي لدول الجنوب, وغاياتها من وراء هذا كله هو أن تبقى الإنسانية عامة منقسمة إلى قسمين: طبقة الأسياد المتمثلة في عالم الشمال, وطبقة العبيد المتمثلة في دول الجنوب، والذي يطلق عليه «العالم المتخلف», وهذا العداء من طرف أمريكا تجاه العالم الثالث انتقد الرئيس الفنزويلي «هوجو شافيز»، الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة على العالم, معتبرًا انعقاد أول قمة عربية - لاتينية أنها رد على ذلك الموقف المهيمن، ووصف «شافيز» عقب انتهاء أعمال القمة أن الاحتلال الأمريكي للعراق سحق لسيادة شعب مستقل وحر، معتبرًا الولايات المتحدة أكبر منتهك لحقوق الإنسان, في الوقت الذي تتحدث فيه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
دعم قوي!
قمة برازيليا جاءت بنتائج جيدة منها تبنيها إعلانًا سياسيًّا يقدم دعمًا قويًّا للشعب الفلسطيني ويدين الاحتلال الأجنبي، ويقر بحق الشعوب في مقاومته. الرئيس الجزائري طالب بتدخل عالمي فعال لحمل الكيان الصهيوني على الانصياع للشرعية الدولية والقبول بالسلم التفاوضي، وبضرورة تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط وفقًا لقرارات الأمم المتحدة, ومرجعية مدريد, ومبادرة السلام العربي, وبالتطبيق الكامل لخريطة الطريق.
كما دعت القمة في بيانها إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط بالكامل من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، وانضمام دول المنطقة كافة دون استثناء إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، مشددة أيضًا على ضرورة التصدي للإرهاب بكل صوره وأشكاله, وذلك من خلال تعاون دولي مع عقد مؤتمر دولي تحت مظلة الأمم المتحدة لدراسة هذه الظاهرة ووضع تعريف لجريمة الإرهاب.. واختتمت القمة بعد أن تم اختيار المغرب بإجماع رؤساء الدول والحكومات والوفود المشاركة في القمة الأولى؛ لاحتضان القمة الثانية عام 2008م, ويأتي اختيار المغرب - كما صرح بذلك وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى - اعترافًا بالدور الرائد للمغرب كعامل للتقارب بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية.