; أمة واحدة | مجلة المجتمع

العنوان أمة واحدة

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1976

مشاهدات 120

نشر في العدد 293

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 30-مارس-1976

«عن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها والله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». رواه مسلم واللفظ له.

الإسلام دين الوحدة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. (الأنبياء: 92). 

إن أمة الإسلام واحدة تقوم على عقيدة حقة واحدة وملة حقة واحدة، أساسها التوحيد الذي تشهد به نوامیس الوجود ودعت إليه الرسل جميعًا عليهم صلوات الله وتسليماته، انطلاقًا من وحدة الدين ووحدة القاعدة، فالدين عند الله هو الإسلام، بعث به رسله وأنزل كتبه والقاعدة هي التوحيد الخالص ولذا جاءت هذه الآية في نهاية حديث القرآن الكريم عن الرسل وأمة الأنبياء موكب واحد وأمة واحدة في الأرض ولذا جاءت هذه الآية نفسها في سورة «المؤمنون» بهذا النص: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. (المؤمنون: 52).

 بعد توجيه الخطاب إلى أمة الرسل، وكأنما هم مجتمعون في صعيد واحد في وقت واحد لأن هذه الفوارق الزمانية والمكانية لا اعتبار لها أمام وحدة العقيدة، التي تربط بين الرسل جميعًا، وأمام وحدة القاعدة التي تجمعهم جميعًا ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. (المؤمنون: 52-51). إنه النداء من الله لرسله المسلمين، وإنه النداء الذي تتلاشى أمامه آماد الزمان وأبعاد المكان أمام وحدة الدين الذي جاء به الرسل، ووحدة الخالق الذي أرسلهم، ووحدة الاتجاه الذي يتجهون جميعًا. ولسنا هنا في مجال سرد الأدلة وما أكثرها في هذا المجال.

 ولكن إذا ما كان حال الناس بعد أمة الرسل هو ما يصوره القرآن في صورته الحسية العنيفة وهي أنهم قد تنازعوا الأمر حتى مزقوه وقطعوه وحتى مضى كل حزب بما لديهم فرحون، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. (المؤمنون: 53). ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾. (الأنبياء: 93). وجاء هذا تقرير ذلك عقب الآية التي معنا ليفيد حقيقة ما وصل إليه الناس بعد الرسل، وإذا كان هذا هو ما عليه هؤلاء فإن علينا نحن الذين رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا أن ندرك أن الله قد بعث خاتم الرسل والإنسانية كلها في ظلام حالك، تعاني من ويلات الاضطراب الاجتماعي ووطأة الصراع المادي، فجاءت رسالته زاخرة بعناصر مقومات الحياة، مليئة بأحاسيسها ترشد الحائرين وتهدي الضالين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. (المائدة: 16-15). وإن الإسلام قد ألف بين قلوب أبنائه على الإيمان وإن تعاليمه ومناهجه جاءت لتقوى هذه الرابطة وتدعم أواصر الوحدة، وإن هذا التأليف وذلك المنهاج من الله الأحد فهو الذي ألّف بين القلوب وهو الذي أوحى إلى عبده ما أوحى وهو الذي يأمرنا بالاعتصام بحبله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103). 

وهذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة كبرى يمن الله جل شأنه بها على الجماعة المسلمة والأمة المسلمة، ويذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء وكيف كانت العداوة بين الأوس والخزرج حين كان يخالطهما اليهود والذين أوقدوا حول هذه العداوة نار الفرقة؛ حتى يجدوا لأنفسهم المناخ الذي يخلو لهم بعد أن ينال كل من صاحبه، ولكن كان الإسلام على يد خاتم المرسلين هو الذي جمع هذه القلوب المتنافرة وهذه النفوس المتناحرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمته إخوانًا؛ ولذا تلاشت الأحقاد التاريخية والثارات القبلية والأطماع الشخصية والرايات العنصرية، فلقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم «بعاث» ففعل، فلم يزل دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟» وتلا هذه الآية فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم. على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة؛ فالآية توحي مع ما قبلها وما بعدها في السياق بأن حربًا دائبة من اليهود لتمزيق الصف المسلم وإثارة الفتنة قد أوشكت أن تؤتي أكلها، وأن هذه الحرب خطرة لأنها تصيب الجماعة المسلمة وحدها وتؤدي بها إلى ما فيه هلاكها، وأن على الأمة المسلمة أن تعتصم بحبل الله، وأن تنظر إلى الفرقة على أنها طريق إلى الشيطان وسبيل يبعد الإنسان عن الإيمان.

 يروي أبو داود بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»، ويروى الترمذي بإسناده عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» ويروى مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من أن يجتمعوا على ضلالة، وضمن لهم النصر عند اتحادهم من أن يغلبوا على أمرهم ومن أن تنتهك حرماتهم، فنصر الله للمؤمنين المعتصمين بحبل الله، ويد الله مع الجماعة، فما أكرم يد الله وما أقوى يد الله.. إ

ن يد الله هي القوة الغالبة القاهرة التي تتضاءل أمامها قوى الطغيان في كل عصر وزمان، والمؤمنون أمة واحدة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، وفي ظلال هذه الوحدة التي تستمد جذورها من وحي الله وشريعته بسطت رسالة الإسلام جناحها في قليل من الزمن على الدنيا شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، على أيدي المسلمين الذين ضمهم وطن واحد في رحاب دين واحد وعبادة رب واحد. والله متم نوره ولو كره الكافرون والمنافقون.

وبعد.. فهذه هي أمتكم وتلك هي معالم وحدتكم وهذا هو سبيل المسلمين الصادقين.

الرابط المختصر :