; ألمانيا شريك رئيس في بناء الجيش الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان ألمانيا شريك رئيس في بناء الجيش الصهيوني

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 71

نشر في العدد 1531

نشر في الصفحة 18

السبت 14-ديسمبر-2002

صفقة صواريخ مضادة متطورة بقيمة ٣٥٠ مليون يورو.. هدية للكيان الصهيوني

لعبة إعلامية وسياسية تصرف الأنظار عن حقيقة انتشار السلاح الألماني في أيدي الصهاينة قبل الانتفاضة وأثناءها.

وزارة الاقتصاد: لا نفكر بوقف تصدير السلاح لإسرائيل.

المتحدث الرسمي لكتلة الحزب المسيحي الديمقراطي: أتفهم النقد القائم تجاه إرساليات السلاح إلى «إسرائيل» ولا شك أن الحكومة كان يمكن أن تتخذ الإجراءات المطلوبة لوقف التصدير لولا أن «إسرائيل» حالة خاصة.

بون نبيل شبيب

بعد زيارة رئيس الكيان الصهيوني موشي كاتساف لألمانيا لا يبدو أنه استطاع الحصول على ما أراد من أسلحة متطورة، ولا سيما دبابات (فوكس)، ولكن ذلك لا يعني أن السلاح الألماني لا يصل إلى القوات الصهيونية في الأصل، بل على النقيض فهو يصل بكميات كبيرة ونوعيات متطورة، وبما يخرق - بصورة مباشرة - ما ألزمت ألمانیا به نفسها منذ عشرات السنين بشأن عدم إرسال أسلحة إلى مناطق التوتر والأزمات في العالم.

دبابات فوكس وصواريخ باتريوت وكان أحد العاملين في وزارة الدفاع الألمانية قد ارتكب خطأ فاحشًا، أرغم وزير الدفاع الألماني بيتر شتروك على الاعتذار عنه علنًا في اليوم التالي، إذ قرأ قراءة سطحية طلبًا رسميًا إسرائيليا، للحصول على دبابات ألمانية متطورة من طراز (فوكس) - العاملة في ميدان تنفيذ العمليات العسكرية ونقل المعدات والجنود في ساحات القتال، مما يجعلها من الأسلحة البرية الهجومية دون ريب - ولكنه أبلغ المستشار الألماني جيرهارد شرودر أن الصهاينة يريدون الحصول على دبابات (فوكس) المجهزة لأغراض أخرى، أهمها الاستكشاف المبكر للأسلحة الكيماوية والحيوية التي تصنف بالسلاح الدفاعي. وجاء هذا الخطأ في فترة يحرص شرودر فيها على الإعلان بصورة استعراضية عن عدد من الخطوات التي يستجيب فيها للرغبات الأمريكية - جزئيًا - على سبيل التعويض عن الرفض الألماني المشاركة عسكرية مباشرة» في الحرب الأمريكية المرتقبة ضد العراق. ولهذا سارع المستشار الألماني - على غير المعتاد في صفقات مشابهة - إلى الإعلان عن عزم ألمانيا تلبية الطلب الإسرائيلي، بشأن هذه الدبابات، علاوة على تلبية طلب آخر للحصول على شبكات صواريخ من طراز باتريوت المضادة للصواريخ. الضجة السياسية والإعلامية التي أثارها هذا الخطأ بشأن توريد دبابات فوكس، لفتت الأنظار عن صفقة صواريخ باتريوت التي كانت الولايات المتحدة قد بدأت بصناعتها عام ۱۹۸۹م، وقامت ألمانيا بتطوير طراز منها يحمل اسم باك ٢٠، الذي يعتمد على تفجير الصواريخ المعادية بإطلاق صواريخ باتريوت عليها، بينما طور الأمريكيون في هذه الأثناء طرازًا جديدًا باسم باك ٣٠، يعتمد على تفجير الصواريخ المعادية بتقنية رفع حرارة المواد المتفجرة فيها عن بعد، دون إطلاق صاروخ مضاد لها.

ويوجد في الجيش الألماني حاليًا ٣٠ شبكة من شبكات صواريخ باتريوت هذه، تتبع للقوات العسكرية مباشرة، و6 شبكات أخرى سحبت من الخدمة ووضعت في المخازن في إطار لتوفير النفقات، وتردد - من قبل زيارة الرئيس الصهيوني أنها قد تصدر إلى الكيان الصهيوني على سبيل الهدية، وهي بقيمة تتجاوز ٣٥٠ مليون يورو، أي ضعف قيمة صادرات السلاح الألماني الرسمية بمجموعها إلى «إسرائيل» عام ٢٠٠٠م.

وتضم الشبكة الواحدة أربع منصات إطلاق كل منها مع منشأة رصد للصواريخ المعادية وأخرى للحسابات الإلكترونية وتوجيه الصواريخ المضادة، وعددها ثمانية في كل منصة، فتشمل الصفقة بذلك ۱۹۲ صاروخًا. أما صفقة الدبابات فستكون موضع التقرير لاحقًا في ضوء ما انكشف بصددها. وربما لو علم شرودر بما علم به في اليوم التالي لأحجم عن الإدلاء بتصريحه العلني بالموافقة، وترك الأمور تأخذ مجراها المعتاد دون ضجيج، أي بعيدًا عن وسائل الإعلام، كما هو الحال مع إرساليات الأسلحة الألمانية المتواصلة الصالح الصهاينة منذ الستينيات الميلادية الماضية. والواقع أن هذه الضجة السياسية والإعلامية ركزت الأنظار أيضًا على أن السؤال ما إذا كانت الأسلحة هجومية أو دفاعية يمثل عنصرًا حاسمًا في القرار الرسمي بشأن تزويد «إسرائيل» بالسلاح.. وهذا ما يعتبر مجرد لعبة سياسية وإعلامية، تصرف الأنظار عن حقيقة انتشار السلاح الألماني الهجومي والدفاعي على السواء. في الأيدي الإسرائيلية، بصورة لم تنقطع أثناء الحروب العربية - الصهيونية، ولا أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية وما ارتكبته وترتكبه القوات الإرهابية الصهيونية باستمرار بحق أبناء فلسطين داخل أرضهم. لقد كانت القوات الصهيونية وما تزال تعتمد اعتمادًا رئيسًا على السلاح الألماني، وبما يشمل سائر القطاعات البرية والبحرية والجوية، كما يشمل العمليات العسكرية الحربية بالمعنى التقليدي للكلمة، ويشمل أيضًا عمليات القمع الوحشي المتناقض مع الشرائع والمواثيق الدولية تجاه شعب فلسطين.

• ألمانيا تناقض مبادئها:

إرساليات الأسلحة الألمانية لا تخرق بذلك تلك المواثيق فقط، بل تخرق في الوقت نفسه المبادئ الأساسية، المقررة رسميًا في ألمانيا بشأن تصدير السلاح، وهي مبادئ أملاها على الألمان الاعتقاد بضرورة عدم الإسهام فيما تصنعه الحروب في أنحاء العالم، بعد الحربين العالميتين وما كان لألمانيا من دور عسكري فيهما. وقد وضعت هذه المبادئ في صياغة رئيسة سری مفعولها فترة طويلة من الزمن، وأعلن عنها رسميا في١٦/٦/١٩٧١م في عهد المستشار الألماني الأسبق فيلي براندت من الديمقراطيين الاشتراكيين، ولم تشمل في حينه ما كان يتم إنتاجه من السلاح في صناعة مشتركة مع فرنسا مما اعتبر ثغرة رئيسة في ضوابط تصدير السلاح الألماني، وجرى تعديل رئيس على الصياغة عام ۱۹۸۲ م في عهد المستشار الأسبق هيلموت شميدت من الديمقراطيين الاشتراكيين أيضًا. ولكن بدأت الاستثناءات بصورة واضحة مع وصول الاتحاد المسيحي وحزب الأحرار الديمقراطيين إلى السلطة في العام التالي في عهد المستشار السابق هيلموت كول، وكان آخر تعديل للمبادئ الأساسية في١٩/١/٢٠٠٠ م، ولكن في سائر هذه الحالات لم يتبدل أهم ما تقرره تلك المبادئ الرئيسة، مما يمكن إيجازه في:

1- اعتماد المصالح الأمنية والسياسية الخارجية لألمانيا الاتحادية نفسها.

٢-الحد من التصدير بما يساهم في ضمان السلام، والوقاية من العنف، ومراعاة حقوق الإنسان، ودعم التنمية البشرية.

٣-مراعاة المقررات الدولية الهادفة للحد من تجارة السلاح والحد من التسلح. 

٤-عدم تصدير السلاح في حالة الاشتباه باستخدامه للقمع الداخلي، أو خرق حقوق الإنسان.

٥- عدم تصدير السلاح إلى مناطق الأزمات. إن خرق هذه المبادئ جملة وتفصيلًا عن طريق إرساليات السلاح الهجومي والدفاعي الثقيل وغير الثقيل، إلى الإسرائيليين على امتداد عشرات السنين، لم ينقطع.... ولم يجد انتقادا حادًا، من جانب المعارضة النيابية إلا نادرًا، كما كان من جانب حزب الخضر في أطوار نشأته الأولى عندما انبثق من حركة السلام، وهو الشريك في الحكومة الائتلافية الحالية في ألمانيا بزعامة جيرهارد شرودر، الاشتراكي الديمقراطي، ونائبه يوشكا فيشر من الخضر. ويشير إلى ذلك على سبيل المثال قول كارل لامرس، الذي كان في حينه فبراير (۲۰۰۲م) المتحدث الرسمي للشؤون السياسية الخارجية لكتلة الحزب المسيحي الديمقراطي في المعارضة، عندما سئل عن المطالبة بوقف تصدير السلاح إلى الصهاينة في ضوء استخدامه في قمع الانتفاضة الفلسطينية، إذ أجاب: «أفهم تمامًا النقد القائم تجاه إرساليات السلاح إلى «إسرائيل»، ولا يوجد شك في أن الحكومة الألمانية كان يمكن أن تتخذ الإجراء المطلوب في مثل هذه الحالة وفق مبادئها الأساسية لتصدير السلاح ووفق مبادئ الاتحاد الأوروبي فتوقف تصدير السلاح إلى «إسرائيل» لولا أن إسرائيل تمثل حالة خاصة.

• المال والسلاح من ألمانيا:

تعود معاملة «إسرائيل معاملة خاصة من جانب ألمانيا إلى الفترة الأولى بعد النكبة الأولى بفلسطين، أيام كان بن جوريون يبحث عن مصادر دولية لدعم ترسيخ مرتكزات دولة الاغتصاب اقتصاديًا وماليًا وعسكريًا، بينما كان المستشار الأول للدولة الألمانية الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية يبحث عن وسائل تدعم رغبته في إعادة اندماج بلاده في المعسكر الغربي، وبدأت المفاوضات السرية بين الجانبين واستمرت طوال عامي ١٩٥١ و١٩٥٢م، وأسفرت في حينه عن صياغة الإعلان الرسمي على لسان أديناور في سبتمبر عام ١٩٥١م بأن ألمانيا تحمل مسؤولية العهد النازي تجاه اليهود وتجاه إسرائيل... وكذلك عن اتفاقية لوكسمبورج في ١٩٥٢/٩/١٠م. التي فتحت باب التعويضات المالية، وقد بدأت بمبلغ (۳) مليارات مارك، وكان حجم الميزانية الألمانية في ذلك العام في حدود ٢٣ مليارًا فقط قبل أن ينطلق الاقتصاد الألماني من عقاله فيما عرف بالمعجزة الاقتصادية. وأوصلت تلك البداية المتواضعة، قيمة التعويضات الألمانية إجمالًا إلى أكثر من ٨٣ مليار مارك (عام ٢٠٠٠م) كما يقول المؤرخ الألماني هانس جنتر هوكرتس من مدينة ميونيخ. على أن الأهم من ذلك في تلك الفترة، أن الاتفاقية تضمنت الشروع في إرسال المعدات الصناعية الألمانية فكانت إلى جانب النقد الأجنبي لتغطية نفقات استيراد النفط الخام والكيماويات وسواها، تمثل الأساس الذي فتح أبواب حياة إسرائيلية جديدة... على حد تعبير ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي آنذاك.

ولم يكن جولدمان يتحدث آنذاك عن حقيقة أن الإرساليات الألمانية لم تقتصر على المعدات المدنية بل العسكرية أيضًا، بل وكانت الإرساليات المدنية نفسها أكبر من المعلن عنه رسميًا، وفق ما كشف من بعد من علاقات التعاون المكثفة لمشاريع أعطيت العنوان التمويهي صديق العمل، بينما بدأ التعاون العسكري المكثف أيضًا وحمل عنوانًا تمويهيًا آخر فرانك / كول». وجاءت الدفعة الكبرى الأولى له من خلال الاتفاقية السرية التي عقدت بين وزيري الدفاع الألماني والإسرائيلي آنذاك، فرانس يوزيف شتراوس وشمعون بيريس، وتضمنت صفقات ضخمة شملت الأسلحة اليدوية والدبابات المقاتلة وتجهيزات عسكرية أخرى. لقد احتلت ألمانيا في حقبة الستينيات الميلادية المرتبة الأولى بين مصادر السلاح للإسرائيليين وكان معظم صادراته آنذاك عن طريق بريطانيا، وهو ما شكل في ذلك الحين العمود الفقري لسلاح الدبابات والمدرعات في الكيان الصهيوني وما تزال صادرات السلاح الألمانية في الوقت الحاضر تمثل عصب الحياة لتلك الدبابات والمدرعات من خلال ما يجري تصديره من صناعة شركة داساء المتفرعة عن شركات دايملر - كرايسلر، ويشمل محركات متطورة وتجهيزات إلكترونية أخرى تتحرك بها نسبة عالية من الدبابات والمدرعات الإسرائيلية في الوقت الحاضر في شوارع المدن والقرى الفلسطينية، فتقصف الأحياء السكنية وتصيب المدنيين فيها، وتدمر أيضًا المنشآت التي أقيمت بمشاركة مالية ألمانية وأوروبية.

وبعد المشاركة الفعالة في بناء الأسطول المدني البحري شاركت ألمانيا مشاركة حاسمة أيضًا في بناء الأسطول الحربي البحري الصهيوني، وشمل ذلك مختلف أنواع المعدات والتجهيزات القتالية، بما في ذلك «الطوربيدات»، وهو ما بلغ ذروته بالكشف عن توريد ثلاث غواصات ألمانية تعتبر من أحدث الغواصات في العالم، وتصلح لحمل رؤوس متفجرة نووية، وتم توريدها بين عامي ۱۹۹۹ و۲۰۰۱م، وهذا على الأقل مما يجعل كل حديث عن أسلحة دفاعية وأخرى هجومية حديثًا ساذجًا، ويجعل كل حديث عن عدم إرسال أسلحة إلى مناطق الأزمات حديثًا مخادعًا، لا سيما عندما تسلّط وسائل الإعلام وبعض السياسيين - الأضواء بين الفينة والفينة على إرسال أسلحة معينة مثل الأقنعة الواقية من الغازات، مما يمكن تفسيره كمحاولة للتأثير على الرأي العام عبر التأكيد أن الإسرائيليين يعيشون تحت خطر التعرض لأسلحة الدمار الشامل فلا غبار إذًا على تزويدهم بمثل تلك التجهيزات الواقية دون التعرض بحديث مباشر إلى إرساليات السلاح الأخرى، وليس مجهولًا أيضًا أن هذا الأسلوب بصدد تصوير الصهاينة في موضع التعرض للخطر، هو ما كان معتمدًا على الدوام في السكوت على ما ينشر من أنباء وتقارير بشأن إقدامهم على صناعة أسلحة الدمار الشامل وتخزينها، دون أن يتعرضوا لمثل ما تتعرض له أي دولة عربية إذا أقدمت على ذلك، بل إذا امتلكت بعض المؤهلات لاحتمال الإقدام عليه مستقبلًا.

• السلاح الألماني وانتفاضة الأقصى:

إذا كان ما سبق تعداده لا يمثل صورة شاملة الصادرات السلاح الألماني وجوانب التعاون العسكري المكثف بين الجانبين لا سيما في القطاعات التقنية والإلكترونية وميدان التطوير، فإن الجانب الذي بدأ يثير الرأي العام الألماني أثناء انتفاضة الأقصى على وجه التخصيص هو استخدام السلاح الألماني في العمليات العسكرية التي لا يوجد اختلاف يستحق الذكر بصدد كونها تخرق من قبل الصهاينة أبسط المبادئ والقيم الإنسانية، ونصوص المواثيق الدولية، وتصل إلى مستوى القتل العمد كما في حالة عشرات الاغتيالات المباشرة لمسؤولين سياسيين ومسؤولين عسكريين من فصائل المقاومة الفلسطينية.

وأبرز ما تذكره مصادر «حركة السلام الألمانية بهذا الصدد أن أفراد الجيش والمليشيات الصهيونية المختلفة، يستخدمون في عمليات القتل بأسلوب القنص عن بعد ستة أنواع من الأسلحة اليدوية، وهي «جالي» و«إم - ٣٦» من صناعة إسرائيلية، وريمنجتون إم ٢٤، وإم ٤٠ من صناعة أمريكية، وإس بي ٦٦، و«إس أر ٠٨٦ من صناعة شركة ماوزر الألمانية.

وتستشهد المصادر الألمانية على ذلك بمصادر عديدة، تكفي الإشارة إلى أحدها، وهو موقع شبكي إسرائيلي يحمل عنوان http//:www.isayeret.com     نشر صورًا عديدة لإسرائيليين من فرقة سيارت دوفيدان، وفي أيديهم أسلحة ألمانية الصنع أثناء عمليات قمع الانتفاضة الفلسطينية، والفرقة المذكورة هي فرقة المهمات الخاصة، التابعة للجيش الصهيوني والتي كان إيهود باراك وراء تأسيسها عام ١٩٨٧م عندما كان قائدًا للأركان، وتشكلت على غرارها فرقة ياماز عام ۱۹۹۰ م ووحدة «هاجيدونيم» في القدس المحتلة عام ١٩٩٤م.

في ألمانيا، وفي فترة المظاهرات الشعبية الحاشدة التي ضمت عشرات الألوف في شهري أبريل ومايو عام ٢٠٠٢م، كان المتظاهرون وعدد من المنظمات غير الحكومية يركزون على المطالبة بوقف تصدير السلاح الألماني للصهاينة، وهي الفترة التي تردد فيها أن الحكومة الألمانية أوقفت عمليات التصديق على الترخيصات الرسمية الدورية التي تعطيها الشحنات قطع الغيار للدبابات الصهيونية، ولكن كان واضحًا أن ذلك لم يتجاوز حدود تهدئة الرأي العام، ولم يكن له تأثير واقعي على مجرى العمليات العسكرية، لأسباب عديدة، منها قصر فترة انقطاع التصدير زمنيًا، وقد عادت الأمور بعد ذلك إلى ما كانت عليه من قبل أي إلى ما سبق أن تحدث عنه وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر جوابًا عن سؤال تليفزيوني يوم ١٤/٢/٢٠٠٢ م، ما إذا كانت حكومة برلين ستقطع إرساليات السلاح للصهاينة فقال لنا علاقات جيدة مع إسرائيل على جميع المستويات، ونحن مقتنعون بضرورة تطويرها ونسعى حثيثًا من أجل السلام، أما ما يتعلق بسائر التفاصيل العملية فلست محولًا بالحديث العلني عنها وقد تساءل السائل، محرر برنامج مونيتور التليفزيوني الألماني آنذاك: - وزير خارجية.. وليس مخولًا بالتصريح بشيء.. ولكن البرنامج نفسه تلقى من وزارة الاقتصاد الألمانية الجواب بوضوح، وهي المسؤولة عن توقيع ترخيص التصدير وفق قرارات حكومة برلين، وكان عن إرساليات السلاح جوابها، أنه لا يوجد أي تفكير بوقف تصدير السلاح، وسيستمر على ما كان عليه. من يطالب بوقف تصدير السلاح... لا يدور الأمر في إرساليات الأسلحة الألمانية حول بعض الأسلحة، ولا يهون الحديث عنه من شأن الدور الأمريكي في تسليح الصهاينة وتمكينهم من صنع ما يصنعون، عسكريًا وسياسيًا، لا سيما إذا كان توجيه أصابع الاتهام شبه الرسمي للدور الأمريكي مقترنًا بعدم اتخاذ أي موقف مضاد... ناهيك عن إجراء مضاد أو حتى الامتناع عن دعم السياسات الأمريكية في ميادين أخرى عديدة فوجود السلاح في الأيدي الصهيونية وتوجيهه إلى الفلسطينيين داخل المدن الفلسطينية وداخل القرى الفلسطينية، مرفوض بغض النظر عن مصدره والمسؤولية عن صناعة القرار السياسي في البلدان العربية تعني فيما تعنيه اتخاذ المواقف الواجبة بهذا الصدد أيضًا، لا سيما وأن ألمانيا حريصة على علاقاتها مع البلدان العربية وعلى تطويرها. ربما أكثر من حرص واشنطن على تلك العلاقات بعد أن أصبحت تجري في صيغة الهيمنة من جانب والتبعية من الجانب الآخر، وليس على أساس مصالح متبادلة مما يمكن أن يؤثر على صعيد المواقف الأوروبية عمومًا تأثيرًا أكبر. ولا ينبغي أن يكون أمر السلاح الألماني في الأيدي الصهيونية أمرًا جانبيًا، عندما يصل حجم ما يتم تصديره إلى أكثر من ۱۷۰ مليون دولار، في عام واحد (۲۰۰۰م) كما يقول التقرير الرسمي لهيئة التصدير الألمانية في مدينة إيشبورن، وهذا ما يقول عنه ميشائيل برتشوسكا من مركز بون التحويل الصناعات العسكرية إلى مدنية إن إسرائيل كانت بذلك على رأس قائمة المستوردين للسلاح الألماني خارج نطاق دول حلف شمال الأطلسي. د. عماد جاد رئيس تحرير مجلة مختارات إسرائيلية الصادرة عن مؤسسة الأهرام في القاهرة، أجاب مؤخرًا عن سؤال إذاعي عن سبب الإعلان الصادر عن برلين بشأن تلبية الطلب الصهيوني الحصول على صواريخ باتريوت بينما لم تكن ألمانيا تتحدث علنًا عن مثل تلك الصفقات فأعاد ذلك إلى حقيقة أن ألمانيا لم تعد تخشى على مصالحها في البلدان العربية، ولم تعد تتوقع ردود فعل عربية محتملة.. فما الذي يمنعها الآن من التصريح بما تصنع منذ فترة....

ويبلغ هذا الوضع من الشذوذ ما يثير شيئًا من الانزعاج عند وضع هذا الغياب الرسمي العربي المذهل، مقابل مواقف جهات إسرائيلية تنسب إلى حركة السلام، لا تتخلى عن المصلحة الإسرائيلية، فهي عندها قبل كل شيء، ولكن يبدو أن هذا ما يجعلها أيضًا لا تتردد عن التصريح بما تعتقد أنه في مصلحة الصهاينة، إذ تقدر على الأرجح أن استمرار المواجهة الراهنة، وبالتالي استمرار المقاومة الفلسطينية وزيادتها عمقًا وانتشارا، يمكن أن يؤدي إلى تغيير يهدد بنتائجه الكيان الصهيوني.... وقد أدلى عدد من الصهاينة بدلوهم علنًا في قضية استخدام السلاح الألماني في قمع الانتفاضة الفلسطينية.

بالمقابل لا نجد في الوقت الحاضر موقفًا عربيًا رسميًا أو شبه رسمي على هذا الصعيد وليس صحيحًا ما يقال عادة في مثل هذه الحالات عن اتصالات تجري عبر القنوات الدبلوماسية فالمعتاد دبلوماسيًا أن تجد التصريحات العلنية أجوبة وردود أفعال علنية، هذا علاوة على ما أصبح يتردد - للأسف - من أن كثيرًا من الجهات المسؤولة في الدول العربية، أصبحت تقول وراء الكواليس أقل.. وأحيانا نقيض ما تقوله علنًا في مثل هذه القضايا مراعاة لارتفاع مستوى الوعي الشعبي العربي والإسلامي وبالتالي ردود الفعل المحتملة شعبيًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 276

212

الثلاثاء 25-نوفمبر-1975

مع وفد جبهة تحرير مورو

نشر في العدد 330

138

الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

الاستقلال الذاتي لمسلمي الفلبين