العنوان أمة الدعوة ودولة الرسالة.. هل تعرف الطريق؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 06-أغسطس-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1612
نشر في الصفحة 47
الجمعة 06-أغسطس-2004
قامت أمة الإسلام بالدعوة إلى نظام رباني أراد الله به هداية خلقه وإرشاد عباده إلى الطريق المستقيم، وصدق الله ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ (الأنعام: ١٥٣). واستطاع هذا النظام الرباني أن يخرج أمة من العدم وأن يبعث الروح في جاهلية عمية من الرمم، لينشر بها النور والعرفان في الأمم، وهذه معجزة في التاريخ ليس لها مثيل، وآية في الزمان ليس لها شبيه، أن تغزو هذه الأمة الفرس بحضارة تفوق حضارتهم، وأن تقارع الروم بثقافة ومدنية ونظام أروع وأبدع مما ورثوا من تراثهم، وأسسوا عليه دولتهم، وبنوا عليه سلطانهم ونظامهم.
وما كان نظام الإسلام ودعوته نتاج حضارة شعب أو ثقافة أمة، أو تقدم جيل، وما كان من إبداع مجمع من المجامع، أو من أفكار مؤسسة من المؤسسات تصيب في شيء وتخطئ في آخر، أو تتدرج من أمر إلى آخر خاضع للتجربة والنجاح والفشل حتى استقام الأمر واعتدل، وإنما كان نظامًا لا عوج فيه ولا زيغ معه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)﴾(النساء). كان نتاجًا ربانيًا لا بشريًا ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ (الشورى).
هذا الصراط المستقيم، قامت عليه أمة، لتحقق الخير في الأرض وتقيم العدل في الإنسانية، وترفع الإصر والعبودية، وتفك الأغلال وترفع الظلم عن البشرية، وكلفت هذه الأمة بتبليغه والدعوة إليه وتحمل تبعاته في نفسها ومالها، وقد قامت هذه الأمة مع رسولها بهذا الأمر خير قيام، فكانت لها الريادة والسيادة بحقها وحكمتها وجدارتها، وشهد لها القاصي والداني بذلك، وما كان هذا أمرًا سهلاً أو شيئًا عضويًا، وإنما جاء بكفاح وصبر، وبيان وحكمة، وإيضاح وتربية، وعلم ومعرفة، وبتعاليم لا تقاوم، وثقافة لا تضارع، ونظام لا يضاهى، قامت عليه قيادة يتقدمها رسول، وتحملته مدرسة ربانية صحبته وبذلت في سبيله كل مرتخص وغال ابتغاء مرضات الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾(التوبة:۱۱۱)، وكانوا للناس مثلًا، وللطهارة عنوانًا: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) ﴾ (التوبة).
وما كان هذا عندهم ضربًا من الوطنية أو شيئًا من حب السيطرة والسطوة، وإنما كان ذلك فريضة وعبادة ورسالة كلفهم الله بها وتتعلق بها سعادتهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة، لا يبغون بها عرضًا من الحياة الدنيا ولو وضعت الشمس في يمينهم والقمر في يسارهم، وما كان هذا التكليف لجيل فقط وإنما للأجيال المسلمة كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف)، هذه الأمة الحية صاحبة الرسالة تقتدي برسولها وتسير على سنته، وقد كان ﷺ داعية وسراجًا منيرًا للعالمين: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)﴾ (الأحزاب)، كان داعية يشعر بثقل التبعة ويعرف عظم التكليف: ﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) ﴾ (الجن).
وكم كانت النفوس شرودًا، والأهواء جموحًا، والطباع متنافرة، ولكنه الأمر بالتبليغ ومقارعة الفساد بالإصلاح والظلم بالعدالة والانحراف والضلال بالاستقامة والهداية، ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾ (الشورى)، وبذل ﷺ ما فوق طاقة البشر، وتفطر قلبه وتلوعت نفسه حتى كاد تلك النفس أن تتمزق وتذوب حرصًا على إصلاح قومه، وهداية أمته، ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)﴾ (الكهف)، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)﴾ (الشعراء)، ﴿ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)﴾ (طه).
هذه الأمة التي فرض عليها دينها أن تبلغ رسالتها للعالمين، وتسعد بها الآخرين، تعجز اليوم أن تقوم بهذه الرسالة، وتتقاعس الآن عن تبليغ هذه الدعوة، لأنها غير مؤهلة الآن علمًا وفهمًا وعملًا وحكمة لهذا الدور الرسالي؟
أم لأنه قد ضاع من تحت قدمها الطريق وتشعبت بها الدروب، والتفتت إلى شرق أو غرب بمذاهب شتى وأفكار خلب؟
أم لشهوات تحكمت وأهواء سادت وأفكار شردت، ونفوس ضلت وقلوب وهنت، وتعلقت بحطام الدنيا، وسراب المادة، أم لهذا وغيره الكثير الكثير؟
والحقيقة التي لا مراء فيها، ولا جدال معها أن أي أمة تفتقد الغايات والأهداف والوجهة، لابد أن تذبل وتنزوي وتزول، فما بالنا بأمة، تفقد رسالة كالإسلام، وتترك دعوة ربانية كدعوة الإيمان، وتتناسى هداية جامعة، كالقرآن والذكر الحكيم.. فإنها لابد هالكة: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)﴾ (مريم)، ضنك الضلال والحيرة والضياع والاستعمار، ضنك القهر والعمالة والذلة في هذه الحياة الدنيا، ولهم يوم القيامة مثل ذلك لأنهم عموا عن الهداية والطريق المستقيم، ونحن نعيش هذا الضنك اليوم في كل شيء، ولعله يكون عبرة وعظة ولفتة لدعاة الإصلاح اليوم، حتى لا تأخذهم الحوادث بعيدًا عن الإصلاح الحقيقي وهو الرجوع إلى الله وإلى الإسلام، الصلاح المراد وهو: تربية النفس المسلمة والجيل المسلم الذي يحمل الأمانة ويحقق الغاية، ويرجع المجد، أما أن نداوي العلة بالعلة، والعطش بالسراب، ونضل الطريق ونميل عن الهدف، فهذا هو الضنك، وتلك هي الكارثة، التي يحذر الجميع منها، والله أسأل أن يوفق ويعين، إنه سميع مجيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل