العنوان معالم على الطريق.. أمة الحقائق الخالدة لا أمة الأساطير
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999
مشاهدات 77
نشر في العدد 1356
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 29-يونيو-1999
الغريب أن تقوم أمة على الخرافة، والأغرب منه أن تنهدم أمة الحقائق، وهذا لا يأتي إلا إذا كانت تلك الأمم في غير حالتها الطبيعية، فتصاب الأولى بالجنون، والثانية بالخمول، أو يعتري أمة الخرافة والأساطير الهوس و«المناخوليا» ويعتري الأخرى فقدان الحراك والموت.
والأمة التي قامت على الخرافة والأساطير هي إسرائيل التي أطلقت خرافة التلمود التي لا تعدو أن تكون أكذوبة منحرفة ومغلوطة لنصوص سماوية تدعي أن شعب إسرائيل شعب الله المختار، وأن فلسطين هي أرض الميعاد، وتتوالى الأكاذيب من المشعوذين اليهود، فيطلق «ديفيد بن جوريون» العلماني الملحد الصهيوني شعار «مملكة داود الثالثة» على أرض فلسطين ويضم إليها الأرض التي ما بين النيل والفرات.
ثم ترسخ هذه العقيدة بكل الوسائل في حس اليهود ويؤلف لها أحزاب دينية أصولية متطرفة يقودها الهوس وتحركها تلك الخرافات، ويعمقها المتطرفون المغامرون، فيقول موشى ديان في صحيفة «جروزاليم بوست» في أغسطس ١٩٦٧م «إن شعبًا يملك التوراة لا بد أن يملك الأرض التي وعدت بها التوراة» ثم يتحرك الجنون الصهيوني ليحرق الأخضر واليابس في سبيل تحقيق هذه الخرافات وإقرار هذه الأساطير ولو كان على جماجم الأبرياء أصحاب الأرض الأصليين، فيقول الحاخام «موشى بن زيون» في عام ١٩٧٤م في صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن شعب فلسطين يمثل وباء يجب التخلص منه حتى لا يعيش على الأرض إلا شعب إسرائيل، إنها الأرض التي وعدنا بها النبي إبراهيم بعد أن أعطاها إياه الرب، إن حربنا المقدسة تقتضي طرد كل الشعوب الأخرى.
هذه الأقوال وغيرها من الافتراءات والأكاذيب أصبحت لا تنطلي على أحد، أو يخدع بها حتى البسطاء من العامة فضلًا عن العقلاء والمحللين، وقد رصد هذه الموجات السود من الحقد الملوث، المفكر المسلم «رجاء جارودي»، وقام بإخراجها للعلن محذرًا من هذا الطفح الصديدي المنتن المستمر إلى اليوم بل ويزداد ويقوى، ثم يبين خطر هذا الوباء الملعون على الأمة الإسلامية وعلى العالم، ويستشهد بأقوال الصهاينة أنفسهم فيقول: في عام ۱۹۹٥م يقول الحاخام «أفينار» إن الاعتداء على يهودي أخطر من الاعتداء على غیره، هكذا علمتنا التوراة، ففي حالة الحرب يجب علينا أن نقتل كل من هو غير يهودي بما فيهم النساء والأطفال، وأن كل شفقة تعد جريمة، ثم يقول جارودي: «وطبعًا فإن هذه القراءة المتطرفة لنصوص محرفة، هي التي تعتمد أساسًا للاحتلال والقتل والتنكيل والتعذيب والاستئصال، وهي أكبر عملية غش في التاريخ الحديث، وهي التي فتحت أبواب العنصرية على مصاريعها، وهذه النصوص المحرفة من التلمود لا تختلف عن أي أساطير أخرى قديمة تتناقلها الأجيال عبر آلاف السنين، وقد تحولت إلى ملاحم مكتوبة مثل «إلياذة هوميروس»، أو «ملحمة رامايانا الهندية»، وقد وظفها هي وأمثالها ونسجوا على منوالها الصهاينة لتكون منطلقًا لبناء إمبراطورية إسرائيلية، كأنما جاء ذلك تحقيقًا لوعد الرب.
وقد فهم أغلب اليهود العاديين هذه النصوص على أنها وعد إلهي بالنجاة من الشتات، وتوفير أرض خصبة والهرب من فرعون ومن كل الفراعنة وهكذا فإن الأصوليين اليهود حوروا الرموز الإلهية وأنشؤوا منها خرافات وأساطير يعيشون عليها، وكم يكون التصور فظيعًا لو ترجمت الشعوب على وجه الأرض أساطيرها الخرافية إلى حقائق تبرر العدوان على الآخرين وتحول الحياة إلى مسلسل دموي رهيب في حروب خرافية دموية بينها وبين الشعوب الأخرى.
إن الصهيونية ما هي إلا الكفر الأصولي الأسود الذي حول رسالة سماوية كريمة إلى لعنة على الإنسانية وإلى أيديولوجية للقومية اليهودية وإلى أساطير خرافية تحمل الحقد واللعنة والاستئصال للجنس البشري، وما هذا إلا لإرضاء حفنة من المغامرين المتطرفين الصهاينة الذين يتشوقون للدمار والقهر إرضاءً لأهواء مريضة حاقدة على الإنسانية والبشرية، وهذا الذي نقول هو في الحقيقة قول العقلاء من اليهود من أمثال الحاخام «موشى مينوهين» الذي أكد أن هذا الانحطاط اليهودي في التفكير ما هو إلا ثمرة للقومية الصهيونية المتطرفة التي ليس لها صلة باليهودية، وألف في ذلك كتابًا أسماه «القومية اليهودية جريمة ولعنة تاريخية لا تغتفر»، وقد بين في هذا الكتاب أن الرسالة الدينية اليهودية العالمية قد اختزلتها الصهيونية في حقد قبلي وقومي وأساطير شعب الله المختار الذي جعل اليهود أقرب الناس إلى عداء البشرية ولعنتها.
هذا عن أمة الخرافة والأساطير، فما بالنا بأمة الحقائق التي أضاعت حقها وبددت تراثها وعميت عن واقعها الذي تملكه وتعيشه الأمة الإسلامية اليوم تعيش على أرضها وفي ديارها وأوطانها وتملك هويتها وتاريخها، هذه الأمة التي قامت ودعت إلى الحقائق الفطرية الإنسانية الحضارية التي تؤكد الأخوة والسلم بين الناس كلهم، وتقرر أن الناس إخوة لآدم لا فضل لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح الذي ينفع الإنسانية، لا تدعو إلى استئصال أحد ولا إلى عنصرية لأحد بل تقول إن ذلك شيء منتن دعوها فإنها منتنة، تتعامل مع الناس بالقسط والميزان، وبالعدل والإحسان وبالبر والتقوى وبالمعروف والهداية فماذا دهاها وأعماها، وأشقاها، أهي الرقدة الطويلة التي رقدتها من مئات السنين، أم هو الغزو الاستعماري الذي ابتلیت به الأمة، أم هو الإلهاء الداخلي والخارجي عن الصراط المستقيم أم عدم وضوح الرؤية، أم الانقلابات العسكرية التي ليس لديها من شغل شاغل إلا طمس معالم الإسلام والإعفاء على تعاليمه ورسومه وخنق رسالته وشنق المصلحين وحبسهم وتشريدهم أم هو انعدام الحريات وترك الشورى وسيادة روح الأثرة والأنانية وشيوع الفساد وانعدام روح التضحية والرجولة، واستبدال النفاق والتسفل والتخنث والدعة بها، أم هي القيادة التي استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووجهت وجهتها إلى غير رسالتها وأمتها ونبيها؟!
لقد آن الأوان لثبات الحق وإزاحة الباطل، وتنحية الخرافة والأساطير، ولن يكون هذا بالخطب والأقوال والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء فقط فكل ذلك وحده لا يجدي نفعًا، ولا يحقق غاية ولا بد من أن يكون مع ذلك ثلاثة أشياء حددها المصلحون في هذه الأمة وهي:
الإيمان العميق.
التكوين الدقيق.
العمل المتواصل.
وكل هذا يحتاج إلى جهد الرجال، وصبر العمالقة والاستنصار بالله فإنه نعم المولى، ونعم النصير، وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)، وساعتئذن سيفرح المؤمنون بنصر الله وينطلق النشيد الأول من جديد، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل