العنوان أما آن للولايات المتحدة أن تراجع سياساتها في المنطقة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004
مشاهدات 68
نشر في العدد 1619
نشر في الصفحة 7
الجمعة 24-سبتمبر-2004
في الحادي عشر من سبتمبر الجاري مرت الذكرى الثالثة لتفجيرات مركز التجارة العالمي، وقد انتهزت الإدارة الأمريكية تلك المناسبة؛ لتؤكد مواصلة حربها على ما تسميه بالإرهاب، وهي الحرب التي ألحقت الخراب والدمار ببلاد إسلامية وألحقت القتل والتشريد بشعوبها.
فمنذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ والعالم يشهد حربًا شاملة ومنظمة ومتعددة الأوجه والأدوات ضد كل ما هو إسلامي، حربًا دعائية، وحربًا عسكرية، وحربًا اقتصادية، وتهديدات وضغوطًا وابتزازًا للدول الإسلامية وللمسلمين في كل مكان، وإن مظاهر ذلك لم تعد في حاجة إلى دليل.
وكان المؤمل من الإدارة الأمريكية أن تقف وقفة مراجعة شاملة لسياساتها التي انتهجتها حول العالم منذ تلك الأحداث خاصة أن تلك السياسات ما زالت تلاقي التعثر والفشل على أكثر من صعيد.
فعلى الصعيد العسكري لم تحقق عمليات غزو أفغانستان والعراق أهدافها، بل ازداد التوتر وانتهاكات حقوق الإنسان في الدولتين، ووجدت القوات الأمريكية نفسها في مستنقع لا تستطيع الفكاك منه، وتبخرت كل الشعارات الدعائية التي سبقت وواكبت عمليات الغزو، وسقط آلاف القتلى.
وعلى الصعيد السياسي مازال مشروع الشرق الأوسط الكبير -المزعوم يواجه التعثر وعدم القابلية في المنطقة- ورغم تزايد الضغوط الأمريكية لتحقيق الإملاءات المطلوبة إلا أن المشروع بأكمله قد واجه الفشل طوال السنوات الثلاث الماضية.
وعلى صعيد العلاقات الدولية فقد صنعت السياسة الأمريكية خلال تلك الفترة حالة غير مسبوقة من العداء لدى الشعوب العربية والإسلامية، بل على مستوى العالم كله، وتسببت تلك السياسة في تغيير صورة الولايات المتحدة التي تم الترويج لها عبر تاريخها إلى صورة عكسية، وبعد أن كانت شعوب العالم تنظر إليها باحترام أصبحت تنظر إليها بكراهية.
وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية استشعر ساسة وإعلاميون وكتاب في داخل الولايات هذه الخسائر التي منيت بها بلادهم، فوجهوا نصائحهم وانتقاداتهم للإدارة الأمريكية لحثها على تغيير سیاستها، وقد أصبحت وسائل الإعلام الأمريكية مليئة بعشرات المقالات والتحليلات التي تنتقد بشدة هذه السياسات، ويكفي أن نشير هنا إلى ما قاله الكاتب المعروف مايكل سينج حول الحرب على العراق، «أين كنا قبل ذلك، ولماذا تلك الحرب، ولماذا لم تعرف المزيد من الأكاذيب حولها؟ وقول الكاتب روبرت شير في صحيفة لوس أنجلوس: إن هذه المرحلة كانت عارًا على وسائل الإعلام الأمريكية».
ولئن كانت السياسة الأمريكية في أفغانستان والعراق والعالم الإسلامي مستفزة فإن تلك السياسة حيال الشعب الفلسطيني أكثر استفزازًا، وقد عبر عن ذلك المفكر الأمريكي بول فندلي- في محاضرة له، إذ قال: «إنني أشعر كأمريكي بالعار لما يحدث، وعندما تقرأ الأجيال الأمريكية المقبلة تاريخ شراكة الولايات المتحدة لإسرائيل في تدمير الشعب الفلسطيني وإذلاله وفي ذبح الأبرياء «هذا إذا كانت كتب التاريخ تذكر الحقيقة» فسوف يفركون أعينهم غير مصدقين، وإن التحيز الدائم في سياستنا الشرق أوسطية يمثل اعتداء على أعظم مبادئ الأمة وسماتها».
وأضاف، وبعد أن عرفت قوة اللوبي الإسرائيلي الأمريكي أدركت على الفور أن العنصر المفقود في السياسة الأمريكية ليس في «المعرفة» ذاتها بل في الالتزام بمبادئ العدل التي تشكل الأساس لدستور الولايات المتحدة، ومنذ سنوات قال أحد زملائي ساخرًا بأن أمريكا تحتاج إلى مقعد للولايات المتحدة داخل وزارة الخارجية، وإن أعضاء الكونجرس يصبحون لا حول لهم ولا قوة عندما يتصل الأمر بإسرائيل؛ لأنهم يوقنون بأنهم سيدفعون ثمنًا غاليًا إذا أعلنوا رأيهم، وحاولوا إيقاف هذا التحيز ضد العرب، وأنهم سوف يوصمون على الفور بأنهم معادون لإسرائيل، وهذه الصفة تعادل في المفاهيم الحديثة العداء للسامية، ولكني أعرف بأنهم يشعرون بالذنب والعار من صمتهم عن المطالبة بالتغيير.
إن تلك المواقف المنحازة لها - بلا شك - ثمن كبير تدفعه المصالح الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية بعد تزايد موجات الغضب والسخط حيالها وتزايد التوجه الشعبي نحو مقاطعة كل ما هو أمريكي سواء كان توجهًا ثقافيًا أو منتجًا اقتصاديًا، وصار اسم الولايات المتحدة مقترنًا بالشر لدى الجماهير.
أليست كل تلك الشواهد والمواقف كافية لكي تراجع الإدارة الأمريكية سياساتها وتقف موقف العدل والإنصاف من قضايا المسلمين وتكف عن دعم وتأييد العدو الصهيوني؟
إن حقائق التاريخ تؤكد أن لصبر الشعوب مدى، ولطاقاتهم على الاحتمال حدودًا، وإذا نفد صبر الشعوب، وأصبح الأمر أكبر من طاقة احتمالها، فإن ردود الفعل حينئذ ضد المصالح الأمريكية لا يمكن السيطرة عليها.
ومن جهة ثانية فإن دورة التاريخ تؤكد أن لكل قوة باطشة نهاية، وكما أن لكل دولة بداية فإن لها لحظة سقوطًا، والعاقل من وعى حقائق التاريخ واتعظ من عبره وأحداثه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل