العنوان أما آن لنا أن نوظف أموالنا في أوطاننا العربية والإسلامية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أكتوبر-1984
مشاهدات 67
نشر في العدد 685
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 02-أكتوبر-1984
إذا كانت الأمة العربية والإسلامية تعيش وضعًا سياسيًا مأساويًا، فإننا لا نغالي إذا قلنا بأن أحد أهم مظاهر وأسباب هذا الوضع المأساوي في آن واحد، هو واقع استثماراتها الخارجية. والجانب المأساوي في واقع الاستثمارات الخارجية يتجلى في ناحيتين:
الأولى: حجم هذه الاستثمارات التي تبلغ بحسب مصادر منظمة الأوبك حوالي ٢٥٠ مليار دولار.
الثانية: التوزيع الجغرافي والنوعي حيث يتم استثمار حوالي ٤٠% منها في بلدين اثنين فقط هما بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وبنسبة أقل في بقية الدول الصناعية، وبنسبة ضئيلة جدًا في الدول النامية.
وبالنسبة لنوع الاستثمار يكاد يذهب حوالي ٦٠% منها كسندات في خزائن الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا!
ولا نريد هنا أن نتعرض لموضوع حجم ونوعية الاستثمارات العربية في الخارج بالتفصيل بقدر ما نريد التنبيه إلى خطورة هذه الاستثمارات وأهمية توجيهها للأوطان العربية والإسلامية ولا سيما الفقيرة منها.
ولعل أهم ما يستثير ذوي الهمم من أصحاب الأموال وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي أن الاستثمار في الغرب تكتنفه عدة مخاطر:
أولًا: إن استثماراتنا في دول الغرب كما لا يخفى على أحد تنطوي في جزء منها على أكل الربا وهو محرم شرعًا، ونربأ بأي مسلم أن يأكله.
ثانيًا: إن وجود هذه الاستثمارات بالحجم الذي أشرنا اليه يعتبر سببًا قويًا من أسباب ازدهار اقتصاد الدول الغربية، وما فتئت هذه الدول في سلب خيرات بلادنا واستنزاف ثرواتها وخاصة النفطية.
ثالثًا: إن عوائد تلك الاستثمارات تفرض عليها ضرائب تذهب إلى خزينة تلك الدول، ويذهب جزء منها كدعم مالي أو مادي للعدو الإسرائيلي المغتصب، الأمر الذي يجعل من هذه الاستثمارات خنجرًا يرتد علينا.
رابعًا: لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن أسواق الاستثمارات الغربية لم تعد آمنة ولا مستقرة. حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تستطيع افتعال أي سبب لتجميد أموالنا لديها. وقد فعلت هذا من قبل مع إيران، ووضعت عراقيل قانونية أمام امتلاك الكويت لشركة سانتافي للاستكشافات البترولية.
وهي بفرضها الدولار كأساس للنظام النقدي الدولي وللمدفوعات البترولية تتحكم في النظام الاقتصادي الدولي بما يخدم مصلحتها فقط، وقد ترتب على تقلبات أسعار صرف الدولار، أو تخفيضاته المتكررة والمتعمدة خسارات كبيرة لدول الأوبك وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى سبيل المثال فاقت خسارة الكويت المترتبة على تخفيض الدولار عام ۱۹۷۷ فوق المليار دولار!
أمام هذه المخاطر نتساءل: أما آن الأوان لدول مجلس التعاون الخليجي أن تسحب أرصدتها من الأسواق الغربية. كلها أو جزءًا كبيرًا منها إلى الدول العربية الشقيقة أو الدول الإسلامية ممن هي في أمس الحاجة إلى تلك الأموال!! إننا إذ ننقل استثماراتنا من الدول الغربية إلى الدول العربية والإسلامية تحقق مكاسب كثيرة:
1- إن حاجة الدول العربية والإسلامية للمال العربي كبيرة. فمستوى دخل الفرد فيها مازال متدنيًا، وهي بحاجة إلى كل شيء بحاجة إلى الماء والكهرباء والطرق والغذاء. بل إن العالم العربي على ترامي أطرافه يعاني من مشكلة اسمها «الأمن الغذائي» إن وجه المأساة يتجسد في عالمنا العربي أننا أصبحنا عالة على الأمم الأخرى حتى في لقمة العيش! والتنمية الصناعية والزراعية في الوطن العربي تحتاج إلى ثلاثة أضعاف قيمة استثماراتنا في الخارج. وهم أولى بذلك ما دمنا نؤمن بالله و بواجب الأخوة وبوحدة المصير.
٢- إن الاستثمار في الوطن العربي وخاصة في الأجزاء الفقيرة منه كالسودان والصومال ومصر والمغرب وغيرها، أصبح بشهادة تقارير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ذا مردود عالٍ مقارنة بمردود استثماراتنا في الخارج.
والاستثمار في الوطن العربي، بعد تقدم صيغ العمل العربي المشترك أكثر أمنًا واستقرارًا كذلك. ونحن نعلم أن عدم الاستقرار والأمان كان من أهم أسباب هجرة الأموال العربية للغرب في السابق. وفضلًا عن ذلك وكما يشهد خبراء الاقتصاد العربي، فإن مؤسسات الاستثمار العربية قد اكتسبت من الخبرة والكفاءة ما يؤهلها لانتقال أموال الاستثمارات العربية من قطر لآخر بحسب مقاييس اقتصادية صحيحة وسليمة.
3- إننا بنقل أموالنا للوطن العربي والإسلامي بشكل عام نعمل على بناء اقتصاد هذه الدول، بحيث نشارك في وضع النظام الاقتصادي الدولي بما يحفظ مصالحها ومصالح الآخرين. كما نرد بذلك على كيد الكائدين في دول غربية أو شرقية.
وفي هذا المقام ينبغي استحضار حقيقة أن الغرب لا يريد لنا الخير، فهو لا يريد لأي موطن من الأوطان العربية والإسلامية أن يعتمد على نفسه، فعلى سبيل المثال عندما نشط القطاع الزراعي في المملكة العربية السعودية وتوصلت إلى الاكتفاء الذاتي من منتوج القمح عرضت أمريكا على وزير الزراعة السعودي تزويد السعودية بكل ما تحتاجه من القمح بأقل من نصف سعر تكلفة القمح السعودي!!وكان رد الوزير السعودي في حينه قاطعًا بالرفض لأنه أدرك اللعبة وأدرك المرامي الأمريكية من هذا العرض للقضاء على كل تطوير زراعي وصناعي في المنطقة؛ وذلك لكي تتحكم أمريكا بالغذاء كما تتحكم في أمور أخرى كثيرة!!
وفي هذا المجال تجدر بنا الإشارة إلى حقيقة أن أرضًا عربية كالسودان الشقيق تصلح لإنتاج ما يكفي العالم العربي من الحبوب فيما إذا استصلحت أراضيه. وقد قدرت دراسة لمنظمة الغذاء والزراعة الدولية أن تصبح السودان مخزنًا عالميًا للغذاء وخاصة الحبوب.
فلماذا لا نزرع السودان ليطعم السودان وجميع الدول العربية بدلا من القمح الأمريكي الذي تستخدمه أمريكا وسيلة لقهر الشعوب وإذلالها؟!
وإننا إذ نطلق هذا النداء لنعلم أن هنالك معوقات كثيرة بإمكان الرجال المخلصين تجاوزها والتغلب عليها.. فإننا هنا نهيب بالمسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي أن يتنبهوا لهذه القضية الحساسة، ولنا أمل في أن يسارعوا إلى نقل أموالنا إلى أوطاننا العربية والإسلامية التي هي في أمس الحاجة الى الزراعة والتصنيع في سبيل الاعتماد على النفس وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وعدم الاعتماد على غيرنا في كل شيء. وإذا استثمرنا أموالنا استثمارًا صحيحًا بدلًا من أن نكون أسواقًا استهلاكية يتحكم فيها المنتج الأجنبي وفق مصالحه وكما يشاء، وليست (هونغ كونغ، وكوريا وتايوان) بأقدر منا في مجالات التصنيع والزراعة ما دمنا نمتلك الإمكانات الضخمة.
وختامًا.. فلنتق الله في ثروات المسلمين.. ولتحسب حساب مستقبل الأجيال.. والله سبحانه وتعالى يسدد الخطى.. وهو ولي التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل